الدرس في تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آيات سورة الفتح الخاصة بالمخلفين عن صلح الحديبية، مبيناً أنهم طلبوا اتباع المسلمين إلى خيبر طمعاً في الغنائم بعد أن تخلفوا خوفاً من قريش. فحرمهم الله من غنائم خيبر عقوبةً لهم، فردوا اتهام المسلمين بالحساد، والواقع أن حرمانهم بسبب معصيتهم وعصيانهم لأمر الله ورسوله.
يشرح المقطع الآية الكريمة التي تخاطب المخلفين بأنهم سيدعون لقتال قوم أولي بأس شديد، ويستعرض أقوال العلماء في تحديد هؤلاء القوم كفرس والروم أو بنو حنيفة وثقيف. ويرجح أن اليهود ليسوا المرادين لوصفهم بالجبن، مستشهداً بمعركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب كمثال عملي.
يشرح المقطع آيات الجهاد الداعية لقتال قوم أولي بأس شديد كفرس والروم، مبيناً وعد الله المجاهدين بالأجر الحسن وتهديد المتولين بالعذاب الأليم. ويشير إلى أن هذه الآيات بشارة للمتخلفين عن الحديبية بالمشاركة في فتوح كبرى، دالة على فضيلة الخلفاء الراشدين ونصر الله للمؤمنين.
يختتم المتحدث كلامه بعبارة "تعالى أعلم" تفويضاً للعلم المطلق لله سبحانه. تعبر هذه العبارة عن التواضع العلمي والاعتراف بأن علم البشر محدود ومحاط بجهلهم، بينما علم الله شامل وكامل.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعُكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال رحمه الله: لما ذكر تعالى المخلفين وهم مخلفين، أي الذين تخلفوا عن المشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، فإنه ندبهم إلى الخروج وحثهم على الخروج فلم يخرجوا، وخافوا من قريش، وكانوا قوما بورا، وظنوا بالله ظن السوء، فهذا الذي أقعدهم. ثم ذكر الله عز وجل أن المخلفين هؤلاء سيقولون لأهل الإيمان، فقال المؤلف رحمه الله: ويقولون: «ذرونا نتبعكم»، يريدون بذلك أن يبدلوا كلام الله حيث حكم بعقوبتهم واختصاص الصحابة المؤمنين بتلك الغنائم شرعا وقدرا، هذه الغنائم التي سيجنونها من خيبر، وليس المراد في صلح الحديبية؛ لأن الحديبية لم يغنموا شيئا، وإنما رجعوا ولم تكن هناك حرب، لكن الله عز وجل وعدهم فتحا قريبا وهو فتح خيبر، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام بين لهم أنه لا يذهب إلى خيبر إلا من حضر الحديبية، يعني لا يذهب إلى خيبر إلا من حضر الحديبية لأجل أن يعوضهم بغنائم بدل ما حصل في الحديبية، فلذلك لم يحضر هذه الغزوة أو الفتح -فتح خيبر- إلا من حضر الحديبية، فلذلك هؤلاء الأعراب والمخلفون من المنافقين وغيرهم قالوا لأهل الإيمان: إذا انطلقتم إلى مغانم كثيرة، إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها، فإذا وجدتم مغانم: «ذرونا نتبعكم»، ما دام أن هناك غنائم سنتحصل عليها: «ذرونا نتبعكم»، يريدون أن يبدلوا كلام الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: إنه لا يأتي إلى هذا الفتح إلا من حضر الحديبية، فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾، فقال: قل لهم: لن تتبعونا، ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾، أي إنكم محرومون منها بما جنيتم على أنفسكم وبما تركتم القتال أول مرة، إنها عقوبة لهم أن الله عز وجل لم يقبلهم لأجل فتح خيبر حتى لا يتحصلوا على غنائم، لأنهم أصحاب أغراضهم أموال، ويريدون المال فقط، فلذلك فهم يريدون أن يذهبوا مع أهل الإسلام إلى خيبر، ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾، قال: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ أي مجيبين لهذا الكلام الذي منعوا به عن الخروج: ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ على الغنائم، هذا منتهى علمهم في هذا الموضع، انظر إلى خبث هؤلاء، إنهم يريدون أن يبينوا أن أهل الإيمان والصحابة رضي الله عنهم إنما منعوهم من الخروج لأجل الحسد لأنهم سيتحصلون على غنائم، فهؤلاء حسدوهم، وهذا كلام باطل، بل الله عز وجل بين لهم في هذا ورد عليهم أن هذا أمر من الله، فهو الذي منعكم وليس غيره جل وعلا، قال: وقال: ﴿وَلَوْ فَهِمُوا أَفْهَامَهُمْ لَعَلِمُوا أَنَّ حِرْمَانَهُمْ بِسَبَبِ عِصْيَانِهِمْ وَأَنَّ الْمَعَاصِيَ لَهَا عُقُوبَاتٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَدِينِيَّةٌ﴾، ولهذا قال: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، معناها: فهمهم وعقولهم ناقصة قاصرة جدا، فلذلك لم يفهموا مثل هذا الكلام، وقد قال لهم النص: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾، مع هذا البيان إلا أنهم يقولون: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾. ثم قال جل وعلا: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقول رحمه الله إمام السعدي: لما ذكر تعالى أن المخلفين من الأعراب يتخلفون عن الجهاد في سبيله ويعتذرون بغير عذر، وأنهم يطلبون الخروج معهم إذا لم يكن شوكة ولا قتال بل لمجرد الغنيمة، قال تعالى ممتحنا لهم: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، إذا أردتم أن تخرجوا تريدون غنائمهم، فهناك سيواجه أهل الإسلام قوم أولي بأس شديد، سيدعوكم الرسول ومن ناب منابهم من الخلفاء الراشدين والأئمة، وهؤلاء القوم هم فارس والروم ومن نحى نحوهم وأشبههم، هنا العلماء قالوا: من هؤلاء الذين سيدعون أهل الإسلام لقتالهم أو يدعون هؤلاء الأعراب لقتالهم؟ ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، أناس أقوياء، فمن هم؟ قصد معنى قصد الله عز وجل بهؤلاء الذين هم أهل بأس شديد، فتنوعت أقوال أهل العلم وأيضا السلف، فمنهم من قال: فارس والروم، ومنهم من قال: إنهم بنو حنيفة، ومنهم من قال غير ذلك، وثقيف وغطفان، كما في حنين، أولى العرب كانوا فرسانا، وبنو حنيفة أيضا من أهل البأس، من أهل الفراسة، من أهل الشجاعة، وكذلك أهل نجد، هم من أهل نجد الذين كانوا يظنون أنفسهم بواسل وفعلا، حتى جاء عن بعض الصحابة أنه قال: لم ندري من هؤلاء الذين هم أولو بأس شديد حتى قاتلنا بني حنيفة، قاتلوا بني حنيفة في معركة اليمامة، لما قتل ذلك الكذاب مسيلمة، فابتلوا ابتلاء عظيما، قتل كثير من القراء، من العلماء، من حفظة القرآن، كانت مزلزلة لأهل الإيمان في هذه المعركة -معركة اليمامة-، ثم نصر الله عز وجل جنده وهزم بني حنيفة، وقتل مسيلمة الكذاب ومن معه، وقتل كثيرا منهم وأسروا بعضهم، ثم أنهم تراجعوا وأسلم أكثرهم، المهم أن هؤلاء كانوا قوم بأس شديد، أما اليهود فلم يذكرهم إلا من أخذ بظاهر الأمور، أخذ بظاهر الحوادث، وهم قليل من المفسرين ذكروا أنهم اليهود، لأن اليهود لا يوصفون بالبأس الشديد، اليهود هم من أجبن الناس، واليهود هم أهل حيل ومكر، ليس أهل مواجهة، فبعيد جدا أن يصفهم الله عز وجل بأنهم أهل بأس شديد، وأيضا كذلك كانوا في ذلك الوقت من المخذولين، وضربت عليهم الذلة كما ذكر الله عز وجل، فلذلك لم يكونوا يوصفون بهذا الوصف، فلذلك أكثر العلماء يقولون: إما فارس أو الروم، أو من جاء من بعدهم من العرب الذين قاتلوا الصحابة كثقيف وغطفان وهوازن، وكذلك أيضا كبني حنيفة وغيرهم، فلذلك قال الله عز وجل: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، أي إما هذا وإما هذا، أن تقاتلوهم أو يسلمون ويدخلون في دين الله عز وجل، فلا يقع بعد ذلك القتال، قال: وهذا هو الأمر الواقع، فإنهم في حال قتالهم ومقاتلتهم لأولئك الأقوام إذا كانت شدتهم وبأسهم معهم، فإنهم في تلك الحال لا يقبلون أن يبدلوا الجزية، إنما ما سيقولون: إما أن نقتل وإما أن ندخل معهم في الإسلام، أما أننا ندفع الجزية لهم فلا، ندفع الجزية معنا المال لأجل أن يتركوهم أو لا يقتلوهم ويكونون حكم أهل الإسلام، قال: إما أن يدخلوا في الإسلام وإما أن يقاتلوا على ما هم عليه، فلما أخناهم المسلمون وضعفوا وذلوا ذهب بأسهم، فصاروا إما أن يسلموا وإما أن يبدلوا الجزية، ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي الداعي إلى قتال هؤلاء ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾، وهو الأجر الذي رتبه الله ورسوله على الجهاد في سبيل الله، وهذه فرصة أيضا أعطاهم الله عز وجل لرحمته وكرمه سبحانه وتعالى، أعطى هؤلاء المتخلفين فرصة أنهم إن قاتلوا هؤلاء القوم الذين هم أولو بأس شديد، فإن الله عز وجل يؤتيهم أجرا حسنا، فيؤتيهم أجرا حسنا، ثم قال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي عن قتال من دعاكم الرسول إلى قتاله ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال: ودلت هذه الآية على فضيلة الخلفاء الراشدين الداعين لجهاد أهل البأس من الناس، معنا: حمل شيخنا العلامة السعدي هذه الآية على أن أولي بأس شديد هم فارس والروم، أو من جاء من بعدهم، أو من كان في ذلك الوقت من العرب من بني حنيفة وغيرهم، وهذا إشارة إلى أنهم سيقاتلونهم، أي أهل الإسلام، بأمر أمراء أهل الإيمان وأهل الإسلام، أمراء المؤمنين، سيقاتلون هؤلاء من فارس والروم وهم أهل بأس، معنا: كانت فارس لا يستطيع أحد مقاومتها في ذلك الوقت، حتى الروم، حتى الروم تجد أنهم لا يستطيعون مبارزة ومواجهة فارس لشدتهم ولقوتهم، لكن الله عز وجل غلبهم بهؤلاء العرب أهل الإسلام الذين كانوا يستضعفونهم، معنا: كانوا يستضعفون العرب، لكن الله عز وجل هزمهم بهؤلاء، وأيدهم ربنا سبحانه وتعالى بروح القدس، وأيدهم بالملائكة، وأيدهم بنصره سبحانه وتعالى، فهزم الله عز وجل الفرس وكسرهم، وهزم أيضا كذلك الروم وقيصرهم، قال: وهو الأجر الذي رتبه الله ورسوله على الجهاد في سبيل الله، فهذه فرصة أعطاها الله عز وجل هؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية وكانوا يريدون خيبر، وهذا أيضا دليل على أن الذين سيقاتلونهم ليسوا اليهود، لأن خيبر لم يجعل الله عز وجل أحدا يذهب إلى خيبر ويقاتلها إلا من كان حضر الحديبية، فلذلك فليس المقصود من هؤلاء العدو هم اليهود أبدا، بل يأتون بعد ذلك، يأتون بعد ذلك، فلذلك أعطى الله عز وجل الفرصة لهم بعد ذلك، أما فتح خيبر فما لكم فيه شيء، أنا يقول لهم: فتح خيبر ما لكم فيه شيء، لكن ستقاتلون وتدعون إلى قوم أولي بأس شديد، فإن كنتم صادقين على ما تقولون فقاتلوا هؤلاء واذهبوا بالجهاد لهؤلاء، وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما، طيب، هذا ما يذكر في هذه الآيات، والله تعالى أعلم.