الدرس في تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي أن الآية تبشر المؤمنين بدخول الجنات وتكفير السيئات بوصفه الفوز العظيم، مبيناً أنها نزلت في أهل الحديبية مستدلاً بحديث أنس في البخاري. ويذكر أقوال العلماء في عدد الصحابة الذين حضروا بيعة الرضوان تحت الشجرة.
يبيّن المقطع أن المبايعين تحت الشجرة في الحديبية هم أنفسهم من شهدوا فتح خيبر ونالوا غنائمها تعويضاً لصبرهم، مع ذكر موقف عمر بن الخطاب في وقف أرضه. ثم ينتقل إلى بيان مصير المنافقين والمشركين الذين تخلفوا عن الغزوات خوفاً من قريش وظنوا بالله ظن السوء.
أعطى الله المنافقين الذين خذلوا المؤمنين في الحديبية فرصة للتوبة بحضور خيبر، فمن حضر غفر له ومن تخلف خُذل، بينما أذاق المشركين والمنافقين الهزيمة والهوان حتى قبلوا الصلح. كما يحذر من ظن السوء الذي قد يقع من بعض المسلمين بالتشاؤم وعدم الثقة بوعد الله بالخير.
يختتم المتحدث شرحه للآيات الكريمة مكتفياً بما ذُكر ومفوضاً العلم لله تعالى في ختام الدرس. ويشير إلى أن الترجمة المعروضة هي من إنجاز نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. قال رحمه الله: فهذا أعظم ما يحصل للمؤمنين، أن يحصل لهم المرغوب المطلوب بدخول الجنات، ويزيل عنهم المحذور بتكفير السيئات؛ لأن المؤمن طلبه من الله أن يدخله جنات، فلهذا كان هذا المطلوب المرغوب لأهل الإيمان. وأيضًا أنه لا يعاقبهم، فيكفر عنهم سيئاتهم، فهذا الفوز العظيم الذي يرتقبه أهل الإيمان والجزاء العظيم. وهذه الآية نزلت أيضًا كذلك في الحديبية في نفس السورة، وفيها أن الله عز وجل بشر أهل الحديبية بدخولهم في جنات الله جل وعلا. ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري من طريق شعبة عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: لما نزلت هذه السورة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نزلت علي سورة هي أحب إلي مما في الأرض» أو قال: «في الدنيا» على الروايات. قال الصحابة: هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾. قال شعبة: هكذا حدثنا قتادة، وحدثت الناس بالبصرة على هذا. قال: ثم رجعت إليه، أي رجع إلى قتادة، فقال لي: ليس كله عن أنس، وإنما آخره عن عكربة، أي أن عكربة هو الذي أخبر قتادة أن الصحابة قالوا: هذا لك يا رسول الله فما لنا؟ فذكر هذه الآية. قال شعبة: فحدثت الناس بذلك. فهذا يدل على أن هذه الآية نزلت في أهل الحديبية. ولا شك أن الله عز وجل رضي عن أهل الحديبية كما سيأتي إن شاء الله، وخاصة في بيعتهم بيعة الرضوان. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين: «لا يدخل النار أحد حضر بدرًا والحديبية». فالحديبية حضرها قرابة ألف وخمسمائة، وجاء عن جابر أنه قال: ألف وأربعمائة. لكن قال سعيد بن المسيب كما في البخاري: «هي مجابر»، فقد حدثني أنهم ألف وخمسمائة. وجاء في سيرة ابن إسحاق أنهم ألف وسبعمائة. وأما مسألة أربعمائة وخمسمائة فظاهر أنه لا اختلاف، وإنما هو لأنه تقدير وليس عددًا بالضبط. أنا ليس تحقيقًا في العدد وإنما من باب التقريب، فتجد جابرًا أحيانًا يقول ألف وخمسمائة، وأحيانًا يقول ألف وأربعمائة. وهم أولوا الذين بايعوا تحت الشجرة، بايعوا تحت الشجرة في الحديبية، وأيضًا هم الذين اختارهم الله عز وجل في غزوة خيبر التي بعدها؛ لم يذهب إلى خيبر إلا من حضر الحديبية، وفتحوا فتحًا عظيمًا، وتحصلوا على مغانم كثيرة في خيبر، فقسمها النبي عليه الصلاة والسلام تعويضًا للصحابة الذين حضروا الحديبية، وفقهم الله عز وجل لصبرهم ولثباتهم ولطاعتهم لله ولرسوله، فوفقهم الله فأعطاهم أولًا هذه الجائزة العظيمة، وهي أنه وعدهم سبحانه وتعالى بجناته جل وعلا، وأعطاهم أيضًا من الدنيا ما تحصلوا عليه من الغنائم بخيبر، تحصلوا على أراضٍ كثيرة، حتى أن عمر رضي الله تعالى عنه تحصل على أرض كانت أفضل ما تحصل عليه، فجعلها رضي الله تعالى عنه صدقة لله ولرسوله، فقال: يا رسول الله، أصبتُ مالًا لم أُصب مالًا قط هو أنفس عندي منه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحبس أصلها ويسبل ثمرتها، أن يجعلها وقفًا، حبس أصلها، وأن أصلها يجعلها وقفًا، والثمرة تجعلها نفعًا للمسلمين، إلى آخر ما جاء في حديث عمر في البخاري. قال رحمه الله: قال: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾، أي هؤلاء الذين حضروا هذا الصلح وحضروا هذه البيعة. قال: فهذا ما يفعل بالمؤمنين في ذلك الفتح المبين. ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. فقال رحمه الله: وأما المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات فإن الله يعذبهم بذلك، ويريهم ما يسوءهم، حيث كان مقصودهم خذلان المؤمنين، وظنوا بالله ظن السوء. وهذا ظن السوء الذي ظنوا أن الله لا ينصر أهل دينه، وأن الله لا يعلي كلمته، ولهذا ظهر نفاقهم في الأحزاب، وظهر نفاقهم في الحديبية. فهم -معناه- قصد الله عز وجل هؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن الغزوة خوفًا من قريش، خافوا من قريش وأنهم سيقتلون في هذه الحرب، فلم يأتوا مع النبي عليه الصلاة والسلام. لكن سيأتي أن الله عز وجل أعطاهم فرصة أنهم يحضرون خيبر، أي الذين خذلوا أهل الإيمان في الحديبية فرجعوا، فأعطاهم الله عز وجل فرصة في خيبر، فمن حضرها فتاب الله عز وجل عليه، ومن خاف أيضًا من اليهود فخذله الله عز وجل. فلذلك فإن الله عز وجل أشاد بأهل الإيمان وأنهم صبروا وثبتوا، فجعل الله لهم هذه الجنات، وهم جنود الله جل وعلا. وأما أهل النفاق وأهل الشرك فإن الله يعذبهم بما هم عليه من ذلك النفاق والشرك، ويريهم ما يسوءهم، حيث كان مقصودهم خذلان المؤمنين. معنى هذا: من المنافقين ومن المشركين أن صدوهم عن المسجد الحرام. ﴿ وَظَنُّوا بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، وأن أهل الباطل ستكون لهم الدائرة على أهل الحق. هذا ظن السوء الذي ظنوه، وأن كفار قريش سيهزمون أهل الإيمان، ولهذا لم يستقيلوا، رجعوا، وبعضهم اعتذر. فأدار الله عليهم ظنهم، وكانت دائرة السوء عليهم في الدنيا. معنى أن أذاقهم الله عز وجل العذاب، أي عذاب الحرب والهوان، حتى قبلوا الصلح، حتى قبلوا الصلح. فقريش كانت لها صولة وجولة، ولها أيضًا كبرياء كما وصفهم الله عز وجل في بدر، فخرجوا متكبرين، لكن الله عز وجل أذلهم، وربنا سبحانه وتعالى هزمهم. وكذلك في الأحزاب رجعوا منكسرين، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الآن نغزوهم لا يغزونا». وبعد ذلك خذلوا، وأيضًا كذلك أهينوا حتى قبلوا الصلح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا كان بعض سفهائهم يقول: نحن ما نريد صلحًا، ما نريد صلحًا، لكن أهل الرأي فيهم رأوا أن الصلح خيرًا لهم لأن الحرب قد وهنتهم. ﴿ وَلَعَنَهُمْ ﴾: أن يبعدهم وأقصاهم عن رحمته. ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾: أي هؤلاء الذين ظنوا بالله ظن السوء. ولهذا ظن السوء بالله جل وعلا قد يكون من أهل الإسلام، وقد يكون من أهل الشرك وهو غالبه، لأن ظن السوء هو أن يظن أن الله -يعني أن يظن أن الله عز وجل لا يأتي بالخير، وإنما يظن أن الله سيأتي بالشر. وهذا كما قلنا قد يكون اعتقادًا أيضًا عند بعض المسلمين ممن يتشاءم كثيرًا بالأحداث، يتشاءم ولا يثق بالله جل وعلا وأنه سيأتي بالخير. فهذا ما يذكر في هذه الآيات. فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر