الدرس في تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر السعدي آية سورة الفتح مبيناً أن كفار قريش امتنعوا عن كتابة البسملة ودخول النبي مكة حمية جاهلية، بينما أنزل الله سكينته على رسوله والمؤمنين فصبروا لحكم الله. وقد استدل بالحديث الشريف على أن من التمس رضا الله رضي الله عنه وأرضى عنه الناس.
صبر النبي صلى الله عليه وسلم على شروط صلح الحديبية محتسباً الأجر غير آبه بلوم اللائمين، وتمسك المؤمنون بكلمة التوحيد تعظيماً لحرمات الله. وقد صدق الله رؤيا رسوله بدخولهم المسجد الحرام آمنين محلقين ومقصرين في عمرة القضاء.
يفسر المقطع آية وعد الله بدخول المؤمنين المسجد الحرام مبيناً أن "إن شاء الله" هنا للتحقيق لا للتعليق، ويوضح حكمة صلح الحديبية وما ترتب عليه من فتوحات. كما يشرح قوله تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ بأن الظهور يكون بالحجة والبرهان والجهاد ضد المعاندين المحاربين فقط.
لا يُقاتل الذميون والمعاهدون والمستأمنون إلا إذا نقضوا عهودهم وخفروا ذممهم، وعندئذ يُقاتلون كما قاتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود في المدينة. وتوضح الآيات هذا الحكم الشرعي المتعلق بقتال من ينقض العهد ويخفر الذمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾. يقول رحمه الله: حيث نفوا من كتابة «بسم الله الرحمن الرحيم»، وأنفوا من دخول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمؤمنين إليهم في تلك السنة؛ لألا يقول الناس: دخلوا مكة قاهرين لقريش. كما قال سهيل بن عمرو لما قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن سندخل هذا العام ونطوفوا بالبيت»، فقال: «أتقول العرب: إن أخذنا ضغطة؟ أن العرب سيقولون علينا أننا قهرنا، وأننا أجبرنا من ضعفنا حتى دخلتم». وأن كل ذلك حمية حتى لا تقول الناس كذا وكذا. وهذا مرض انتشر في كثير من الناس، حتى من المسلمين، تجد أن همه قول الناس: ماذا سيقول الناس عنا؟ ماذا سيقول إذا فعلنا كذا؟ والواجب على المسلم أنه يبتغي رضا الله وليس رضا الناس. فالله عز وجل إذا رضي على العبد أرضى عنه الناس. وقد جاء في الحديث الذي كتبته عائشة للمغيرة، وقد ذكره الترمذي وحسنه غير واحد من أهل العلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَن التمس رضا الله رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومَن التمس سخط الناس برضا أو سخط الله برضا الناس سخط الله عز وجل عليه وأسخط عليه الناس». معنى هؤلاء الذين من أجلهم يفعل ذلك، يجعل الله عز وجل في قلوبهم الكراهة له؛ لأنه لم يرضِ الله عز وجل. فرضى الله فوق كل شيء، وإذا رضي الله عز وجل عنك كتب الله لك القبول في الأرض. لهذا لا ينظر الإنسان إلى: ماذا سيقول الناس، ماذا كذا؟ فهذه من حمية الجاهلية. هذا الذي أيضاً ذكره الله عز وجل هنا: ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾، أنهم أولاً أنفوا من كتابة «بسم الله الرحمن الرحيم»، وكذلك أنفوا من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إليهم في تلك السنة. قالوا: لهذه الأمور ونحوها من أمور الجاهلية لم تزل في قلوبهم حتى أوجبت لهم ما أوجبت من كثير من المعاصي. قال الله عز وجل: ﴿ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾، فلم يحملهم الغضب على مقابلة المشركين بما قابلوهم به، بل صبروا لحكم الله. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». ولهذا صبر النبي صلى الله عليه وسلم وصبر الصحابة لما قال سهيل بن عمرو: «لكن تعالوا من قابل، عن العام الذي سيأتي، تعالوا». أما هذه السنة، فلا. فرضي النبي عليه الصلاة والسلام بذلك وصبر. وهذه السكينة التي أنزلها الله عز وجل على رسوله وعلى المؤمنين، قال: والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله، ولو كانت ما كانت، ولم يبال بقول القائلين ولا بلوم لائمين. عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبال بأحد، همه رضى الله سبحانه وتعالى. ما دام أن الله راضٍ عنه وهو الذي يأمره بذلك، فلا يهمه غيره. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «يا عمر، إني رسول الله ولستُ عاصيه، إني رسول الله ولستُ عاصيه»، أي: ما سأعصيه أبداً. وهذا رضى لله جل وعلا، مهما قال الناس: إننا مثلاً أعطيناهم الدنية والهوان، لم يبالِ النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الأشياء. وإنما الحمية كانت في أهل الكفر وأهل الجاهلية. قالوا: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ﴾، وهي: لا إله إلا الله وحقوقها. ألزمهم القيام بها فالتزموها وقاموا بها. أن ﴿ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ﴾ أي: الثبات على الدين، وعلى التوحيد، وعلى رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، أي: الإيمان بها. فثبتوا على ذلك ولم يتزعزعوا، وثبتوا وصبروا على ما كان من تلك الأمور، تعظيماً لله وتعظيماً لحرماته. قال: ﴿ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾، أي: هذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد، وكانوا أهلها من غيرهم. أي: هم أهل لهذه الكلمة وحملها؛ لأنهم بذلوا أنفسهم لله، فلذلك استحقوا هذه الكلمة وثباتهم عليها. قالوا: لهذا قال: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾. قال رحمه الله: يقول تعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ﴾، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى في المدينة رؤيا، أخبر بها أصحابه أنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت. فلما جرى يوم الحديبية ما جرى، ورجعوا من غير دخول مكة، كثر في ذلك الكلام منهم، حتى إنهم قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألم تخبرنا أن سنأتي البيت ونطوف به؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «أخبرتكم أنه العام، أنا أخبرتكم أنكم ستدخلون هذه السنة؟ مع أن قلت لكم أنكم العام هذا ستدخلون؟ لا، لم أحدد هذا الدخول، لكن ستدخلون». قالوا: «لا». قال: «فإنكم ستأتونه وتطوفون به». ولهذا جاء تأكيد كلام رسول الله في هذه الآية: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾. ﴿ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ هنا تحقيقاً، من باب التبرك بهذه الكلمة. قال: أي: لابد من وقوعها وصدقها، ولا يقدح في ذلك تأويلها. ﴿ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴾، أي: بعضكم محلق وبعضكم مقصر، أي: في هذه الحال المقتضي لتعظيم هذا البيت الحرام، وأدائكم للنسك وتكميله بالحلق والتقصير، وعدم الخوف. دخولكم هذا يقين. وكما قلنا: ﴿ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ هنا ليست من باب التعليق، فإن الله عز وجل هو علام الغيوب سبحانه وتعالى، وإنما من باب التحقيق، وأن هذا سيحصل بإذن الله، فهو شاءه سبحانه وتعالى، فما دام أنه شاءه فهو حاصل بإذنه سبحانه وتعالى. قال: ﴿ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا ﴾، أي: من المصالح والمنافع ما لم تعلموا. ﴿ فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾. الله عز وجل هو عالم بكل شيء، فعقد هذا الصلح بينكم وبين قريش، الله أعلم بمصالحه، فهو الذي أمر به، وهو يعلم أن هذا الصلح فيه مصالح كبيرة، وقد أبانها الله عز وجل من دخول الناس دين الله أفواجاً، ومن فتح خيبر، ثم بعد ذلك الفتح الكبير الذي حصل بفتح مكة الحرام، حرسها الله. قال: ولما كانت هذه الواقعة مما تشوشت به قلوب بعض المؤمنين، وخفيت عليهم حكمتها، فبين تعالى حكمتها ومنفعتها. وهكذا سائر أحكامه الشرعية، فإنها كلها هدى ورحمة. ثم قال جل وعلا: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾. قال رحمه الله: أكبر بحكم عام، فقال: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ﴾، أي: الذي هو العلم النافع الذي يهدي من الضلالة، ويبين طرق الخير والشر. فهو الذي أرسل رسوله بالهدى، أي: ما يكون في هذا الدين إلا هدى، علم الله عز وجل علم نافع وصالح، وأيضاً يصلح العبد، يصلح العبد في دينه ودنياه. ﴿ وَدِينِ الْحَقِّ ﴾، أي: الموصوف بالحق، وهو العدل والإحسان والرحمة، وهو كل عمل مذكر للقلوب، ودين الحق والعمل الصالح، كما فسره جماعة. منها: العلم، فأي: أن الله عز وجل أرسل رسوله بالهدى، العلم النافع، ودين الحق، أي: العمل الصالح؛ لأن الدين يطلق أو مما يطلق عليه كلمة الدين: العمل. قال: كل عمل مذكر للقلوب، مطهر للنفوس، مربٍ للأخلاق، معلي للأقدار، أي: يعلي أقدار الناس. ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾، أي: بما بعثه الله به على الدين كله، بالحجة والبرهان، ويكون داعياً لإخضاعهم بالسيف والسنان. يظهر دينه بالحجة والبرهان، وهو العلم النافع، وكذلك بالعمل الصالح والجهاد في سبيل الله جل وعلا بالسيف والسنان. فهو جهاد بالحجة والبيان، وبالسيف والسنان، يقنع كل من كان لم يقتنع بهذا الدين، إما بالحجة والبرهان، فإن لم يقتنع بالحجة والبرهان وما جاء من الأدلة، فإنه يقتنع بالسيف والسنان، فيجاهد حتى يرد إلى دين الله جل وعلا. ولهذا الجهاد ما يكون إلا للمعاندين والمحاربين. وأما من استسلم لأهل الإسلام فإنه لا يقاتل. وكما قد ذكرنا قبل: أن الكفار على أقسام، كفار حربيون، هؤلاء الذين يقاتلون. وأما الذميون والمعاهدون والمستأمنون، فهؤلاء لا يقاتلون إلا إذا خفروا ذممهم ونقضوا عهودهم، فيقاتلون كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة وفي غيرها. فهذا ما يذكر في هذه الآيات، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر