الدرس في تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر الشيخ السعدي المغانم الكثيرة بأنها تشمل كل غنيمة للمسلمين إلى يوم القيامة، وليست مقتصرة على خيبر فقط. ويبين أن تعجيل غنيمة خيبر كان آية على صدق وعد الله، وكف أيدي الناس شمل قريشاً في الحديبية وإطلاق النبي للشباب.
يشرح المقطع كيف يهدي الله المؤمنين إلى الصراط المستقيم علماً وعملاً، ويبشرهم بغنيمة أخرى لم يقدروا عليها وقت الخطاب وهي تحت قدرة الله. كما يؤكد أن الكافرين لو قاتلوا لولوا الأدبار مهزومين بفضل إلقاء الله الرعب في قلوبهم.
يستعرض المقطع سنة الله في نصر جنده المؤمنين عند توجههم إليه بصدق وتوبة، مستشهداً بآيات تؤكد أن الله مولى المؤمنين. ويضرب مثالاً تاريخياً من سيرة ابن تيمية عند قدوم التتار، حيث كانت التوبة والالتجاء سبباً في النصر لا الأسباب المادية.
يؤكد المقطع أن من يتمسكون بدين الله وينصرونه ويتوجهون إليه سينالون نصر الله، لأن الله يولي على الناس من يشبههم في الإيمان والعمل. ويقرر أن سنة الله في ذلك لا تتبدل ولا تتغير.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. وذكر الشيخ في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾، قال: وهذا يسمى الكل غنيمة غنمها المسلمون إلى يوم القيامة، لأن بعض المفسرين حدد هذه المغانم أنها في يوم خيبر أو فتح خيبر، ومنهم من قال بعد ذلك في الفتوحات، لكن هنا أخذ قول ابن عباس أنها تشمل كل غنيمة يغنمها المسلمون إلى يوم القيامة. قال: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، أي غنيمة خيبر، أي فلا تحسبوها وحدها، بل ثم شيء كثير من الغنائم سيتبعها. قال: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾، أي وأحمد الله أن الله عز وجل كف أيدي الناس عنكم، أي قادرين على قتالكم الحريصين عليه عنكم، فهي نعمة وتخفيف عنكم. وهؤلاء الذين كفى الله عز وجل أيديهم عن المسلمين هم شباب من شباب قريش، كما جاء في الأحاديث الصحيحة أنهم خرجوا لأجل أن يصيبوا شيئا من المسلمين، فواجهوا أهل الإسلام وحاصروهم، فدعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا. قال سلمة وغيره من الصحابة: قال: فقمنا وأخذناهم وجئنا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. جاء في سيرة ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: هل لكم عهد معنا؟ قالوا: لا. قالوا: هل أنتم في عهد أحد؟ قالوا: لا. قال: ثم أطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كفى أيديكم عنهم، وأيديكم عنهم في بطن مكة كما سيأتي في الآية الأخرى. قال: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾، فلم يستطع أحد أن يفعل شيئا. وأيضا يدخل في هذا أن قريشا لم تقاتل، بمعنى ما حصل قتال بينكم وبين قريش، فكفى الله عز وجل بهذا الصلح، بهذا الصلح العظيم، الحرب التي قد تكون بينكم وبين هؤلاء الكفار. ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾. ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: ولتكون أي هذه الغنيمة آية للمؤمنين، يستدلون بها على خبر الله الصادق ووعده الحق وثوابه للمؤمنين، وأن الذي قدرها سيقدر غيرها، وهذا كله من وعد الله عز وجل أهل الإيمان، وأنها ستكون آية لأن الله عز وجل وعدهم من مخرجهم من الحديبية أنهم ستكون لهم غنيمة، ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، أي التي ستأتي وهي في خيبر. ومعلوم أن خيبر بعد الحديبية، فكانت الحديبية في ذي القعدة، فجلس النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة ذي الحجة وكذلك المحرم في صفر، فذهب إلى خيبر. قال رحمه الله: وقوله جل وعلا: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، قال: ويهديكم أي بما يقبض لكم، بما قيض لكم من الأسباب، صراطا مستقيما، أي من العلم والإيمان والعمل، أنا يهديكم صراطا مستقيما عملا وعلما وإيمانا. وهذا من فضل الله عز وجل على الناس وعلى أهل الإيمان أنهم يبين لهم، وأيضا ينزل عليهم ما يكون لهم دافعا للإيمان وزيادة لإيمانهم وقربهم إلى الله سبحانه وتعالى. قال: وقوله جل وعلا: ﴿وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، قال: وأخرى، أي وعدكم أيضا غنيمة أخرى لم تقدروا عليها وقت هذا الخطاب، ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾، أي هو قادر عليها وهي تحت تدبيره وملكه، وقد وعدكموها. قيل أنها حنين، قيل غير ذلك، لأن في فتح مكة لم يغنموا شيئا، وإنما غنموا بعد ذلك في حنين. قالوا: قد وعدكموها فلابد من وقوع ما وعد به لكمال اقتدار الله تعالى، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. وذكر بعض المفسرين أنها نفسها غنيمة خيبر، وأن الله عز وجل مدهم بها، وأنه لولا الله عز وجل، لولا هو سبحانه وتعالى لم يقدروا عليها، لأن اليهود تحصنوا، وعملوا أسوارا كبيرة لا يستطيع أحد أن يدخلها، وأيضا عندهم مقاتلون وكذا، لكن الله عز وجل ألقى الرعب في قلوبهم، وفتح الله عز وجل أبوابهم بحيلة من الصحابة رضي الله عنهم حتى فتحوا بابا باب خيبر، كما هو معلوم في هذا الفتح العظيم، ومذكور في السيرة. ففتح الله عز وجل عليهم ذلك الباب فدخلوا، ولما دخلوا انتشر التكبير في خيبر، فعلم اليهود أنهم قد دخل أهل الإسلام، فحاولوا أن يصطلحوا مع النبي عليه الصلاة والسلام ولم يحاربوا، وكما قلنا أن الله عز وجل أدخل في قلوبهم الرعب، فقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. أنا يقدر أنه أيضا أنكم تدخلون مكة وتقتلون هؤلاء، لكن الله عز وجل له الحكمة البالغة سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. قال: هذه بشارة من الله لعباده المؤمنين بنصرهم على عدائهم الكافرين، وأنهم لو قابلوهم وقاتلوهم لولوا الأدبار، ثم لا يجدون وليا يتولى أمرهم، مع أنهم كانوا أهل فراسة أو أهل شجاعة وفروسية، وأيضا غالبا من أهل الثبات، لكن الله عز وجل يلقي في قلوبهم الرعب، فلهذا سرعان ما يولون، يولون الأدبار، أي يهربون من أهل الإسلام. قال: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي هؤلاء أهل قريش الذين يظنون أنفسهم أنهم صدوا أهل الإيمان عن بيت الله الحرام، وإنما كان ذلك بأمر له. ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. ولهذا ذكر ابن إسحاق في السيرة أن مجموعة من قريش خرجوا لأجل القتال، فقاتلهم أهل الإسلام، فهربوا ودخلوا مكة مرة أخرى، وجاء ذلك من حديث ابن عبزة، أخرجه ابن جرير الطبري وغيره، لكنه مرسل لا يصح، وأيضا فيه غرابة كما ذكر الحافظ ابن كثير، وفيه أن خالد بن الوليد هو الذي حاربه، وخالد رضي الله عنه لم يسلم إلا بعد الحديبية، وكان طليعة الكفار في الحديبية. ﴿وَلَا نَصِيرَ يَنْصُرُهُمْ وَيُعِينَهُمْ عَلَى قِتَالِكُمْ﴾، أنا لا أما ليس عندهم نصير كما أنتم ينصركم الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان لما قال ما قال: العز لنا ولا عز لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله مولانا ولا مولى لكم»، الله مولانا هو الذي ينصرنا، أما أنتم فليس لكم مولى. وهذا معنى قول الله عز وجل هنا. قال: ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، أي يولو الأدبار ثم لا يجدون وليا يواليهم ويتولى أمرهم، ولا نصيرا نصير ينصرهم. قال: وهذه سنة الله في الأمم السابقة، أن جند الله هم الغالبون. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. فهذه السنة أن الله عز وجل ينصر جنده، وإن جندنا لهم الغالبون، فجند الله عز وجل لا شك أنهم هم أهل العزة وأهل الغلبة لأن الله عز وجل معهم. وإن ابتعدوا عن الله وسلكوا طرقا أخرى فلم ينصرهم الله عز وجل، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، فإذا نصر الناس دين الله جل وعلا وأقاموا به نصرهم الله، نصرهم الله سبحانه وتعالى. فمتى ما توجهوا إلى الله فإن الله عز وجل ناصرهم. ولهذا في السيرة أشياء كثيرة من هذا القبيل. ومما يعتبر به أيضا ما ذكر في سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لما جاء التتار إلى دمشق، فحث الأمير ورغبه في القتال، وأمره ومن معه بالتوبة، وكذلك كان الأمير يأمر الناس بالتوبة والرجوع إلى الله، فكانوا في المساجد يصلون ويجأرون إلى الله ويدعون الله قبل أن يأتي التتار، حتى أن الناس رجعوا إلى الله سبحانه وتعالى، فرأى ذلك شيخ الإسلام، قال: نصرنا، أو قال: جاء نصر الله، فقال له: قل إن شاء الله، فقال: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، تحقيقا لا تعليقا، لأن النصر يأتي إذا توجه الناس إلى الله، فإذا توجه الناس إلى ربهم سبحانه وتعالى جاءهم النصر، أما إذا نأركنوا إلى فلان أو فلان والحزب الفلاني وكذا، فهذا لا يجديهم شيئا، بل يبعدهم عن الخير ويبعدهم عن النصر، ويبعدهم أيضا عن الطمأنينة والسكينة التي تكون في بلادهم. فإذا تمسكوا بدين الله ونصروا دين الله وتوجهوا إلى الله، فلا شك أن الله ينصرهم، وإنما الله عز وجل يولي على الناس من كان مثلهم. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.