الدرس في تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آيات سورة الفتح التي تعفي الأعمى والأعرج والمريض من حرج التخلف عن الجهاد لعجزهم، مؤكداً أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. ويختم بالوعد بالجنة للمطيعين والوعيد بالعذاب الأليم للمعرضين، مع ذكر رضوان الله على المبايعين تحت الشجرة.
وقعت بيعة الرضوان في الحديبية بعد انتشار خبر مقتل عثمان بن عفان، فبايع نحو 1400-1500 صحابي النبي صلى الله عليه وسلم على الثبات والقتال حتى الموت. أنزل الله السكينة على قلوبهم ورضي عنهم، ونزلت سورة الفتح مبشرةً بفتح قريب وعز للإسلام.
يفسر المقطع نزول السكينة على قلوب المؤمنين في الحديبية تثبيتاً لهم، وبشرهم الله بفتح قريب هو خيبر اختص بها أهل الحديبية جزاء طاعتهم. كما يبين أن وعد الله بمغانم كثيرة يشمل غنائم خيبر وفتح مكة وحنين وانتصارات الفرس والروم، مع ذكر قصة رد سبي هوازن وثقيف وإسلامهم.
يفسر المقطع قوله تعالى ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ بأنها غنائم خيبر عجلها الله للمؤمنين جزاءً على صبرهم في صلح الحديبية وإيمانهم. ويؤكد أن هذه الغنائم ليست وحدها بل سيتبعها غنائم كثيرة أخرى في المستقبل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: قال عند قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال رحمه الله: ثم ذكر العذار التي يعذر بها العبد عن الخروج إلى الجهاد، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، أي: في التخلف عن الجهاد لعذرهم المانع. وهذا إما أنهم ذكروا هذا للنبي عليه الصلاة والسلام في تخلفهم عن الحديبية، لأن الله عز وجل ذم من تخلف، فظنوا أنهم يشملهم هذا الذم، فاستثناهم النبي عليه الصلاة والسلام، استثناهم الله عز وجل من ذلك الذم، وعذرهم ربنا سبحانه وتعالى لأنهم لا يستطيعون الجهاد وهم على نياتهم، فلذلك عذرهم الله عز وجل أنهم ليس عليهم حرج، لا الأعمى، ولا الأعرج، العرج الذي تكون إحدى رجليه شلاء، ولا على المريض، ويدخل فيهم كل من كان مثلهم أو أكثر منهم، فليس عليهم حرج في التخلف، لكن ينبغي عليهم أن يطيعوا الله ورسوله فيما يستطيعون. ثم ذكر الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي: في امتثال أمرهما واجتناب نهيهما، ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وربنا جل وعلا لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهذا دليل من أدلة أهل السنة أن الله عز وجل لا يكلف العبد إلا ما يطيق وما يستطيع، فلم يكلفه ما لا يطيق، وإذا وجدت المشقة جاء التيسير، فالمشقة تجلب التيسير. ثم قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، فالسعادة كلها في طاعة الله، والشقاوة في معصيته ومخالفته، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. فيشقى من يخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويسعد من أطاعه في الدنيا والآخرة، تظهر عليه السعادة في الدنيا بالطمأنينة التي تكون في قلبه، والرضا، سواء كان الرضا عن شرع الله أو كذلك عن قدر الله، فيجد هذا في نفسه وقلبه، فيرضى بقضاء الله وقدره، ويرضى بشرع الله، وأيضًا كذلك يدعو لله جل وعلا ولرسوله. ثم قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال: يخبر تعالى بفضله ورحمته برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تلك المبايعة التي بيضت وجوههم واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة. وكان سبب هذه البيعة التي يقال لها بيعة الرضوان لرضى الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها بيعة أهل الشجرة، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يأت لقتال أحد، قد ذكرنا هذا فيما تقدم في الآيات، وهنا نقرأ كلام المؤلف فقط لأن هذا قد أخذناه. قال: وإنما جاء زائرًا لهذا البيت معظما له، فبعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى مكة في ذلك، ولم يحضر بيعة الرضوان، وإنما كانت هذه البيعة لأجله، لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان قُتل، ثم جاءه الخبر أنه لم يُقتل، لكن حصل هذا الخير في بيعة