الصحيح المسند من أسباب النزول  48

الصحيح المسند من أسباب النزول 48

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 48، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول آيات المخلفين في غزوة تبوك وقصة كعب بن مالك

يوضح المقطع سبب نزول الآيات في سورة التوبة التي توعد المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك وحلفوا كذباً، مقابل صدق كعب بن مالك وصاحبيه الذين اعترفوا بتقصيرهم فتاب الله عليهم، وأمر النبي بالإعراض عن المنافقين لكونهم رجساً مأواهم النار.

دروس سورة التوبة: النفاق والصدق وحكم الاستغفار للمشركين

يستعرض المقطع خطر النفاق وصفات المنافقين كما ورد في سورتي البقرة والتوبة، وفضيلة الصدق المستفادة من حديث كعب بن مالك، ثم يبين سبب نزول النهي عن الاستغفار للمشركين عبر قصة أبي طالب، مع التأكيد على أن الحكم بالظاهر لا ينفي حقيقة النفاق.

آداب الدعوة النبوية: الحكمة في التوقيت وخطورة صحبة السوء

يشبه الداعية بالطبيب في اختيار الأوقات والمواضيع المناسبة لحال المدعوين وعدم الإطالة عليهم، ويبرز قصة أبي طالب وكيف منعه أصحابه السيئون من النطق بالشهادة فمات على الكفر، محذراً من خطورة صحبة السوء التي تورد المهالك وتحول دون الهداية.

فوائد حديث النبي ﷺ في عمه أبي طالب: الهداية فضل إلهي

يستعرض المقطع فوائد حديث النبي عن عمه أبي طالب، مبيناً أن الهداية فضل من الله لا يملكها النبي، وأن النسب لا ينفع دون إيمان، مع إبراز حرص النبي على الدعوة، وفضل كلمة التوحيد، وجواز الحلف بغير استحلاف.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب قول الله تعالى: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك وهو أبوه يقول: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على نيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وصدقته حديثي. فقال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا. قال: إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾. قال: الحديث رجاله رجال الصحيح، ويونس شيخ الطبري هو ابن عبد الأعلى، ويونس شيخ ابن وهب وهو ابن يزيد الأيلي. قال شيخنا حفظه الله: ونحوه في صحيح البخاري في ختام حديث كعب بن مالك في كتاب المغازي، باب غزو تبوك، يعني نحو هذا الحديث وليس برفضه. ومعنى هذا الحديث كما تعلمون: أن غزو تبوك، والحديث بطوله سيأتي بعد حديث غزو تبوك، كانت غزوة بعيدة الطريق، وفي وقت حر شديد، فلما كان الإسلام لا يوري بغزواته إلا هذه الغزوة صرح بها؛ لأنها تحتاج إلى استعداد، تحتاج إلى استعداد من المقاتلين المجاهدين، وصرح بها، فتخلف من تخلف من المنافقين، وهناك ثلاثة من المؤمنين الصادقين تخلفوا وليس لهم عذر، وهم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فهؤلاء الثلاثة ما معهم عذر. فلما قدم النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الغزوة جلس للناس، وهذا من سنته عليه الصلاة والسلام: لما يرجع من غزوة يجلس لأصحابه يتفقد غائبهم ومتخلفهم. فجلس النبي عليه الصلاة والسلام للناس، فجاء المخلفون، يعني الذين ما خرجوا، وكان الخروج واجباً على كل مسلم لأن ولي الأمر دعا إلى ذلك، إلا من كان معه عذر من مرض أو نحو ذلك من أعذار التخلف. فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام وجلس للناس، جاء المخلفون من المنافقين، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، شرعوا في الحلف والاعتذار، وكل ذلك كذب، ما عندهم عذر، وإنما عذرهم في التخلف هو النفاق، ما يريدون نصر الإسلام والمسلمين، وما يريدون القتال. ولذلك الجهاد هو الذي يفضح الكاذبين، الجهاد هو الذي يفضح الكاذبين. فطفق هؤلاء المنافقون يعتذرون ويحلفون أن عندهم كذا وكذا من العذر، ويحلفون على ذلك تأكيداً لكذبهم. قال: وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، عدد ليس بالقليل، والبضع من الثلاثة إلى التسعة، يعني قد يكون ثلاثة عشر، أربعة عشر، خمسة عشر، إلى تسعة عشر. فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على نيتهم، هذا الذي ظهر لرسول الله ولا يعلم الغيب، فقبل منهم على نيتهم، يعني ظاهرهم، وبايعهم واستغفر لهم، يعني عدهم من المؤمنين وعاملهم معاملة المؤمنين، ولم يعاقبهم بشيء؛ لأن هذا الذي ظهر من قولهم ومن ظاهرهم، ووكل سرائرهم إلى الله، يعني ترك أمر السرائر إلى عالم السرائر وهو الله سبحانه وتعالى. قال: وصدقته حديثي، يعني كعب بن مالك ما اعتذر وما حلف على كذب، وإنما كما سيأتي معنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، ليس لي عذر، ما معي عذر، تخلف تهاوناً وتسويفاً حتى فاتته القافلة، قافلة الجهاد». فصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعاقبة الصدق حميدة، كما قال ربنا عز وجل في آخر آيات التوبة، توبة كعب وصاحبيه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾، لأن الصدق منجاة، نجاه الله عز وجل وصاحبيه بصدقهم. وهكذا مرارة بن الربيع وهلال بن أمية صدقا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقالا له: ما معنا عذر، ما عندهم عذر، ليسوا من أهل النفاق، إنما هو النفس الأمارة بالسوء، وحب الدعة والراحة ونحو ذلك، لأن الوقت كان شديداً والسفر كان بعيداً، فأصابت النفس شيء من الكسل والتأخر ونحو ذلك. صدقوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني الإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله، هذا أعظم نعمة أنعم الله عز وجل بها علي بعد الإسلام، لأن نعمة الإسلام عظيمة لا يعادلها شيء، لا تعادلها نعمة أخرى، فقال: بعد نعمة الإسلام نعمة صدقي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع أنه قادر أن يأتي بألف عذر لكنه لم يكذب، فحاشاه أن يكذب. قال: بعد أن هداني الإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه، ألا أكون كذبته، يعني أنني ما كذبت رسول الله، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، يعني المنافقين، لما كذبوا هلكوا، لأن الله فضحهم بهذه الآية، وبين ربنا عز وجل عاقبته وعقوبته لهؤلاء الذين حلفوا كذباً. إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، ما هو هذا القول الذي أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام في هؤلاء؟ ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ﴾، يعني هؤلاء المنافقون سيحلفون بالله كذباً إذا رجعتم إليهم، لماذا؟ ﴿ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ﴾، حتى لا تؤذوهم، وحتى لا تعرفوا حقيقتهم، ﴿ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ﴾، فاعرضوا عنهم وتعفوا عنهم وتستغفروا لهم، ﴿ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ﴾، هؤلاء أحق بالإعراض عنهم، فبيّن الله عز وجل كذبهم وأظهر سوء نيتهم، فأول عقوبة في هذه الآية لهؤلاء: أمر نبيه أن يعرض عنهم، والجزاء من جنس العمل، هم أرادوا أن يعرض عنهم رسول الله، أو أن يعرض عنهم رسول الله، فأمره ربه أن يعرض عنهم، لماذا؟ ﴿ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ﴾، يعني نجس، نجاسة معنوية، نجاسة النفاق والعياذ بالله، وهي شر من نجاسة الكفر، ولذلك توعد الله المنافقين بالدرك الأسفل من النار لخطورة شرهم، ولئلك ما يتضرر به الإسلام والمسلمين من أقوالهم وأفعالهم؛ لأنهم يعيشون بين المسلمين. ولذلك في سورة البقرة ذكر الله في الكفار آيتين: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾، ثم بعده ذكر آيات في المنافقين وبيان مكرهم وكفرهم ونفاقهم، فدل ذلك على خطورة النفاق على المسلمين، فهم رجس، ثم توعدهم يوم القيامة بجهنم. وصدق كعب إذ قال: حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فأي شر أعظم في أن يتوعد العبد بنار جهنم؟ هذا أعظم الشر، هذا أعظم الشر، فلذلك قال: حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، توعدهم يوم القيامة بجهنم، ففضحهم الله، وكما تقدم هذه السورة، سورة التوبة، يقال لها سورة الفاضحة، فضحت المنافقين، وقد مر معنا صور كثيرة ومواقف عديدة في فضح هؤلاء المنافقين في هذه السورة. والشيخ هنا ذكر الحديث الذي يريد وجه الشاهد منه في قوله: "حين أنزل الوحي"، بمعنى أن هذا الوحي أنزل بعد حلف هؤلاء، هذا كان سبب نزول هذه الآية، كان سبب نزول هذه الآية، وسيأتي معنا حديث كعب بن مالك بعد حديث عند نزول آية التوبة: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾، سيذكره شيخنا رحمه الله تعالى مطولاً مطولاً، وسنأخذه إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله تعالى. وهذا الحديث بهذه الرواية فيه فوائد: من فوائد هذا الحديث ما تقدم أن الجهاد يكشف عوار الكاذبين، ومن فوائد هذا الحديث فيه بعض صفات أهل النفاق، منها: الاعتذار بالكذب، ومنها: الحلف بالكذب. ومن فوائد هذا الحديث: أن المؤمن يحكم بالظاهر ولا ينقب على ما في قلوب الناس، فيعاملهم بما ظهر له من أعمالهم وأقوالهم، وليس هو مكلف بالتنقيب عما في قلوبهم. أهل النفاق كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام يفضحهم الوحي، يفضحهم الوحي، أما بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام فما لنا إلا ما ظهر، والنبي عليه صلى الله عليه وسلم لولا إخبار الله عز وجل له بحال هؤلاء لعاملهم على ظاهرهم، كما في هذا الحديث: فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على نيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: فيه فضل الصدق، وأن الصدق من أسباب النجاح، وأن الصادق ينجيه الله عز وجل، فانظر إلى هؤلاء الثلاثة لما صدقوا أنزل الله عز وجل في شأنهم قرآناً يتلى، فأنزل توبتهم في سورة التوبة: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾، فالصدق طمأنينة، والصدق راحة، والصدق سعادة، سواء كان في الأقوال أو الأفعال. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني أبي عن صالح عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: «يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟» فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب: آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك». فأنزل الله تعالى فيه الآية: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ الحديث. أخرجه في مواضع من صحيحه، وفيه نزلت: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾، ونزلت: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾. وأخرجه مسلم والنسائي وأحمد وابن جرير والبيهقي وابن أبي حاتم، وفيه نزول ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ﴾، وليس فيه ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾. ومعنى الحديث تعرفون: أن أبا طالب كان يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكان كفيله وهو عمه، وكان يحمي النبي عليه الصلاة والسلام من أذى قريش، ويدافع عنه، ويصد من أراد به سوءاً، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعوه ويعرض عليه الإسلام فيأبى. فلما مرض أبو طالب تحين النبي عليه الصلاة والسلام هذه الفرصة؛ لأن المريض يكون ضعيفاً، يكون قريباً من الموت، فلعله يتوب، ولعله يراجع نفسه. وقولوا هنا: "لما حضرت أبا طالب الوفاة"، يعني مقدمات الموت، ليس معنى حضرت أبا طالب الوفاة صار في النزع ووصل إلى حال الغرغرة، لا، لأن حال الغرغرة ما تنفع فيها التوبة والرجوع، كما جاء في الحديث: «يُتَابُ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ»، ما لم يغرغر، يعني يصل إلى حال الغرغرة والنزع، وبهذا يجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث المتقدمة. فقولوا هنا: "لما حضرت أبا طالب الوفاة"، يعني مقدمات الموت، وهو المرض، جاءه رسول الله، جاءه رسول الله تحين هذه الفرصة. وإذلك ينبغي للداعي إلى الله عز وجل أن يكون في دعوته مثل الطبيب، أن يكون في دعوته مثل الطبيب، يتخير الأوقات المناسبة للعلاج، ويتخير المواقف والمواضع المناسبة للدعوة، مثل الطبيب: الطبيب ربما إذا تحتاج إلى حجامة يقول لك: هذا ليس وقت الحجامة، إذا مثلاً تريد أن تعمل عملية يقول لك: هذا ليس وقت العملية، أنت الآن عندك الضغط مرتفع وعندك السكر زائد، يحتاج أولاً نعالج الضغط والسكر ثم نعمل لك عملية. صح. وهكذا الداعية إلى الله يتخير ويتحين الأوقات والأحوال المناسبة للدعوة، وقد أشار إليه ربنا في كتابه، قال الله عز وجل: ﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾، ﴿ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾، يعني في وقتها. فمثلاً على سبيل المثال: أناس منشغلون، مثلاً منشغلون بفرح، أو بإعداد طعام، مثل بعض الزواجات بعد الصلاة مباشرة يأتون بالطعام، وأنت تقوم تعمل لهم موعظة، ما هو مناسب هذا الوقت، هم الآن منشغلون بالطعام ومهيئون لذلك. هذا بالنسبة للزمان، كذلك بالنسبة للمكان: مكان فيه ضوضاء، أو فيه أصوات مرتفعة، أو مكان فيه شرك، يعني ناس يطوفون أو نحو ذلك، فليس من المناسب أن تعظ الناس في هذا المكان وفي هذا الموضع، فلربما إن فضوا عنك وكرهوا دعوتك، فأنت تختار الوقت المناسب. وكذلك في المدعوين: إنسان زرته في بيته، أو زرته في بيته وكان مريضاً، فليس من المناسب أن تخوفه؛ لأنه الآن في حال ضعف، فهو بحاجة إلى الرجاء وإحسان الظن بالله سبحانه وتعالى والتوبة والترغيب في ذلك. فالمهم: الداعي يكون مثل الطبيب، وهكذا في اختيار المواضيع التي تلقى على المدعوين، فتختار الموضوع الذي ترى أن الناس بحاجة إليه وهم واقعون فيه، سواء كان في الخطب أو في الدروس أو المواعظ، تختار المواضيع الهادفة. ليس من الحكمة أن تأتي إلى مسجد عوام وتتكلم على التحذير من بعض رؤوس الحزبيات وتذكر أسماءهم وتحذر منهم، الناس ما يعرفون أيش الصلاة وأيش التوحيد وأيش الأخلاق، وأيش، تأتي وتتكلم على رؤوس الحزبيين وتحذر منهم وتذكر أسماءهم وأقوال العلماء فيهم، هل هذا من الحكمة؟ وهل هذا من المعالجة الحسنة؟ لا. فَتَحَيَّنَ الأوقات والأزمان والمواضع والمواطن والأحوال المناسبة، فيكون الداعية مثل الطبيب. فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع لما مرض عمه تحين هذه الفرصة، وهذا يذكرنا بحديث الغلام اليهودي، لما مرض هذا الغلام فعاده النبي عليه الصلاة والسلام، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام وأن يشهد أن لا إله إلا الله، فنظر هذا الغلام إلى أبيه كالمستأذن منه، فقال له أبوه: «أطع أبا القاسم»، فنطق بالشهادتين: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله»، فمات هذا الغلام، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه الله بي من النار». انظر كيف تحين النبي عليه الصلاة والسلام هذه الفرصة، وعاد هذا الغلام في هذا الموضع، وهكذا ينبغي للداعية: وجد سمع مثلاً باجتماع للناس، ذهب ووعظ الناس وذكرهم وعلمهم، فرصة، خرج دعوة إلى الله، يذهب إلى المساجد ويعظ الناس بعض الصلوات، وكذلك لا يطيل عليهم، وهذا أيضاً من الحكمة، العوام ليس كطلبة العلم، طالب العلم سيجلس معك الساعات، لكن العام إن جلس معك عشر أو ربع ساعة فهذا خير عظيم، هذا خير عظيم، فلا تطيل على الناس حتى أن يستحوا وجلسوا لك هذه المرة، إذا جئت مرة أخرى قاموا وقالوا: هذا يطيل علينا، هذا ليس من الحكمة. فإذا ننتبه لهذا، فينبغي أن يكون الداعي إلى الله عز وجل مثل الطبيب، مثل الطبيب، يتحين الفرص والمواقف ونحو ذلك. ثم قال: فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وكان عبد الله بن أبي أمية مشركاً ثم أسلم بعد ذلك، أما أبو جهل فبقي على كفره ومات على الكفر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله». وفي رواية: «أحاج لك بها عند الله»، يعني حتى لا تكون من أهل النار، لأنك قد شهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وهذا فيه سيأتي في الفوائد: أن العرب كانوا يفهمون معنى قول "لا إله إلا الله"، كانوا يفهمون معنى قول "لا إله إلا الله"، ليسوا مثل مشركي زماننا، يقولونها ولا يعرفون معناها. مشركوا العرب لما عرفوا معناها، وأنه لا معبود بحق إلا الله، وأن معناها ترك دعاء غير الله، والذبح لغير الله، واتخاذ أي آلهة من دون الله، أبوا أن يقولوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «قل لا إله إلا الله»، علم ما معنى "لا إله إلا الله"، وإذا قالها ماذا سيلزمه؟ سيلزمه أن يترك دين آبائه، من آلهة آبائه: عبادة اللات والعزى وهبل ونحوها من الأصنام والآلهة. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: «يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟» يعني: تترك ملة عبد المطلب، رجعوه إلى النعر الجاهلية، وما كان عليه الآباء والأجداد، وما كان عليه الآباء والأجداد. فقالوا: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» يعني: لا تقل لا إله إلا الله، كيف تقولها وترغب عن ملة عبد المطلب؟ يعني: تترك آلهة ودين عبد المطلب، وهو دين الكفر والشرك وعبادة الأصنام والأوثان. فلم يزل رسول الله سلم يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب: آخر ما كلمه: «هو على ملة عبد المطلب». هنا سؤال وفائدة ذكرها بعض الشراح: وهي لماذا الراوي هنا أتى بضمير الغائب؟ قال: «قال أبو طالب آخر ما كلمه: هو على ملة عبد المطلب»، مع أن القائل هو المتكلم، كان الكلام أن يقول: «أنا على ملة عبد المطلب»، يعني: يا أبا طالب. لكن هنا أتى بضمير الغائب، قال العلماء: تأدباً من الراوي، لأنه لا يجوز أن يُحْكَى الكفر، فلو قال: «أنا على ملة عبد المطلب»، لفهم من ذلك أن الراوي هو الذي قال ذلك، لأنه قال: «أبو طالب آخر ما كلمهم: أنا على ملة عبد المطلب»، فكأن الراوي يتكلم عن نفسه، فحتى لا يحكي الكفر عن نفسه أتى بلفظ الغائب: «هو»، يعني: عبد المطلب. مع أن قول عبد المطلب... نبى على ذلك بعض الشراح، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فهذا مات على ماذا؟ على الكفر. أبو طالب مات على الكفر، وهذا الحديث صريح في ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك»، يعني: لأستغفرن لك يا عم، طالما أن الله عز وجل لم ينهني عن ذلك، فجاءت آية النهي وهي هذه الآية، ونزلت: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾، فلا يجوز الاستغفار لمشرك أو كافر، لماذا؟ لأنه مات على الكفر، ومعنى الاستغفار: الغفران، غفران الذنوب، وقد قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾، من مات على الشرك فإن الله لا يغفر له ذلك، فكيف أنت تقول: اللهم اغفر لعمي وهو كافر مشرك؟ فلذلك جاء النهي في هذه الآية. هذا هو معنى هذا الحديث. والحديث هذا فيه فوائد كثيرة: من فوائد هذا الحديث كما تقدم: أن الداعي إلى الله عز وجل يكون كالطبيب، يتحين الأزمان والأوقات والأحوال والمواضع المناسبة بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: في خطورة الصحبة السيئة، خطورة الصحبة السيئة، والصحبة السيئة قد تؤدي بالشخص إلى الشرك والكفر والنار والعياذ بالله. فانظر كيف النبي عليه الصلاة والسلام يكرر على عمه أن ينطق بهذه الكلمة، وهذان الصاحبان السيئان يمنعان، يمنعان أبا طالب من أن يقول هذه الكلمة، من أن يقول هذه الكلمة. هذا في خطورة قرناء السوء، فلا تصاحب من ساءت خلقه، ولو كان مسلماً لكنه عنده أخلاق سيئة، عنده كبر، عنده يعني غيبة نميمة، عنده استهانة بحدود الله، عنده كسل، عنده يعني بطر، عنده كذلك كلام سيئة، سب، لعن، شتم، نحو ذلك، هذا لا يصاحب، هذا لا يصاحب. صاحب الأبرار الذين تكتسب منهم الأخلاق الفاضلة، وتنشط في العبادة والطاعة والعلم والحفظ ونحو ذلك، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، وعن المرء لا تسأل، وسأل عن قرينه، «إن القرين بالمقارن يقتدي». ومن فوائد هذا الحديث: أن الهداية فضل من الله، الهداية فضل من الله وتوفيق منه منه سبحانه وتعالى، لا يملكها إلا هو عز وجل، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على هداية عمه، ولكن التوفيق بيد الله سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: فيه أن النسب، ولو اتصل بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لا ينفع صاحبه، لا ينفع صاحبه، فهذا عم النبي عليه الصلاة، وليس أي عم له، فهو الذي كان يحوطه وينصره ويدافع عنه، ومع هذا ما استطاع عليه الصلاة والسلام أن يهديه سواء السبيل. وهذا الحديث أيضاً فيه بيان اجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله، وبيان حرصه ورحمته بأمته، وهذا مصداق قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. وهكذا من فوائد هذا الحديث: فيه أن أبا طالب مات مشركاً، خلافاً لبعض أهل الضلال والهوى الذين يقولون بإسلام أبي طالب، فهذا الحديث نص، هذا الحديث نص في كفر أبي طالب، وأنه مات على الشرك، وأنه مات على الشرك. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: فيه فضل كلمة "لا إله إلا الله"، فإن أبا طالب لو قالها ثم مات لمات على الإسلام، لمات على الإسلام، كذاك الغلام الذي قالها ومات، فمات على الإسلام، إذ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». ومن فوائد هذا الحديث: أن سبب ضلال وكفر كثير من الناس هو التمسك بما كان عليه الأجداد والآباء، فانظر إلى هؤلاء كيف ذكروا أبا طالب بهذه النعرة الجاهلية، وهو التمسك لما كان عليه الآباء والأجداد، وصدق الله عز وجل إذ يقول في هؤلاء المشركين: ﴿ وَأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ صَدِّهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾. وفي هذا الحديث أخيراً: في جواز الحلف من غير استحلاف، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «أما والله»، والله هنا حلف من النبي عليه الصلاة والسلام، والأحد لم يطلب منه ذلك، لا، إنما حلف ابتداء، فجوز العلماء أن يحلف المسلم دون أن يستحلف، يعني يطلب منه الحلف، يطلب منه الحلف. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.