الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المحور سبب نزول الآية في نساء الأنصار اللاتي كن ينذرن تهويد أبنائهن، فلما أُجلِيَت بنو النضير أرادوا استبقاء الأبناء فنزلت الآية ناهية عن الإكراه. ويوضح أن المعنى ليس إلغاء الجهاد أو الجزية، بل عدم إجبار أحد على دخول الإسلام لظهور حجته، مع دعوة الكافر للإسلام فإن أبى قُبلت الجزية أو قِيل.
يستعرض المحور سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ في الأنصار الذين كانوا يجلبون التمر الرديء (الشيص والحشف) ويعلقونه في المسجد لأهل الصفة. ويسرد طرق الحديث عن البراء وأبي أمامة بن سهل مع تصحيح العلماء لها، مؤكداً ثبوت سبب النزول بمجموع الطرق.
يبيّن المحور آداب الصدقة المستفادة من فعل الصحابة مع أهل الصفة، مؤكداً وجوب تحري الأحوج فالأحوج، واستحباب الإنفاق من أحب المال وأطيبته استدلالاً بقوله تعالى: ﴿ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾. ويختتم ببيان فضل الإنفاق وأنها لا تنقص المال بل تزيده بركة، داعياً لتعود النفس على العطاء ابتغاء الأجر.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": قوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾. قال الإمام أبو جعفر ابن جرير رحمه الله في تفسيره: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كانت المرأة تكون مقلاة، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده. فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾. قال: الحديث رجاله رجال الصحيح، وأخرجه أبو داود، وعزاه السيوطي في اللباب للنساء أيضا، وأخرجه ابن حبان في صحيحه كما في "موارد الظمآن". ثم وقفت عليه في تفسير النسائي. ومعنى هذا الحديث: كانت المرأة يعني من نساء الأنصار قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام ودخول الأنصار في الإسلام، كانت المرأة تكون مقلاة، ومعنى مقلاة: التي لا يعيش لها ولد، يعني متزوجة سنوات طويلة وما أنجبت، وما أنجبت، فكانت تقول هذه المرأة: إن رزقت بولد وعاش هذا الولد سأهوده. وهذا معنى قوله: "فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده"، يعني تجعله، يعني تجعله يهوديا، تدينه بدين اليهود، لأن اليهود كانوا من سكان المدينة، اليهود كانوا من سكان المدينة، وهذا من جهل أهل الجاهلية، وهذا من جهل أهل الجاهلية. لماذا؟ لأن الأنصار كانت تعظم اليهود لأنهم أهل كتاب قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، فهم يجلونهم لنزول كتاب إليهم وهو التوراة، فكانت المرأة ترى أن من الشرف ومن إكرام ولدها أن يكون كهؤلاء اليهود الذين هم أهل كتاب، فكانت تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، أي تجعله، تجعله يهوديا. فلما أجليت بنو النضير، أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام لمكرهم وخيانتهم ونحو ذلك، كانت اليهود عندما أخرجوا يقولون: لا ندع أبناءنا. يعني هذه المرأة ولد لها ولد بعد فترة فأصبح يهوديا، فأصبح كأنه من أبناء اليهود، لماذا؟ لأنه دان بديانتهم، دان بديانتهم. فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، يعني من من تهود، فقالوا: أي اليهود: لا ندع أبناءنا، يعني لا ندعهم في المدينة بل سنأخذهم معنا. فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾. لكن ما معنى الآية؟ ما معنى الآية؟ معنى الآية: لا تكره أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيّن واضح. ولكن ليس معنى هذا أن لا يقاتل الكافر، لا، لأن الدعوة إلى الإسلام لها مراتب، كما جاء في حديث إرسال علي بن أبي طالب إلى أهل خيبر: «ما قال: لا أعطينا الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه». فلما أرسله قال له: «انفذ على رسلك، ثم ادعهم إلى الإسلام قبل القتال، قبل القتال». فلا شبهة للكفار وعداء الإسلام في التشويه على المسلمين في جهادهم في سبيل الله، فإن الكفار يشوهون جمال هذا الدين، ويقولون: كيف تكرهون الناس على الدخول في الإسلام؟ فيقال: لا نكره الناس على الدخول في الإسلام، ندعوهم إلى الإسلام، ومطالب كل مكلف أن يدخل في هذا الدين، فندعوهم إليه، فإن أبوا وكانوا من أهل الكتاب أخذت منهم الجزية، وبقوا في بلاد المسلمين أذلة، لا شوكة لهم ولا قوة، فإن رضوا بذلك ما نقاتلهم، صح؟ إذن هل الإسلام يكره الناس؟ لا، يدعوهم، وكذلك يأخذ منهم الجزية، فإن أبوا، قالوا: لا، فهنا يقاتلون لأنهم مطالبون بالدخول في الإسلام، والذي أمر بذلك ربنا سبحانه وتعالى كما في سورة التوبة: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾. إذن القتال ما يكون إلا بعد الدعوة. ولذلك قال الله عز وجل في هذه: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾. فمعنى لا إكراه في الدين: أي لا تكره أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح، فإنه بين واضح جلي، دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره، أو أن يكره، أو أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام فسيشرح الله صدره، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَلَكِن مَّن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ بِالْإِسْلَامِ ﴾، فمن شرح الله صدره، فإنه سيحب هذا الإسلام بمجرد أن يدعى إليه. وهذا هو حال الكفار ممن هداهم الله، بمجرد أن يقرأ عن الإسلام، أو أن يسمع عن الإسلام، أو أن يدعى إلى الإسلام، فيشرح الله صدره وينور قلبه، فيعتنق هذا الدين العظيم. فهذا معنى لا إكراه في الدين. ليس معنى ذلك أننا نترك الجهاد في سبيل الله، ونترك الكفار ينشرون دينهم ويفسدون كذلك المسلمين، ويسيطرون على بلاد المسلمين، ثم نقول: لا إكراه في الدين، لكم دينكم ولي دين. بعض الناس يفهم الآيات فهما خاطئا بعيدا عن الفهم الصحيح. ما معنى ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾؟ هل معنى تترك الكافر يفعل ما يشاء ويفسد، وكذلك ينشر الكفر، ونقول: دعه، له دينه ولي ديننا؟ لا، إنما تدعو وتجاهد، فمن أصر وأبى من الكفار فله دينه ولي ديننا، ومع هذا لا نتركه يعبث ويفسد في مجتمعات المسلمين، بل وقت الجهاد جهاد، وقت الدعوة دعوة، وقت كذلك المجادلة مجادلة، حتى تقام الحجة على العباد وعلى الخلق، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾. فهذا معنى هذا الحديث وهذه الآية، والله تعالى أعلم. قال: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾. الآية. قال الإمام الترمذي: حدثنا... [النص هنا فيه تحريف شديد في الرواية المروية عن الترمذي، والأصل: "حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة..." لكن سأثبت ما في النص مصححاً للسياق العام] قال: أنبأنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾، قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، يعني معنا مزارع فيها نخيل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، يعني على حسب ما معه من أشجار كثيرة أو قليلة، هذا معنى على قدر كثرته وقلته. قال: وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين، والقنو هو ما يتفرع من الشجرة، كما قال الله عز وجل: ﴿ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ في سورة الرعد، يعني شجرة ما فيها تفريعات وشجر فيه تفريعات، صنوان وغير صنوان. والمراد بالقنو هنا ما نسميه الآن بماذا؟ بالخيل، الخيل، هذا تجد فيه عصا واحد ثم فيه تفريعات، صح؟ فهذا معنى قوله: وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين، يعني بالخيل والخيلين، فيعلقه في المسجد، يأتي ويعلق هذا الخيل من الثمار في ماذا؟ في المسجد، نعم، من التمر، نعم، يعلقه في المسجد. قال: وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، وأهل الصفة كانوا يسكنون المسجد وليس لهم أهل، فكانوا يأخذون العلم من النبي عليه الصلاة والسلام، ويسر الله عز وجل لهم من أهل اليسار والغنى من يأتي لهم بالطعام، مثل ما جاء في هذا الحديث، ومنهم أبو هريرة، من هؤلاء أهل الصفة أبو هريرة. قال: فكان أحدهم إذا جاء أتى القنو فضربه، يعني أتى إلى هذا الخيل وأضربه بيده أو بالعصا، قال: فضربه بعصا، فيسقط البسر والتمر، فيأكل، البسر هو قبل أن ينضج ويسود، نحن نسميه أيضا بسر، والتمر يعني الرطب. قال: فيأكل، يأكل من هذا الخيل. قال: وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف، يعني فيه البسر اليابس الذي لم يصفر أو يحمر، والحشف يعني اليابس الذي يعني لم ينضج، لم ينضج، معروف هذا حتى في اصطلاحنا، وهذا من التمر الرديء الذي ربما لا يؤكل، لا يستطيع أحد أن يأكله. قال: وبالقنو قد انكسر، يعني ما فيه مسكة تستطيع أن تمسك به، انكسر، فيعلقه. فأنزل الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾، يعني من طيب مالكم لا من رديئه وخبيثه، ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ﴾، ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾، يعني لا تقصدوا الخبيث، يعني الرديء منه، تنفقون، يعني تتصدقون، ﴿ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾، يعني لو أعطي لكم لما أخذتموه، لو أعطى إنسان خيل كل حشف ويابس، يعني بسر يابس، شيص، هل تأخذه؟ فكيف تأتي به لغيرك؟ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ما يحب لنفسه. فهذا معنى قوله: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا ﴾، يعني لا تقصدوا الخبيث، يعني التمر الرديء، أو الصدقة الرديئة منه تنفقون، ﴿ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾، يعني لو أعطي لكم ما ستأخذوا إلا وأنتم مكرهون، لا تنظرون إليه. قال: وفي بعض النسخ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذوه إلا على إغماض أو حياء»، يعني إلا وهو لا ينظر إليه، أو أنه يأخذوه حياء، حتى ما يرد المعطي، حتى لا يرد المعطي. قال: فكنا بعد ذلك، يعني بعد ما نزلت هذه الآية، يأتي أحدنا بصالح ما عنده، يعني بأفضل وأطيب ما عنده، استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى. قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وأبو مالك هو الغفاري، ويقال اسمه غزوان. قال: الحديث أخرجه ابن ماجة، وابن جرير، وعزاه الحافظ ابن كثير في تفسيره لابن أبي حاتم، وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وسكت عليه الذهبي، وسكوت الذهبي إقرار، فالحديث صحيح كما ذكر شيخنا رحمه الله تعالى، وله طرق سيذكرها الشيخ رحمه الله. قال: قال الحاكم: حدثنا الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، قال: أنبأنا محمد بن غالب الضبي، ومحمد بن سنان، قالا: حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: حدثنا عباد، وهو ابن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة، فجاء رجل بهذا السحل، قال سفيان: يعني الشيص، أو الشيص، عندكم مشكل، بكسر الشين، الشيص والشيص، كما ذكرنا، هو البسر اليابس، البسر اليابس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاء بهذا؟» وكان لا يجيء أحد بشيء إلا نسب إلى الذي جاء به، يعني يقال: هذا بسر فلان، وهذا قنو فلان، ينسب إليه، ويعرف من الذي أتى به. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من هذا السحل؟» يعني من من من الذي جاء به، من جاء بهذا؟ قال: وكان لا يجيء أحد بشيء إلا نسب إلى الذي جاء به. فنزلت: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾. قال: «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَوْنَيْنِ مِنَ التَّمْرِ أَنْ يُؤْخَذَا فِي الصَّدَقَةِ: الْجُعْرُ وَالْحَبِيقُ». قال الزهري: واللونين من تمر المدينة، وهما من أرض أنواع التمر، وهذا هو سبب أنه أن يؤخذ في الصدقة، أن يؤخذ في الصدقة، وهو من أنواع تمر المدينة، من أنواع تمر المدينة. قال: تابع سليمان بن كثير عن الزهري، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عقيل الحاضر، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى الشهيد، والسري بن خزيمة، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا سليمان بن كثير، قال: حدثنا الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لونين من التمر، قال: الجعر ورولون الحبيق. قال: وكان ناس يتيممون شر ثمارهم فيخرجون في الصدقة، فنهوا عن لونين من التمر، لأنها قلنا من أرض الأنواع، ونزلت: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، رواية سفيان بن حسين ضعيفة، والبخاري لم يخرج سليمان بن كثير عن الزهري إلا في الشواهد والمتابعات، إذن هو بالشواهد والمتابعات. قال: الحديث أخرجه الطبراني من حديث سفيان بن حسين عن الزهري به، والدارقطني من حديث سليمان بن كثير عن الزهري به. ثم ذكر أمور، ثم ذكر أمورا تتعلق بالرواة وكذلك طرق الحديث والحكم عليه. المهم أن هذه الأحاديث بمجموعها يثبت بها سبب نزول هذه الآية. وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة، فمن هذه الفوائد: أولا: ينبغي لأهل الصدقة من أهل الغنى أن يتحروا في صدقتهم، فكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أين يأتون بصدقاتهم؟ إلى أهل الصفة، لأنهم أحوج ما يحتاجون إلى الصدقة، ولذلك ذكر العلماء أن المتصدق يجب عليه أن يتحرى في صدقته الأحوج فالأحوج، فالناس يتفاوتون في الحاجة، فلعلك تجد عشرين فقيرا لكن ليسوا سواء في الفقر، فبعضهم أشد فاقة وحاجة، فيقدم هذا على غيره. فانظر الصحابة كانوا يأتون بصدقاتهم إلى أهل الصفة، وكانوا أحوج الناس إلى الصدقة، لأنهم ما عندهم أهل، وما عندهم عمل، متفرقون لطلب العلم. أبو هريرة يقول: كنت ألزم النبي صلى الله عليه وسلم على شبع بطني، يعني على ما يكفيني من قوت يومي مما يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام من صدقات، وكان يجد ويجتهد بطلب العلم، وأحيانا لا يجدون. جاء عن أبي هريرة أنه كان يربط الحصى على بطنه من شدة الجوع، وكان يصرع من شدة الجوع حتى يمر عليه المار فيظن أن به جنون، وليس به جنون، إنما به ماذا؟ الجوع. من شدة الجوع ما وجد ما يأكل. هل أحد مننا مر بهذه المرحلة؟ يأتيه الجوع حتى يصرع، ربما ما مر أحد مننا بهذه المرحلة، الحمد لله الأمور ميسرة. فانظر كيف كان أهل الصفة في شدة وفي فقر شديد. فإذن يتحرى المتصدق في صدقته الأحوج فالأحوج، كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وفي هذا الحديث أيضا: أن المتصدق الأفضل والأكمل أن يتصدق من ذات نفسه بأطيب وأفضل ماله، لقول الله عز وجل: ﴿ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾. هذا الشخص من تلقاء نفسه، المتصدق الأولى والأفضل والأكمل له أن يتصدق من أطيبه وأفضل ماله وأحب ماله. ليه؟ لكن لولي الأمر، أو من يقوم مقامه ويرسله لجمع الصدقات، أن يأخذ من أهل وجوب الصدقة أوسط أموالهم، لما جاء في حديث معاذ: قال له بعدما ذكر له التوحيد والصلاة، ثم قال: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». ثم قال: «وإياك وكرائم أموالهم». ما معنى «وإياك وكرائم أموالهم»؟ يعني لا تطلب منهم أفضل وأنفس أموالهم في الصدقة. استدل العلماء أن الساعي لجمع الصدقة لا يطلب أنفس الأموال، وإنما أوسط الأموال، أوسط الأموال. فالمتصدق من ذات نفسه، الأفضل والأكمل أن يخرج من أطيب وأفضل ماله من ذات نفسه، وما دون الأكمل أن يخرج من وسط ماله، ولا يجوز له أن يخرج من خبيث ماله أو من رديء ماله. مثلا عليه صدقة أغنام، يذهب إلى مريضة أو هزيلة، يقول: هلاص مئة وعشرين عليها شاة، خلاص هذه الشاة صدقة، ها هذه الشاة صدقة، يخرج المريضة أو النحيفة أو الكبيرة، إذا عطيت للفقير ربما ما استطاع أن يأكلها، أو ما وجد فيها شيئا، وش الفائدة؟ هذا معنى قوله: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾، بل يتوسط الإنسان، إن أراد خروج الواجب، وإن أراد خروج الواجب مع الأكمل والأفضل، أن يخرج من أنفس أمواله. وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على غماض أو حياء»، هذا فيه القاعدة المشهورة، والحديث كذلك: حديث أنس: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». هذا ليس في الصدقة فحسب، بل في أي معاملة، لا تعامل إخوانك المسلمين بما تكره، سواء كان في الصدقة، أو في المخاطبة، أو في المعاملة. وكما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح مسلم: «وائت إلى الناس الذي تحب أن يؤتى إليك»، تتعامل مع الناس كما تحب أن يتعاملوا معك. أنت الآن تنفق من الرديء، هل تحب ذلك لنفسك؟ لا. أنت الآن تغش في بيعك أو شرائك أو في معاملتك، معاملتك، هل تحب ذلك لنفسك؟ لا. فإذا عامل الناس بما تحب أن تعامل به، بما تحب أن تعامل به، فقال عليه الصلاة والسلام: «ولو أن أحدكم أهدى أو أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على غماض»، يعني على كراهية، أو حياء، استحياء، فأخذه حياء. وفي هذا الحديث أيضا من الفوائد: فيه استجابة الصحابة لأمر الله، وأخوفهم عند حدود الله، فلما سمعوا هذه الآية، ما كان منهم إلا أن أنفقوا من طيب أموالهم، ولذلك قال: «فكنا بعد ذلك»، يعني بعدما نزلت هذه الآية، وبعدما قال عليه الصلاة والسلام، يأتي أحدنا بصالح ما عنده، يعني بأطيب وأفضل ما عنده. فهذا فيه ماذا؟ استجابة الصحابة لأمر الله سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث أيضا من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى لما أمر بالإنفاق من الطيب، إنما هو من باب إثبات ومضاعفة الأجر لهذا المتصدق، فالذي يبقى للإنسان ما قدمه بين يديه من الصدقات ومن الأعمال الصالحات، فخير للإنسان أن ينفق لله سبحانه وتعالى الطيب والأفضل والأكمل، لأن ذلك أعظم في الأجر. وأنت لو تلاحظ في كثير من أبواب القربات جاء فيها الإنفاق من الأفضل والأكمل، حتى في باب الأضحية، قالوا: النبي عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين أملحين، وفي رواية: سمينين، فجمعت هذه الأوصاف، فكانت من أكمل أوصاف بهيمة الأنعام. ولذلك قال العلماء: الأفضل في الأضحية أن يضحي المسلم بأكمل وأفضل ما عنده، حتى تكلموا عن مسألة العضباء، وكذلك الجماء التي لا قرون لها، قالوا: الأفضل أن لا يضحي بها مع الإجزاء، فالأفضل أن يضحي بشاة كاملة الأوصاف، كاملة الأوصاف. وجاء في السنة، جاء في السنة عدم إجزاء الأضحية بعيوب، لو جمعت هذه العيوب لكان مفادها، لأن هذه العيوب تجعل هذه البهيمة من الخبيث الرديء، كما في حديث البراء: «أربع لا تجوز في الأضحية: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، وكذلك المريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي». لو نظرت إلى هذه العيوب لرأيت أن هذه البهيمة تكون ناقصة في اللحم، صح؟ مريضة، ماذا ينتفع منها الذابح؟ أو عوراء، قالوا: العلة في هذا لأنها لا تأكل مثل أخواتها، ما تنظر إلا إلى القليل من الطعام، وكذلك العرجاء، قالوا: ما تلحق مثيلاتها، فلذلك لا تقاتل على الطعام، ولا تشارع إليه. وهكذا الهزيلة. فالصدقة كلما كانت أكمل، وكلما كانت أنفس، كانت أعظم أجرا، كانت أعظم أجرا. فينبغي أن تكون هذه القاعدة نصب أعيننا، إن أردت الأجر العظيم فتصدق بالأفضل والأطيب، تصدق بالأفضل والأطيب. كثير من الناس، الشيء الذي لا يريده ولا يحبه، يقول: تصدقوا به. مع ملابس قديمة، يقول: تصدقوا بها. مع ملابس جديدة، يقول له: هذا نريدها للعيد. طيب، لماذا لا تتصدق بهذه الثياب الجديدة؟ والله يسر لك، وكما قال عليه الصلاة والسلام: «ما نقص مال من صدقة»، وكما قال عليه الصلاة والسلام: «يا ابن آدم أنفق ينفق عليك». فإذا عودنا أنفسنا على أن نخرج مما نحب من أموالنا، من أموالنا، ومما رزقنا الله عز وجل إياه، هذا أيضا مما نستفيده من هذا الحديث. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.