الرضوان العظيمة التي بايع الصحابة النبي عليه الصلاة والسلام على الثبات، على أن لا يفروا من أي عدو. وقلنا أن هذا كان في غزوة حنين. قال: فجاء خبر قيل: صادق أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من معه من المؤمنين، وكانوا نحوًا من ألف وخمسمائة، وأكثر الروايات كما ذكرنا ألف وأربعمائة، والعلم سهل. قال: فبايعوه تحت الشجرة على قتال المشركين وأن لا يفروا حتى يموتوا. قال: فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، والتي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، أي: من الإيمان، إنا ما سارع إلى هذه البيعة إلا لأجل تفاديهم وفداء أنفسهم لله، وهذا يدل على ما في قلوبهم من الإيمان العظيم. قال: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾، إنا بعدما حصل ما حصل في الحديبية من الأمور التي ضاقت على أهل الإسلام، جاء هذا الفرج، فأنزل الله عز وجل السكينة عليهم تطمئن قلوبهم، فما خرجوا من الحديبية إلا وقلوبهم فيها الطمأنينة لرفعة وعزة الإسلام. ثم بعد ذلك أنزل الله عز وجل هذه السورة عليهم، فازدادوا اطمئنانًا، وازدادوا أيضًا كذلك يقينًا بموعود الله جل وعلا. قال: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ شكرًا لهم على ما في قلوبهم، وزادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم وتطمئن بها قلوبهم، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، إنا جزاهم بذلك لأنهم لم يتحصلوا على شيء في الحديبية، ومما أيضًا حصل لهم من تلك الشروط، ففرج الله عز وجل عليهم ووعدهم فتحًا قريبًا، وهو فتح خيبر، أو أراد الله عز وجل الأعم: فتح خيبر وفتح مكة. قال: وهو فتح خيبر لم يحضره سوى أهل الحديبية، كما تقدم معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أن لا يحضر فتح خيبر إلا من حضر الحديبية، إلا من حضر الحديبية. قال: ولهذا كثير من الأعراب أرادوا أن يذهبوا، فمنعهم النبي عليه الصلاة والسلام لأنهم لم يشاركوا في الحديبية. قال: فاختصوا بخيبر وغنائمها جزاء لهم وشكرًا على ما فعلوا من طاعة الله والقيام بمرضاته. ثم قال: ﴿مَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، أي: له العزة والقدرة التي قهر بها الأشياء، فلو شاء لانتصر من الكفار في كل وقعة تكون بينهما، بين المؤمنين، ولكنه حكيم جل وعلا، يملي بعضهم ببعض، ويمتحن المؤمن بالكافر. ثم قال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾، وهذا يسمى: الكل غنيمة غنمها المسلمون إلى يوم القيامة، لأنه لم يحدد ذلك الوعد. وقال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾، أي: أنكم ستغنمون، وقد غنم المسلمون في خيبر وهي أول غنيمة كبيرة يغنمونها، ثم بعد ذلك في الفتح، ثم في حنين كانت أيضًا غنائم عظيمة، لأنها هوازن وثقيف وغطفان جاءوا بأموالهم وذراريهم. ولهذا لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الذراري والأموال جاءت ثقيف يطالبون بأموالهم وذراريهم، ذراريهم: بمعنى الأطفال والنساء. فقال لهم نبي صلى الله عليه وسلم: «اختروا أحد الأمرين: إما الذرية وإما المال»، فاختاروا الذرية، فتنازل النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه السبي، عن السبي الذين أخذوا من هذه الحرب، فقال: «أما ما كان لي وبني هاشم فهو لكم»، ثم تنازل الناس عن سبيهم من آل ثقيف، وردوهم إلى أهلهم، حتى أن عيينة بن حصن رفض أن يردهم، فلم يطيعوه قومه، وقالوا: بل نردهم كما ردهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فردوهم إليهم، وأسلموا، أي: ثقيف أسلمت بعد ذلك كلهم إلا نفر يسير. ثم أيضًا كذلك جاءت الغنائم الكبيرة العظيمة عندما هزموا فارس والروم. قال: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، أي: خيبر، هذه الغنائم عجلها لكم، وستأتي ما هي أكبر منها، فهذا كله جزاء من الله على صبرهم في الحديبية، وكذلك جزاء على إيمانهم. قال: فلا تحسبوها وحدها، بل ثم شيء كثير من الغنائم سيتبعها. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا ونكمل في درس لاحق. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر