تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 3

تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 3

الدرس في تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نزول السكينة وطمأنينة المؤمنين بعد الحديبية

يفسر الشيخ السعدي آية السكينة بأنها الطمأنينة والثبات التي أنزلها الله في قلوب المؤمنين عقب صلح الحديبية، ليزيدهم إيماناً ويقيناً بنصر الله، وتتحول المحن إلى منح وعزة، ويثبت الله قلوبهم عند الفتن.

نعمة التثبيت الإلهي عند نزول الفتن والمحن

يبيّن المقطع أن ثبات الله للعبد في الفتن والبلايا نعمة عظيمة، مستشهداً بحديث ابن عمر في صحيح مسلم عن خوف المؤمن من الهلاك، وآيات السكينة التي أنزلها الله على الصحابة في مواطن الشدة كالأحزاب والحديبية، مبيناً أن الصبر على المكاره يزيد الإيمان واليقين.

طاعة النبي صلى الله عليه وسلم وثبات الإيمان وجند الله في السماوات والأرض

يبرز المقطع أهمية اتهام الرأي الشخصي وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل الصحابة يوم أبي جندل، ويبين أن الثبات على شرع الله عزيمة ونصر حتى لو تأخر الظفر، وأن الإيمان يزيد بالطاعة والصبر، مع توضيح أن لله جنود السماوات والأرض قادراً على نصر دينه، لكن حكمته تقتضي المداولة بين الناس وتأخير النصر لمآلٍ عليمٍ حكيم.

حكمة الله في تهيئة أسباب النصر للمؤمنين

توضح الآية أن من حكمة الله سبحانه وتعالى إعداد الأسباب التي تمكن أهل الإيمان من تحقيق الغلبة والنصر، مع تأكيد أن العباد مأمورون بالأخذ بالأسباب رغم قدرة الله على كل شيء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. يقول رحمه الله: يخبر تعالى عن منته على المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم، وهي السكون والطمأنينة. من زال السكينة في قلوبهم وهي السكون والطمأنينة والثبات عند نزول المحن المقلقة والأمور الصعبة التي تشوش القلوب وتزعج الألباب وتضعف النفوس. فهذه السكينة التي أنزلها الله عز وجل على أهل الإيمان وعلى الصحابة رضي الله عنهم هي طمأنينة في قلوبهم حتى يزدادوا إيماناً مع إيمانهم ويقيناً مع يقينهم. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنه أن كل سكينة في القرآن فالمراد بها الطمأنينة، إلا ما جاء في سورة البقرة. فهنا أراد الله عز وجل أن يطمئن قلوبهم بعدما حصل ما حصل في صلح الحديبية. فلما أنزل الله عز وجل هذه السورة العظيمة اطمأنت قلوبهم وأيقنوا بموعود الله جل وعلا وأنه سيكون فتح، فصارت أنفسهم في اطمئنان عظيم، وأن دين الله عز وجل منصور. وهم لم يشكوا في ذلك، لكن أحياناً بعض الأحداث تطغي على الشخص أو تصرفه عن بعض اليقين، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات وهذه السورة حتى يطمئن أهل الإيمان أن دين الله عز وجل منصور، وأنهم غالبون، وأنهم قد فتحوا وسيفتحون. قال: فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه. كما ذكر الشيخ رحمه الله أن هناك أحياناً أموراً تنزل على الشخص كالمحن تقلقه، وأموراً صعبة تشوش على القلب وتزعج النفس وتضعفها، فيأتي بعد ذلك ما يطمئنها ويزيدها خيراً ويزيدها يقيناً. قال: فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، بل وتتحول هذه المحن التي اعترضته والتي جاءته إلى منح وإلى فوز وإلى عزة. فلهذا ازداد أهل الإيمان بعد الحديبية، زادهم إيماناً وعزة ويقيناً وغير ذلك من المعاني العظيمة التي حصلت في قلوب أهل الإيمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، لأن غالباً القلوب تزل وقت الفتن، وأيضاً كذلك لا تستقر إلا من ثبته الله عز وجل في هذه الفتن والمحن. فإن تثبيت الله عز وجل للعبد في المحن وفي الفتن وفي البلايا هي نعمة عظيمة، نعمة عظيمة، عندما تنزل عليك الفتن المدلهمة التي تموج كموج البحر، فيأتي تثبيت الله عز وجل لك، هذه أعظم النعم. ولهذا جاء في الحديث، حديث عبد الله بن عمر الذي في صحيح مسلم، من شدة الفتن حتى أن العبد المؤمن يقول: هذه مهلكة، هذه، أن هذه الفتنة ستهلكني وسأضل عن الطريق الصحيح. قال: فتنقشع، أي تذهب، ثم تأتي الفتنة فيقول: هذه مهلكة، هذه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فمن حبا يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ الناس ما يحب أن يؤتى إليه». فهذا هو الثبات على دين الله جل وعلا وعلى المكارم والأخلاق، فيثبت الشخص مهما تغيرت أخلاق الناس، ومهما ذهبت أماناتهم، ومهما أيضاً ذهب يقينهم، فيكون ثابتاً على أمر الله جل وعلا، طال ويربط على قلبي وينزل عليه السكينة ليتلقى هذه المشقات بقلب ثابت. وقد أنزل الله عز وجل السكينة على الصحابة في مواطن كثيرة، أنزل عليهم السكينة في مواطن فيها زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، لكن أنزل الله عز وجل عليهم السكينة واليقين. ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. تجمعت عليهم الأحزاب من قريش وغيرها من القبائل وحاصروهم في المدينة، فتجد الصحابة رضي الله عنهم تسكن قلوبهم وتطمئن قلوبهم، وأن هذا تحقيق لوعد الله. وكما قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. ظنوا أنهم قد كذبوا، أي أنهم قد كذبهم الناس وبعدوا عنهم، لكن يثبتهم الله عز وجل ويأتي بعد ذلك بالنصر: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قال رحمه الله: والنفس المطمئنة تستعد بذلك لإقامة أمر الله في هذه الحال، فيزداد بذلك إيمانه ويتم إيقانه. فالصحابة رضي الله عنهم لما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمشركين من تلك الشروط التي ظاهرها أنها غضاضة عليهم، عن الشروط التي حصلت في صلح الحديبية، وحط من أقدارهم لأنهم كانوا أقوياء يستطيعون أن يحاربوا قريشاً، بل أن قريشاً قد وهنتهم وقد أيضاً أذلتهم الحرب، ما صاروا بتلك القوة. قالوا: حط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس. فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها ازدادوا بذلك إيماناً مع إيمانهم. وكما قال سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه كما في السنن: «اتهموا رأيكم، فوالذي نفسي بيده، لقد رأيتنا يوم أبي جندل، لو أردنا أن نرد كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرددنا، من ذلك الموقف العصيب، لكن لم نرد كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل أطعناه ووافقنا على ما وافق عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يعترض أحد، طاعة لرسول الله صلوات الله والسلام عليه». فلهذا قال سهل بن حنيف: اتهموا رأيكم، لأن الرأي قد يخطئ، ولا يتهم الإنسان شرع الله جل وعلا، بل شرع الله ثابت، وأيضاً شرع الله سبحانه وتعالى هو الذي لا يتزعزع، لكن الناس يتزعزعون. فمن ثبت على شرع الله صار من أهل العزة ومن أهل النصر، ولو لم يرى نصراً أمامه، ولو لم يرى نصراً أمامه، بثباته على دينه سيأتي النصر، بل ثباته على دينه نصر له، لأنه ولو مات فهو مات على عزة وعلى كرامة. قال: فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها ازدادوا بذلك إيماناً مع إيمانهم. وهذه الآية من آيات كثيرة في إثبات مذهب أهل السنة في الإيمان، أنه اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. يزيد بالطاعة، وقد ذكر الله عز وجل في عدة آيات زيادة الإيمان، ومنها هذه الآية: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾. وما ذكره بعض المفسرين أن الإيمان هنا الخشية أو اليقين، فهذا لا يضر، لأن زيادة الإيمان إنما بزيادة هذه الأشياء، إذا زادت الخشية والخوف وزاد اليقين وزاد أيضاً الصبر، فإن الإيمان يزيد بهذه القوائم والدعائم. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي جميعها في ملكه وتحت تدبيره وقهره، فلا يظن المشركون أن الله لا ينصر دينه ونبيه، ولكنه تعالى عليم حكيم، فتقتضي حكمته المداولة بين الناس في الأيام وتأخير نصر المؤمنين إلى وقت آخر، هذا من حكمة الله جل وعلا، وإلا فربنا جل وعلا له جنود السماوات والأرض، يستطيع أن يغلب هؤلاء بأصغر الجنود، بأصغر الجنود، مثل ما هزم الله عز وجل أبرهة الأشرم بالطير الأبابيل، وأرسل على بني إسرائيل أشياء كثيرة من الضفادع والدماء، وكذلك أرسل على بعض القرى الذر والنمل وغيرها من جنود الله عز وجل، يرسلها الله عز وجل إلى بعض هؤلاء المعارضين المتكبرين. فالله عز وجل يقول: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي هو قادر على أن يهزم هؤلاء الذين اعترضوا أهل الإسلام في دخولهم إلى مكة، هو قادر أن يهزمهم وأن أيضاً كذلك يسلط عليهم جنوده، لكن لله عز وجل الحكمة العظيمة، فقال: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، عليماً بمآلات الأمور، فلذا فهو حكيم سبحانه وتعالى، وجعل حكمته المداولة بين الناس في الأيام، وجعل أيضاً من حكمته سبحانه وتعالى أن يهيئ الأسباب لأهل الإيمان حتى ينتصروا، حتى يكون الغلب لهم، وأيضاً من حكمته سبحانه وتعالى أن جعل عباده يأخذون بالأسباب، يأخذون بالأسباب، أسباب النصر وأسباب الغلبة وغيرها من هذه الأشياء، وهذا من حكمته سبحانه وتعالى، وإلا فهو قادر على كل شيء جل وعلا. فهذا ما يذكر في هذه الآية، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.