الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 96، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يسرد المقطع حديث عبد الله بن سلام الذي يبين سبب نزول سورة الصف، حيث سأل الصحابة عن أحب الأعمال إلى الله فدلهم على الإيمان والجهاد في سبيله. ويُعد هذا الحديث من أصح الأحاديث المسلسلة دالاً على حرص السلف على طلب أفضل القربات.
يبرز المقطع حرص السلف على طلب ما يقربهم إلى الله لا على أرباح الدنيا، وحرص الصحابة على العمل بالعلم. ويسرد سبب نزول آية الانفضاض عندما انصرف المصلون إلى عير تجارية تاركين النبي صلى الله عليه وسلم.
يفسر الشيخ المزامير بأنها حسن الصوت لا الآلات الموسيقية، ويؤكد أن الدف جائز للنساء فقط في الأعراس والأعياد دون الرجال. ويناقش سبب نزول آية الانفضاض مبيناً أن الانفضاض كان للتجارة واللهو معاً.
يشرح المقطع تحريم الانشغال بالتجارة أو اللهو أو النوم أثناء خطبة وصلاة الجمعة الواجبة مستشهداً بآية الانفضاض. ويؤكد وجوب الإقبال على الخطبة والصلاة دون أي تشتت.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سورة الصف. قال الإمام الدارمي رحمه الله تعالى: أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملناها. فأنزل الله عز وجل: ﴿سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ حتى خَتَمَهَا، يعني حتى أكمل السورة إلى آخرها. قال عبد الله -أي ابن سلام، صحابي الحديث-: فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها. قال أبو سلمة -وهو الراوي عن عبد الله بن سلام-: فقرأها علينا ابن سلام. قال يحيى: قرأها علينا أبو سلمة. ويحيى هو الراوي عن أبي سلمة، يحيى بن أبي كثير. قال: وقرأها علينا يحيى، وقرأها علينا الأوزاعي، وقرأها علينا محمد -أي ابن كثير-. قال: الحديث أخرجه أحمد والترمذي، وبيّن ما فيه من الاختلاف على الأوزاعي، وابن حبان في "موارد الظمآن"، والحاكم، وقال في الثلاثة المواضع: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وسكت عليه الذهبي، وبيّن في الموضع الأول ما فيه من الاختلاف على الأوزاعي. والمراد هنا بثلاثة المواضع: يعني الاختلاف على الأوزاعي. وقال الحافظ في "الفتح": وقد وقع لنا سماع هذه السورة مسلسلا في حديث ذكر في أوله سبب نزولها، وإسناده صحيح. قال: قل إن وقع في المسلسلات مثله مع مزيد علوه. وقال في "شرح نخبة الفكر": إنه أصح المسلسلات. انتبه: المسلسلات مش هذا اللي في التلفزة، مسلسلات؛ هذا نوع من أنواع علم الحديث، علم المصطلح، يسمى بالحديث المسلسل. فقد يكون مسلسل بلفظ، مثل هذا الحديث: كل راوٍ يقول: "فقرأها علينا حتى ختمها"، فقرأها علينا حتى ختمها، تسلسل الرواة على هذه اللفظة، فهذا يسمى مسلسل. فهذا الحديث يذكره أهل المصطلح في مثال الحديث المسلسل، وأن هذا الحديث أصح حديث ورد في الأحاديث المسلسلة، كما ذكر ذلك الحافظ. وذكر شيخنا لهذا الحديث في "الصحيح المسند" يدل على أن شيخنا يرى صحة هذا الحديث، يرى صحة هذا الحديث. حيث السؤال في هذا الحديث: "لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناها"، فما هو أحبهم؟ فما هي أحب الأعمال المستنبطة من هذا الحديث؟ حديث: نعم، يعني الجهاد في سبيل الله. ها، الله عز وجل افتتح هذه السورة بالجهاد في سبيل الله، وقال في نهاية السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، هل أدلكم على تجارة، أعمال تنجيكم من عذاب الله؟ ما هي هذه الأعمال؟ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فإذا أحب الأعمال إلى الله: إيمان به وبرسوله، وجهاد، وجهاد في سبيله. إيمان به وبرسوله، وجهاد في سبيله بالمال والنفس: ﴿تُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ولو نظرت في هذه السورة لرأيت من أولها إلى آخرها وهي تتحدث عن الجهاد في سبيله، في سبيله. قال في أولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾، هذا في الجهاد، يحب الله عز وجل هذا العمل. وقال في آخرها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾، أي أنهم نصروا دين الله وجاهدوا في سبيل الله فنصرهم الله عز وجل على عدوهم. فإذا هذا السؤال أجابت عليه هذه السورة: "لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناها"، فجاء الجواب في هذه السورة بأن أحب الأعمال إلى الله: إيمان به وبرسوله، وجهاد في سبيله بالنفس والمال. وهذا الحديث فيه فوائد: فمن فوائد هذا الحديث تذاكر العلم، فانظر إلى قول الصحابة: "قعدنا نفر من أصحاب رسول الله فتذاكرنا"، فالتذاكر العلم ومذاكرة العلم كان عليه السلف، كان عليه المحدثون. لربما جلس أحدهم من بعد صلاة العشاء مع زميل له، وطالب وطالب مثله، يتذاكرون الحديث حتى يطلع الفجر، حتى يطلع الفجر وهم يتذاكرون الحديث. فحياة العلم مذاكرته، حياة العلم مذاكرته. وفي هذا الحديث أيضا حرص الصحابة على أفضل الأعمال وأحب الأعمال إلى الله بسؤالهم هذا: "لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله". وهذا كان هم وتفكير السلف رحمهم الله، ما كانوا يسألون: أي الأعمال أكثر ربحا وتجارة، وما هي الأعمال التي هي أسرع تجارة وفائدة ونحو ذلك، أبدا، وإنما كان سؤالهم عن ما يقربهم إلى الله. وفي هذا الحديث أيضا حرص الصحابة على العمل بالعلم، على العمل بالعلم. من أين أخذنا هذا؟ من قولهم: "لعملناها"، يعني لعملنا بها هذه الأعمال التي هي أحب الأعمال إلى الله عز وجل. ثم قال شيخنا رحمه الله: سورة الجمعة. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا معاوية بن عمرو، قال: حدثنا زائدة، عن حسين، عن سالم بن أبي الجعد، قال: حدثنا جابر بن عبد الله قال: بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت عير تحمل طعاما، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا. فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. قال: الحديث أخرجه البخاري في مواضع، ومسلم، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد، وابن جرير. الحديث في البخاري كما سمعت، وفي مسلم كذلك. وإنما يذكر الشيخ من أخرجه من الأئمة من باب الفائدة، ومن باب ذكر أن هذا الحديث مخرج في كتب السنن والمسانيد. وهذا الحديث فيه ما تقدم: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بأصحابه، فأقبلت عير، عير يعني قافلة محملة بالبضائع والطعام، وكانت العرب لها رحلات يرحلون إلى الشام وإلى اليمن، ويتزودون من التجارة، ولهم أسواق معروفة في المدينة ونحو ذلك. فلما أقبلت هذه العير في وقت الصلاة، التفت من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه العير، وتركوا الصلاة، فما ثبت مع النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته إلا اثنا عشر رجلا فقط. فنزلت هذه الآية تنكر على من انصرف عن الصلاة والتفت إلى العير: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾، هذه العير فيها تجارة بيع وشراء، ﴿أَوْ لَهْوًا﴾، وسيأتي معنا في حديث آخر أنه كذلك نزلت هذه الآية في انشغال بعضهم باللهو، سيأتي هذا معنا في الحديث الآخر. ﴿انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾، أي انصرفوا إليها، ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، يعني تصلي مع من ثبت معك. قال: وقد أخرج الطبراني بسند رجاله رجال الصحيح، وأبو عوانة في صحيحه، كما قاله الحافظ في "الفتح"، عن جابر بن عبد الله قال: كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرون بالكبر، هكذا ضبطه: بالكبر، بفتح الكاف والباء، والمزامير، ويتركون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائما على المنبر، وينفضون. فأنزل الله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾. وهذا الحديث ذكر فيه اللهو، فقوله: "كان الجواري"، والجواري هنا البنات الصغار التي ينشدن في الأعراس كما جاء، أو في الأعياد كذلك. وهذا أمر جائز للنساء خاصة، يجوز للنساء في الأعراس وفي الأعياد أن يضربن بالدف وأن يغنين. فإن كن جواري صغار فلا بأس للرجل أن يسمع وهو مار أو وهو يعني جالس. فأبو بكر رضي الله تعالى عنه لما سمع الجواري يضربن بالدف وينشدن، أنكر عليهن، وقال: "مزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم". فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "دعهم يا أبا بكر، فإنه يوم عيد". وكان النبي عليه وسلم يسمع، وأبو بكر كذلك. فيحمل العلماء ذلك على أن هذا صدر من الجواري البنات الصغار، ويجوز للنساء الكبار كذلك أن يغنين وأن يضربن بالدف، ولكن لا يجوز أن يسمعهن الرجال، أن يسمعهن الرجال. فشرط الإنشاد للنساء أن يكون بالدف، والدف هو الذي يكون مفتوحا من جهة ومغلقا من جهة أخرى. أما الذي يكون مغلقا من جانبين فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز أن تضرب به النساء. أو كذلك ما كان مفتوحا من جهة لكنه ضيق مثل الدنبك، هذا أفتى علماء كذلك أنه لا يجوز أن يضرب به، لماذا؟ لأنه ليس مفتوحا بفتحة تقابل الجهة المغلقة، وإنما يكون فيها شيء من الضيق، وهذا مما يغير ضرب هذا الدنبك، ليس ضربه كضرب الدف. وهكذا يشترط كما تقدم أن لا يخرج صوت النساء ليسمعه الرجال، فإن هذا فتنة. نعم، هذا فتنة: أن تغني المرأة ويسمعها الرجل. ومن المصائب التي حلت بديارنا في هذه الأزمان أن تأتي المغنية من النساء فيؤتى لها بمكبرات صوت، تغني بمكبر مثل هذا، ربما تسمعه من يعني عشرات الكيلو، أو ربما تسمعه من مسافة بعيدة. هذا ما يجوز. إن أردنا النساء أن يغنين فليكن بغير يعني مكبرات، يكون في مكان محصور لا يسمعه الرجال، لا يسمعه الرجال. فقوله: "كان الجوار إذا نكح"، يعني في الزواج، ينشدن ويغنين، "كانوا يمرون"، يعني هذه الجواري، "بالكبر"، والكبر هو الطبل، ويحمل في هذا الحديث على الدف الذي له وجه واحد، الذي له وجه واحد، فيحمل على ذلك. وأما قوله: "المزامير"، فالمراد بالمزامير هنا حسن الصوت، هذه الجواري عندهن صوت حسن، وليس المراد بالمزامير هذا الذي يفعله المغنون، يفعله المغنون من مزامير الشياطين، ما يصدر الأصوات، وكذلك هو بمعنى الموسيقى أو نحو ذلك، لا. المراد بالمزامير: أي حسن الصوت. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لنعم أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود". ما معنى مزمار؟ ألي أخذ المزمار ويغني به؟ لا، إنما أعطي ماذا؟ صوتا حسنا، صوتا حسنا. فليس في هذا الحديث دليل على جواز الغناء والمزامير كما يعني استدل بعض من أراد الغناء بهذا الحديث على جواز الغناء. ليس في هذا الحديث ما يدل على ذلك، ما يدل على ذلك. فإن أهل العلم، ارجع إلى تفسير هذا الحديث، فقد فسر بما تقدم: بالكبر، أي الدف، وهذا جائز، الجواري والنساء، والمزامير: أي حسن الصوت، حسن الصوت. أنه قال: "كانوا يمرون بالكبر والمزامير"، يعني يغنين بصوت حسن، بصوت حسن. فليس فيه دليل على جواز الغناء أو الطبول أو المزامير الموسيقية أو نحو ذلك أبدا، وإنما تفسيره كما سمعت. وانتبه لقوله: "الجواري"، وأما الرجال فلا يجوز لهم أن يضربوا بدف ولا قبل ولا شيء من ذلك، لا في فرح أعراس ولا في أعياد. فإن الدفوف خاصة بالنساء. وأما ما يذكره البعض من أن الأنصار استقبلوا النبي عليه الصلاة والسلام عندما هاجر من مكة إلى المدينة بالدفوف وأنشدوا: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع"، فهذه الرواية لا تصح، لا تصح، رواية ضعيفة، ضعفها جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني عليه رحمة الله، فلا يصح ذلك. فليس لرجل أن يضرب بدف ولا بقبل ولا بمزمار ولا بشيء من ذلك، وإنما يجوز فقط للنساء أن يضربن بالدف في الأعراس وفي كذلك الأعياد. قال: "ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر وينفضون"، يعني ينظرون إلى هذا اللهو، ينظرون إلى هذا اللهو، ويتركون النبي عليه الصلاة والسلام قائما على المنبر، يعني يوم الجمعة، يوم الجمعة. وقد يقول القائل: إلى الحديث الأول وردت فيه الصلاة، وهذا الحديث ورد فيه أنه قائم على المنبر وهو يخطب، فما الجمع؟ ويقال: الجمع أنه ورد هذا وهذا، جاء لهو فانفض من انفض، ثم صلى النبي عليه الصلاة والسلام الجمعة، فجاءت التجارة فانفض من انفض، فنزلت الآية في الأمرين. وجاء حديث ذكره الشيخ رحمه الله بالحاشية، الجمع بين الأمرين، بين التجارة واللهو. قال: هكذا في تفسير ابن جرير، وفي "الفتح"، أي فتح الباري: أنهم كانوا إذا نكحوا تضرب الجواري بالمزامير، يعني بالأصوات الحسن، فيشتد الناس إليهم، ويدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، فنزلت هذه الآية. وفي "الدر المنثور": أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة، فإذا كان نكاح لعب أهله وعزفوا. وهذا الحديث لا يثبت، ولذلك الشيخ إنما ذكره استشهاداً، وذكره في الحاشية ليس في الأصل، فلا نقول أن الشيخ ذكره للاستدلال به، وإنما سيبين أنه ذكره لأنه جمع السببين، جمع السببين. فالعزف لم يرد في الأحاديث الصحيحة في قوله: "وعزفوا"، وإنما جاء بالكبر والمزامير، يراد به الصوت الحسن. قالوا: "عزفوا ومروا بالله على المسجد، وإذا نزلت بالبطحاء جلب". قال: وكانت البطحاء مجلسا بفناء المسجد الذي يلي بقيع الغرقد، وكانت الأعراب إذا أجلبوا الخيل والإبل والغنم وبضائع الأعراب نزلوا البطحاء، فإذا سمع ذلك من يقعد للخطبة قاموا لللهو والتجار. هذا الحديث فيه الجمع بين السببين، فيه الجمع بين السببين: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، فعاتب الله المؤمنين لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. قال شيخنا: وإنما نقلته من "الدر المنثور"، نقله نقل، ولم يتعرض لضعفه أو صحته، قال: لأن عبارة الطبري غير واضحة، ولأن فيه الجمع بين السببين. ففي هذا الحديث الأخير جاء فيه اللهو والتجارة، وعلى فرضية أن هذا الحديث ضعيف، حديث الجمع، فيجمع بين الحديثين الصحيحين بهذا الجمع: إنه كان يخطب، فجاء اللهو، ثم خرج مجموعه، وقام يصلي، فجاءت التجارة، فخرج جماعة، فنزلت الآية في الأمرين، نزلت الآية في الأمرين. وفي هذا الحديث أنه لا يجوز لمن وجبت عليه الجمعة أن يبيع ويشتري، أو أن يلهو ويلعب، ويترك خطبة الجمعة وصلاة الجمعة. ففي الآية التي قبل هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾، فلا يجوز الانشغال عن خطبة الجمعة، عن صلاة الجمعة، لمن وجبت عليه الجمعة، أن ينشغل بشيء غير الخطبة والصلاة، لا تجارة ولا لهو ولا لعب ولا نوم ولا شيء من ذلك. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم، وأقم الصلاة.