الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 80، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع نزول سورة الفتح كاملة في سياق صلح الحديبية، مستعرضاً حديث سهل بن حنيف وتذكير الصحابة بموقفهم عند كرههم لشروط الصلح. كما يوضح اعتراض عمر بن الخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم ورد النبي بأنه رسول الله ولن يضيعه الله، فأنزل الله السورة مبينة أن الصلح كان فتحاً مبيناً.
يُبيّن المقطع اعتراض عمر على شروط الصلح الظاهرة فيها الغضاضة، ورد النبي الواثق بأنه رسول الله ولن يضيعه الله، مع ضرب المثل بتوكل هاجر. ويشير إلى أن طلب العلم والتقوى من أعظم أسباب الرزق، وموافقة أبي بكر للنبي بنفس العبارة دليل على رسوخ الإيمان.
يوضح المقطع كيف طمأن أبو بكر عمر بموقف النبي الواثق، ونزول سورة الفتح مصدقة للصلح ومسمية إياه فتحاً مبيناً. ويستعرض أوجه ابن القيم في كون الصلح فتحاً، منها أمن الناس واختلاط المسلمين بالمشركين للدعوة، وإظهار المستخفين بإسلامهم، ودخول كثيرين في الإسلام، وتفرغ النبي لقتال أعداء آخرين.
بعد صلح الحديبية اتجه النبي لقتال يهود خيبر لنقضهم العهد، وقسم غنائمها من أموال وأراضٍ على أهل الحديبية فقط (1500 صحابي: 300 فارس و1200 راجل) بواقع 18 سهماً. أعطى الفارس سهمين والراجل سهماً واحداً، ولم يشارك فيها من لم يحضر الحديبية إلا جابر بن عبد الله لعذره.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سورة الفتح. وهنا ذكر مباشرة الحديث دون ذكر آية، لأن سورة الفتح ورد فيها كاملة سبب نزول، فهذا الحديث الذي سيذكره نزل في السورة كاملة. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن أسحاق السلمي، قال: حدثنا يعلى، قال: حدثنا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أتيت أبا وائل أسأله، فقال: كنا بصفين، فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله تعالى؟ فقال علي: نعم. فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، ولو نرى قتالاً لقاتلنا. فجاء عمر، فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيما نعطي الدنية في ديننا؟ ففيما نعطي الدنية في ديننا ونرجع، ولما يحكم الله بيننا؟ ولما يحكم الله بيننا؟ فقال: يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً. فرجع متغيظاً، فلم يصبر حتى جاء... ماذا عندك يا أخي صاحب النصوة؟ حتى جاء... نعم، حتى جاء أبو بكر، يعني هو أبو بكر، جاء إلى عمر، قال: حتى جاء أبو بكر، فقال: يا أبا بكر... أي، قال عمر لأبي بكر لما جاء أبو بكر: فقال يا أبا بكر، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: يا ابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً. فنزلت سورة الفتح. معنى هذا الحديث، بارك الله فيكم، أن أبا وائل سأل حبيب بن أبي ثابت، أو حبيب بن أبي ثابت سأل أبا وائل، وأبو وائل ممن شهد صفين، وصفين هي الفتنة التي وقعت بين صفين من المسلمين: صف في صف علي، وصف في صف معاوية، رضي الله تعالى عنهم جميعاً. فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله تعالى؟ بمعنى أن في هذه الفتنة رفع قوم معاوية الصلح والتحكيم إلى كتاب الله، والتحكيم إلى كتاب الله، فهذا الرجل كأنه لم يرتضِ هذا الصلح وهذه الدعوة، فقال: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله؟ يعني يحكمون الكتاب فيما وقع بينهما بين علي ومعاوية، رضي الله تعالى عنهما جميعاً. فقال علي: نعم، يعني هم رفعوا ذلك، رفعوا ذلك الشعار، وهو شعار الصلح. فقال سهل بن حنيف راداً على هذا الرجل الذي ظاهر كلامه عدم الرضا بهذا التحكيم، أو عدم كذلك الجنوح إلى الصلح: اتهموا أنفسكم. يعني الرأي الذي أتيت به ليس بصواب، وليس كذلك بحق، وإنما الصواب أن المسلمين يجب عليهم التحاكم والرجوع إلى الكتاب والسنة. اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية. ذكرهم بيوم الحديبية، وقول سهل بن حنيف: يا أيها الناس، اتهموا أنفسكم، أراد بهذا تصبير الناس على الصلح، وأراد إعلامهم بما جرى بعده من الخير، فالصلح خير، خير من القتال، لا سيما بين المسلمين، فإنه يرجى مصيره إلى خير، وإن كان ظاهره في الابتداء مما تكرهه النفوس في ابتداء الأمر، لكن بعد الصلح يرى هؤلاء المصطلحين أثر الصلح وما فيه من منافع، ومن كذلك فوائد عظيمة. فهو يذكرهم بما وقع من صلح في الحديبية، وقال ذلك سهل حين ظهر من أصحاب علي، كما تقدم، رضي الله عنه، كراهة التحكيم، فأعلمهم، رضي الله تعالى عنه، بما جرى يوم الحديبية من كراهة أكثر الناس الصلح، ومنهم عمر، رضي الله تعالى عنه، ولكن كان في هذا الصلح منافع عظيمة سيأتي بيانها إن شاء الله. فهذا معنى قول سهل: اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، وسيأتي معنى قريباً إن شاء الله بعد حديثين أو ثلاثة أحاديث، هذا الحديث العظيم الذي هو صلح الحديبية، فأورده شيخنا رحمه الله بطوله، فإن شاء الله نقرؤه فيما يأتي، ونأخذ ما فيه من فوائد وعبر. فهنا قال: فلقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، لما خرج النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة أراد العمرة فقط، وما أراد القتال، فمنعه المشركون، منعه المشركون، فكاد أن يكون بينهم القتال، ولكن القصواء خارت في الأرض فلم تستطع المشي، فقال الناس وهم يحكمون بالظاهر وما رأوا: فقالوا: يعني خلأت القصواء، بمعنى خارت ولم تمشِ. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما خلأت، وليس لها ذلك بخلق، وإنما منعها أو حبسها حابس الفيل. فعلم النبي عليه الصلاة والسلام أن القتال لم يكن فيه مصلحة، فقال: يعني ما يصالحوني على شيء إلا صالحتهم عليه. فجنح النبي عليه الصلاة والسلام إلى الصلح، إلى الصلح، فكان صلح الحديبية، وسيأتي معنا تفصيل ذلك قريباً إن شاء الله. فقال: ولو نرى قتالاً لقاتلنا. يعني النبي عليه الصلاة والسلام ما رأى القتال، مع أن معه عدداً لا بأس به، عليه الصلاة والسلام، ما يقارب ألفاً وخمسمائة، كما سيأتي في بعض الروايات، ولكن مع هذا لم يقاتل عليه الصلاة والسلام، وجنح إلى الصلح. ومن بنود هذا الصلح أنهم لا يعتمرون هذه السنة، يرجعون وهم قد أحرموا، هذا شديد على النفس، وهكذا من جاء منهم يعني مؤمناً إلى النبي عليه الصلاة والسلام يرد إليهم، لا يقبل أحد، وأما من جاء من المسلمين مرتداً إليهم قبلوه، فهذا فيه شيء من يعني الشدة على الصحابة، شروط فيها شيء من الشدة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام جنح إلى الصلح لما أوحى الله عز وجل إليه من منافع وفوائد هذا الصلح، بل سماه الله عز وجل فتحاً، كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. فوجد عمر في نفسه أن الشروط هذه ظاهرها الغضاض عليهم، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ يعني عمر يريد القتال، ولا نقبل بهذه الشروط التي فيها غضاضة علينا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بلى، الأمر كما قلت، نحن على الحق وهم على الباطل، وقتلانا في الجنة وقتلاهم في النار. فقال عمر: ففيما نعطي الدنية في ديننا؟ يعني لماذا نعطي الدنية؟ والدنية يعني النقيصة، الدنيئة بمعنى النقيصة والحالة الناقصة، لأن هذه الشروط فيها غضاضة وشدة على المسلمين. قال العلماء رحمهم الله تعالى: لم يكن سؤال عمر رضي الله عنه وكلامه المذكور شكاً فيما جنح إليه النبي عليه الصلاة والسلام، بل طلباً لكشف ما خفي عليه. الآن هذا شيء ظاهره الغضاضة والشدة على المسلمين، والنقيصة في حق المسلمين، فهي شروط يعني فيها شيء من الغضاضة عليهم، فعمر أراد أن يستبين، يعني يتبين أسباب هذا الأمر، طلباً لكشف ما خفي عليه، وفي قولي هذا حثاً على إذلال الكفار وظهور الإسلام، هذه نيته رضي الله تعالى عنه، وهذا دافع سؤاله ومراجعته للنبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك لما علم أن هذا الأمر فيه فتح، رضي، رضي الله تعالى عنه، وطابت نفسه كما سيأتي. فقال: ففيما، أو ففيما نعطي الدنية في ديننا ونرجع، لأن من شروط الصلح أنهم يرجعون هذا العام، ويأتون العام القادم. فقال: وَلَمَّا يَحْكُمْ اللَّهُ بَيْنَنَا، يعني ما في نزل وحي ذاك الوقت، وما في أمر من الله عز وجل بالرجوع، فطالما أن يعني الوحي لم ينزل، فلماذا لا نقاتل، ولماذا لا يعني نرفض هذه الشروط؟ يريد يتبين رضي الله تعالى عنه، ويطلب السبب في ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يَا بْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَداً. وهذا دليل على ثقة النبي عليه الصلاة والسلام بربه، نعم، وأن من الحكمة، من الحكمة أن تتنازل عن بعض الحق أحياناً لما هو أنفع وأصلح للإسلام والمسلمين، للإسلام والمسلمين، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه. ففي هذا المقام الحرب ليست في مصلحة المسلمين، كما بيّن العلامة، العلامة ابن القيم عليه رحمة الله، وسيأتي معنا ما هي هذه المنافع، وما هو هذا الفتح الذي وقع في صلح الحديبية، فتح عظيم، سماه الله عز وجل فتحاً مبيناً: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. وهذا الصلح سماه فتحاً، مع أن ظاهره فيه الغضاضة والشدة على المسلمين. فقال النبي عليه الصلاة والسلام قول الواثق بربه: إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً. هذا يذكرنا بماذا؟ هذا يذكرنا بقول سارة، بقول أم إسماعيل هاجر، لما تركها إبراهيم عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع، ولا إنس، ولا شجر، ولا شيء، ولا ماء، وإنما أعطاها يعني قرباً فيها ماء، وجراباً فيه تمر فقط، وولّى منصرفاً، فقالت له: لمن تتركنا؟ آله الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لن يضيعنا الله. هكذا ينبغي أن يكون المؤمن واثقاً بربه، طالما أنك مع الله عز وجل، وفي سبيل الله، وممتثلاً لأمره، واجتناباً لنهيه، فالله عز وجل لن يضيعك، الله عز وجل لن يضيعك. كثير من عامة الناس إذا رأى طالب العلم يدرس في المسجد، أو في المراكز العلمية، ويتفقه، يقول: هذا يضيع نفسه، هذا يضيع مستقبله، الناس يدرسون في الجامعات، وفي المدارس، ويطلبون الشهادات والوظائف، وهذا ضيع مستقبله، وضيع شهادته، وضيع تعليمه، وجالس لنا يدرس في المسجد. هذا دليل على ضعف الإيمان. فطلب العلم من أعظم أسباب الرزق، وتعلمون ما جاء عند الترمذي وغيره، ويصححه العلامة الألباني، ذلك شيخنا الوادعي، ذاك الرجل الذي جاء وشكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخاه، لأن أخاه يجلس عند النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الرجل كان يعمل وينفق على أخيه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: لعلك ترزق به، لعلك ترزق به. وكان شيخنا دائماً، شيخ الوادعي رحمه الله، يصبر طلابه، ويحثهم على طلب العلم، وعلى الاستمرار، ويقول: يا طالب العلم، لن يضيعك الله. وهذه والله كلمة شعرنا ب... يعني صدقها، شعرنا بصدقها، نعم. فكم من طالب علم فتح الله عليه في العلم وفي الدنيا، ما ضيعه الله. كم من مناطق تطلب طلاب العلم، يريدون إماماً، ويعطونه ما يريد، يريدون خطيباً، يريدون مدرساً، يريدون داعية إلى الله، وكم من طالب علم وهو في بلده فتح الله عليه بوظيفة تتناسب مع طلب العلم، أو في يعني تجارة كذلك تتناسب مع طلب العلم، أو نحو ذلك، ففتح الله عليه. فالرزق ليس محصوراً في الشهادات، ولا في الجامعات، رزق الله، ورزق الله، ورزق الله في تقوى الله، وفي التوكل عليه سبحانه وتعالى، وكن واثقاً بربك، ولا تكن كعامة الناس يتخوفون من ضياع المستقبل. المستقبل الحقيقي يوم أن يوفقك الله عز وجل لطلب العلم والاستقامة على الدين، ويتوفاك الله وأنت على خير، على استقامة، على طاعة، على حفظ القرآن، وإتقان للعلوم، هذا هو المستقبل، هذا هو المستقبل. وكم من إخوة توكلوا على الله، وثقوا بالله عز وجل، وطلبوا العلم وهم فقراء، ربما ما عندهم ما يغسلون به ثيابهم من الصابون، أو ما يعالجون به أنفسهم إذا مرضوا، فصابروا، ففتح الله عليهم العلم، وكذلك بالإمامة، وبالمحبة، ونحو ذلك. فاصبر يا طالب العلم، وثق بالله، ولن يضيعك الله أبداً، طالما أنك في طريق العلم، وفي طريق الخير. فتعلمون أن الرزق له أسباب حسية، وأسباب معنوية، والأسباب المعنوية أعظم. فذكر الله من أسباب الرزق، تقوى الله، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. فإذا اتقيت الله، وطلب العلم من أعظم أسباب الاستقامة والتقوى، رزقك الله عز وجل من حيث لا تحتسب، من حيث لا تحتسب، تأتيك أبواب من الرزق ما تتوقع حصولها. وكذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. التقوى والإيمان يرزق العباد. وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا. في الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: في حديث عمر، لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً. لا حديث هذا كثيراً. فانظروا إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: ولن يضيعني الله أبداً. ليكن هذا شعارك أيها المسلم، بشرط أن تكون مع الله، أن تكون على دين الله عز وجل الحق، أن تكون على الاستقامة، أن تكون على الخير، على الطاعة، فالله عز وجل لا يضيعك أبداً. فرجع متغيظاً، يعني رجع عمر وهو في نفسه لما في هذه الشروط من شدة عليهم، ومن غضاضة، ونحو ذلك، فلم يصبر، ما زال في نفسه مراجعة النبي عليه الصلاة والسلام، حتى جاء أبو بكر، جاء أبو بكر إلى عمر، فقال له عمر: يا أبا بكر، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ يعني ذكر لأبي بكر ما ذكر للنبي عليه الصلاة والسلام. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: إنه رسول... يا ابن الخطاب، إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبداً. قال العلماء: أبو بكر رضي الله تعالى عنه ما سمع الحوار بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين عمر، ما سمعه، فجأة بجواب مطابق تماماً لجواب النبي عليه الصلاة والسلام، دون موافقة، ودون علم بما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر، لعمر، غير موافقة، ولا علم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر. فانظروا، أبو بكر أيضاً قال قول المؤمن الواثق بربه: يا ابن الخطاب، إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبداً. والنبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً. قال العلماء: وجواب أبي بكر بمثل جواب النبي صلى الله عليه وسلم، من الدلائل الظاهرة على عظيم فضله، رضي الله تعالى عنه، على عظيم فضله وعلمه، وكذلك منزلته، ولذلك كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه أفضل هذه الأمة، أفضل هذه الأمة. فنزلت سورة الفتح، يعني نزلت هذه السورة: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، فَسَمَّاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَتْحًا، وَسَيَأْتِي مَعَنَا من كلام ابن القيم، كذلك ما هو أوجه أن هذا الصلح فتحاً، أن هذا الصلح فتح من الله سبحانه وتعالى. قال: الحديث أخرجه مسلم، وفيه: فنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله، أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قال: نعم. فطابت نفسه، طابت نفسه عمر رضي الله تعالى عنه، لأن الله عز وجل أقرَّ نبيه على هذا الصلح، أقرَّ نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هذا الصلح، وسمى هذا الصلح ماذا؟ فتحاً، بل مبيناً، واضحاً، ظاهراً، فلما بلغ ذلك عمر، طابت نفسه، وذهب ما به من كآبة، أو من غيظ، أو نحو ذلك. وقال: وأخرجه أيضاً أحمد وابن جرير، وقد أخرج البخاري والترمذي وصححه، وأحمد من حديث عمر نحوه، وظاهره الإرسال عند البخاري، لكن أسلم قد صرح بالسماع عند الترمذي، فعلم الترمذي... فعلم اتصاله، يعني الراوي هذا أوصله عند الترمذي، فتبين بذلك أن الحديث متصل وليس مرسلاً، قاله المباركفوري في التحفة. وأخرجه أحمد وأبو داود في الجهاد. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: حدثني موسى بن سهل الرملي، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا مجمع... هكذا ضبط بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الميم مع فتحها: مجمع، قال: حدثنا مجمع بن يعقوب، قال: سمعت أبي يحدث عن عمه عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية الأنصاري، وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن. يعني هذا مجمع بن جارية الأنصاري، قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها، إذ الناس يهزون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ. فقال رجل: أَوَ فَتْحٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ تعجب الصحابة، يعني هذه الشروط وهذا الرجوع وعدم يعني الاعتمار، ومع هذا يسمى فتحاً، فهذا السؤال سؤال تعجب: أَوَ فَتْحٌ هُوَ يَا رَسُولُ اللَّهِ؟ فقال: نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ لَفَتْحٌ. وقسم النبي عليه الصلاة والسلام، دليل على تأكيد ما جاء في القرآن، وأن هذا الصلح فتح من الله سبحانه وتعالى. ذكر ابن القيم عليه رحمة الله أوجه كثيرة في كون هذا الصلح فتحاً، فقال ابن القيم عليه رحمة الله: سماه الله فتحاً لأن الناس أمن بعضهم بعضاً، لأن من شروط هذا الصلح ألا يكون بينهم قتال، لا يكون هنا قتال بين المشركين وبين المسلمين، فالمسلم إذا أراد الذهاب إلى مكة للزيارة، أو لكذلك التجارة، أو نحو ذلك، فلا يستطيع أحد من المشركين أن يمسه بشيء، لأن بينهم صلح. فقال: يعني من فوائد هذا الصلح، لأن الناس أمن بعضهم بعضاً، واختلط المسلمون بالكفار، ونادوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وهذا أيضاً من أعظم الفوائد، إذا كان هناك يعني حرب بين المسلمين والمشركين، ما يستطيع المسلم أن يخالط الكافر، لكن لما كان هذا الصلح، استطاع المسلم أن يذهب إلى مكة، ولا شك ذهابه يلتقي بالمشركين، فيستغل المسلم هذا الاختلاط بالدعوة إلى الله، يقوم يدعو غيره، أو يقوم يصلي، يرفع صوته، أو يجلس يقرأ القرآن، يرفع صوته، والقرآن مؤثر، مؤثر. ولذلك قال الله عز وجل: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. يعني إذا أحد طلب الأمان من المشركين، فأمنوه، أمنوه حتى يختلط بكم، فيسمع قراءتكم للقرآن، فيؤثر ذلك فيه. وكم من الصحابة الذين كان سبب إسلامهم سماعهم للقرآن، وتأثرهم بالقرآن، مثل جبير بن مطعم، لما جاء يريد أن يفدي بعض أقاربه، يعني يدفع المال من أجل أن يطلق صراحه، فجاء والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي، ماذا؟ المغرب، وكان يقرأ ماذا عليه الصلاة والسلام؟ سورة الطور، حتى إذا جاء عند قول الله عز وجل: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ، قال: فوقع ذلك في قلب، كان سبب إسلامه، فأسلم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فمن فوائد هذا الصلح كما ذكر ابن القيم: أن المسلمين اختلطوا بالمشركين، فأسمعوهم القرآن، ونادوهم بالدعوة، ولو كان الدعوة فردية، كل مسلم يأخذ أحد من المشركين، ويدعوه إلى الله، وهكذا قال ابن القيم: وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، خلاص ما يخافون، لأن بينهم صلح، فيستطيع المسلم أن يناظر غيره من المشركين، وأن يقيم عليهم الحجة، وأن يقيم عليهم الحجة. وقال: وظهر من كان مختفياً بالإسلام، وهذا أيضاً من منافع هذا الصلح، كان قبل الصلح ما يستطيع المسلم في مكة أن يظهر إسلامه، لأنه لو أظهر إسلامه لأوذي وعذب، كما قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا. هذا مر معنا سبب نزولها، وأن جماعة من المسلمين كانوا في مكة، وكانوا يعني مختفين بإسلامهم، فلما كانت وقعت بدر، أخرجوا، باعتبار أنهم ليسوا بمسلمين، أخرجوا إلى القتال، فقتلوا، وقتل منهم، فنزلت هذه الآية: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ، فقالوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا، اذهبوا وهاجروا، أرض الله واسعة، ولا تجلسوا بين ظهرياني المشركين. فالشاهد من هذا أن المسلم كان في العهد المكي، وقبل الصلح، ما يستطيع أن يظهر إسلامه، ما يستطيع أن يظهر إسلامه، فلما جاء هذا الصلح، من كان مختفياً أظهر إسلامه. وقال: ودخل فيه في تلك المدة من شاء أن يدخل، يعني دخل ناس كثير في الإسلام، بسبب الدعوة، واختلاطهم في المسلمين، ونحو ذلك، ولذا سماه الله فتحاً مبيناً. وأذكروا من فوائد هذا الصلح: أن النبي عليه الصلاة والسلام اتجه إلى الأعداء غير المشركين، من من؟ من اليهود، من اليهود. فإن الدولة إذا يعني تشتتت في حروبها، وانفتحت عليها جبهات عدة، لربما تضعف في المقاتلة، صح؟ هذا أمر معروف حتى في زماننا هذا، إذا تعددت الجبهات والأعداء، فما تدري أتقاتل هذا العدو أو ذاك العدو، فتتشتت على هذه الدولة الجهود، تتشتت الجهود. لكن النبي عليه الصلاة والسلام أمن قتال المشركين بسبب هذا الصلح، فاتجه إلى غيرهم من الأعداء، كالقبائل المعادية له حول المدينة، وكاليهود الذين كانوا في المدينة، وينقضون العهد والميثاق، وهذا من أعظم صفاتهم، من أعظم صفاتهم المكر والخداع، فكم أرادوا قتل النبي، وكم أرادوا الوقيعة في المسلمين، ونحو ذلك، فاتجه النبي صلى الله عليه وسلم لقتالهم، ولذلك وقعت خيبر، فقسم النبي عليه الصلاة والسلام تلك الأموال والأراضي التي يعني غنموها على أهل الحديبية خاصة، على أهل الحديبية خاصة، ولذلك قال: فقسمت خيبر على أهل الحديبية، لم يدخل معهم فيها أحد، يعني خاصة، النبي صلى الله عليه وسلم ما غنمه المسلمون في خيبر من أموال وأراضي، على أهل الحديبية فقط، ممن شهد هذه الغزوة، وممن بايع تحت الشجرة، وممن بايع تحت الشجرة. قال: لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، وإن لم يشهد خيبر. وقيل أن أهل الحديبية كلهم شهدوا خيبر، إلا صحابي واحد، وهو جابر بن عبد الله، لعذر ما لم يشهد خيبر، ولكن مع ذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قسم له، فالنبي عليه الصلاة والسلام قسم له. ومن لم يكن من أهل الحديبية لم يعطَ شيئاً مما غنمه المسلمون في خيبر، ولذلك قال: فقسمت خيبر على أهل الحديبية، لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية. قال: وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، يعني كان عدد الصحابة في الحديبية ألفاً وخمسمائة، ألفاً وخمسمائة، نعم. قال: فيهم ثلاثمائة فارس، ومعنى ثلاثمائة فارس يعني رجل مع فرسه، وهو ما عبر عنه في آخر الحديث: فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً. الراجل الذي يمشي على رجله، ما عنده راحلة، ما عنده فرس يقاتل به، فهذا هو الراجل، والفارس الذي معه فرس، فكان ثلاثمائة معهم فرس، وكم بقي؟ ألف ومائتين، ليس معهم فرس، إنما هم راجلون، يعني على أرجلهم. قال: ثلاثمائة فارس، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهماً. قال العلماء: قسمها على ثمانية عشر سهماً، ثم قسمها، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً، فيكون التقسيم كالتالي: انتبهوا معي، يكون التقسيم كالتالي: أعطى لكل مئة سهمين، كل مئة أعطاهم ماذا؟ سهمين من الثمانية عشر. مئة فارس أعطاهم سهمين، ومئة أعطاهم سهمين، ومئة أعطاهم سهمين، كم سهم صار الآن؟ ستة، تمام. كل مئة سهمين، المئة الأولى سهمين، المئة الثانية سهمين، كم؟ ستة. كم بقي من الثمانية عشر؟ اثنا عشر، تمام. فأعطى ستة لماذا؟ للفارسين، وأعطى اثني عشر سهماً للرجال، يعني الذين هم يمشون على أرجلهم، يمشون على أرجلهم، فيكون لكل مئة كم؟ لكل مئة كم؟ لكل مئة سهم واحد. لحن نقول: مئة، ألف ومئتين، صح، هم كلهم ألف وخمسمئة. انتبهوا، صاحب أصحاب الحساب: هم ألف وخمسمئة، ثلاثمئة فرسان، تمام، أعطوا كم أسهم من الثمانية عشر؟ ستة، باعتبار كل مئة كم؟ سهمين. كل مئة سهمين. طيب، فبقي ألف ومئتان، هذه الرجالة الذين على أرجلهم. طيب، وبقي كم سهم؟ اثنا عشر، اثنا عشر، إذا كل مئة سهم، فيكون على هذا كما جاء في الحديث: أعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً واحداً. عرفتم القسمة الآن؟ نعم. ولماذا قسمها ثمانية عشر سهماً؟ لأن تقسيمها على عدد المقاتلين فيه شيء من الصعوبة، لكن لو مثلا مئة قيل لهم: هذه أرضكم، خلاص، هذا يعتبر مثلا سهمين من أصحاب الفرس، خلاص هم يتصرفون فيها، يستطيعون بيعها وتقسيم ما يعني جاء من مال بسبب بيعها، أو يستطيعون توزيعها على بعضهم، وأخذ بعضهم للمال، المهم يوزعونها على ما يرون، مثل الإرث، الإرث إذا كان عقار أو بيت، يصعب أن تعطي كل واحد يعني نصيبه، طيب، لكن بعضهم يرضى بالمال، وبعضهم يرضى بالعقار، وبعضهم يرضى بغير ذلك، المهم أن النبي عليه الصلاة والسلام قسمها على ثمانية عشر سهماً، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً واحداً. وهذا الحديث سيأتي مفصلاً إن شاء الله في سبب نزول، قال الله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ. وأورد شيخنا حديث الحديبية بطوله، وسيأتي معنا إن شاء الله مفصلاً. نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى، شكراً للمشاهدة، اشتركوا في القناة.