الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 294، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي المقطع حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة بالبقيع بأن مقعد كل إنسان من الجنة أو النار مكتوب، فسأل الصحابة عن ترك العمل، فأمرهم النبي بالعمل وتلا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾ مبيناً أن الله ييسر كل إنسان لما خلق له.
يستعرض المقطع كيفية تيسير الله عز وجل لأهل السعادة للطاعات المؤدية للجنة ولأهل الشقاوة للمعاصي المؤدية للنار مستدلاً بآيات سورة الليل، ويفصل في مراتب الاستطاعة بأن للعبد مشيئة واستطاعة قبل الفعل جعلها الله له، بينما الاستطاعة مع الفعل هي توفيق من الله، وأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله الشاملة.
يقرر المقطع أن الاستقامة خيار متاح لمن شاء بقوله ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، لكن المشيئة النهائية النافذة تعود إلى الله رب العالمين، ويشير إلى شكر العبد للمشيئة الإلهية التي مكنته من الاختيار والعمل.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: فأما من أعطى واتقى». قال: حدثنا ابن عيينة، وهو الفضل بن ذكين الكوفي، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، أبو عبد الله، الإمام الحافظ، الفقير والزاهد الورع. قال: عن الأعمش، وهو أبو عبد الله سليمان بن مهران، أيضًا كوفي، وكان أيضًا من القراء، وغالبًا يقرأ بقراءة بأحرف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وأحرف عبد الله بن مسعود غالبًا أو فيها ما يخالف المصحف العثماني، إلا أنه يخالفه فقط في الرسم، أما المعنى فواحد، إنما في كتابة الكلمة، وإلا المعنى واحد غالبًا، كما قد ذكرنا ذلك في آية ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾، فقرأها عبد الله بن مسعود: ﴿وَالذَّكَرِ وَالْأُنثَىٰ﴾، وكما قلنا: كلاهما، والمعنى المراد بالقسمة في خلقهما. قال: عن الأعمش عن سعد بن عبيدة، وهو المدني، أو أقصد: المدني، بمعنى من أهل المدينة، لكنه ظاهر أنه جلس في الكوفة، وإلا فهو ممن سمع من عبد الله بن عمر. قال: عن أبي عبد الرحمن السلمي، وهو المقرئ المشهور، عبد الله بن حبيب، هو عبد الرحمن السلمي الذي قرأ في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام منذ زمن عثمان إلى زمن الحجاج، نحو أربعين سنة، وهو يقرأ الناس القرآن، وأخذ القراءة عن الصحابة، عن علي وابن مسعود وغيرهما من الصحابة، فكان من أصول القراءات التي أخذها العلماء هو هذا أبو عبد الرحمن السلمي، رحمة الله عليه. هناك أبو عبد الرحمن سلمي متأخر، رجل من أهل الحديث، لكنه صوفي، لكن هذا إمام ثقة. وأيضًا كما قلنا: كان لما سمع الحديث من عثمان: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، قال: هذا الذي أجلسني مكاني، فجلس من عهد عثمان إلى خلافة الحجاج، قال: إنها أربعين سنة. ما أقصد معنى الخلافة، ليست إمارة الحجاج، الحجاج هو أمير، تابع لعبد الملك المروان. قالوا: عن علي رضي الله عنه قال: كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام في بقيع الغرقد في جنازة. بقيع الغرقد هذا المعروف الآن، مقبرة البقيع التي قرب مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. يقول علي: كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام في بقيع الغرقد في جنازة، فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار». فقال: يا رسول الله، أفلا نتكل؟ فقال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَىٰ﴾. قالوا: «باب: وصدق بالحسنة». قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الواحد، وهو ابن زياد، قال: حدثنا الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه: كنا قعودًا، قال: كنا قعودًا عند النبي عليه الصلاة والسلام. وقال أيضًا: «باب: فسنيسره لليسرى». قال: حدثنا بشر بن خالد، قال: أخبرنا محمد بن جعفر. بشر بن خالد العسكري، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، وهو أبو عبد الله البغدادي، الذي قال له غندر، قال: حدثنا شعبة، أبو الحجاج، عن سليمان، وهو الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان في جنازة، فأخذ عودًا ينكت في الأرض، فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة». قالوا: يا رسول الله، فلا نتكل، معنا ندع العمل ونتكل، ما دام كل واحد منا معروف مقعده؟ قال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، أو قال: اعملوا، فكل ميسر، فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى». قال شعبة: وحدثني به منصور، فلم أنكره من حديث سليمان، فلم أنكره، بمعنى أنه ليس فيه ما يخالف حديث سليمان، أي الأعمش، عن كلاهما واحد، فرواه سليمان الأعمش ومنصور بن المعتمر عن سعد بن عبيدة. طيب، قالوا: «باب: وصدق بالحسنة». حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، وهو ابن عبد الحميد، عن منصور، وهو ابن المعتمر، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، المخصرة هي العود، فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: «ما منكم من أحد، وما من نفس منفوسة، إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة». قال: قال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء. فقال صلى الله عليه وسلم: «أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾. وقال أيضًا: «باب: فسنيسره للعسرى». قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة. آدم بن أبي إياس العسقلاني، قال: حدثنا شعبة بن الحجاج، عن الأعمش، قال: سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي رضي الله عنه قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام في جنازة، فأخذ شيئًا، فجعل ينكت به الأرض، فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة». قال: يا رسول الله، فلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فيُيَسَّر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فيُيَسَّر لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾ الآية. هذه كل الروايات واحدة، وكررها الإمام البخاري لأجل المعنى، وكذلك أيضًا لأجل الأسانيد. وهنا أيضًا مررنا على رواية ذكرها من طريق يحيى، قال: حدثنا وكيع. وهذه كلها كما قلنا: الروايات معنى واحد. والمراد من هذا الحديث: أن عليًا رضي الله عنه يحكي أنه كان في جنازة مع النبي عليه الصلاة والسلام في بقيع الغرقد، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم عودًا ونكت في الأرض، وقال: «ما منكم من أحد، وما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار». أي: كان من أهل الجنة فهو قد كتب مقعده من أهل الجنة، ومن كان من أهل النار كتب مقعده من أهل النار. مثل ما جاء في حديث عبد الله بن عمر: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بكتابين معهم، فقالوا: يا رسول الله، ما هذان الكتابان؟ فقال: «هذا الذي عن يميني فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم، وقد ختم عليه، وهذا الذي في شمالي فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم، وقد ختم عليه». «ختم عليه»: معنى لا يزاد، كما جاء في بعض الروايات، فلا يزاد عليه. فقالوا: يا رسول الله، أفندع العمل؟ إنا إذا كان خلاص كل واحد مكتوب اسمه، هذا مكتوب في الجنة وهذا مكتوب في النار، ندع العمل ونتكل على هذا الأمر، وعلى الكتاب، وعلى ما قدره الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». أن الله عز وجل جعل هذه الأعمال، وخلق الناس، وقدر لهم هذه الأسباب حتى يسلكوها، فلذلك: فكل ميسر لما خلق له. فمن خلقه الله عز وجل من أهل السعادة يُيَسَّر لعمل أهل السعادة من الطاعة، وأيضًا كذلك مما يوصله إلى الجنة، ومن كان من أهل الشقاوة فإنه أيضًا يُيَسَّر إلى هذه الطريق، وهي الطريق العسرى. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ﴾: أي اتخذ الأسباب، أخذ بالأسباب التي توصله إلى الجنة. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾: فسرت الحسنة هنا: الجنة، فسرت أيضًا: لا إله إلا الله، وغيره، وكلها بمعنى واحد، المراد به: جزاء الطاعة، المراد به: جزاء الطاعة، صدق بوعد الله جل وعلا أنه سيجازيه. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ﴾: أي تقوى ويقين وعمل، تقوى ويقين وعمل. وهذا يدل على أن الإيمان لا بد أن يتضمن على عمل وقول، وكذلك أيضًا اعتقاد. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾. فقال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». فأهل السعادة يُيَسَّرون للسعادة، وهي اليسرى التي ذكرها الله عز وجل، وأهل الشقاوة يُيَسَّرون الشقاوة، وهي العسرى التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى. فلذلك: ربنا جل وعلا، ومن أصول اعتقاد أهل السنة: كما أن الله عز وجل خلق للعبد مشيئة يعمل بها العمل، كما قال جل وعلا: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾، فأرجع المشيئة إلى العبد، فدل على أن العبد عنده مشيئة يفعل بها الفعل ويعمل بها العمل، وعنده استطاعة قبل الفعل. وأما الاستطاعة التي مع الفعل فهي من توفيق الله جل وعلا، ولا يملكها العبد. معنا الكلام: مثلًا إذا كان الإنسان خرج من بيته يريد المسجد، هو يستطيع أن يذهب إلى المسجد، لكن هل سيصل إلى المسجد؟ الله أعلم، هذا بأمر الله، وإلا عنده استطاع أنه يذهب إلى المسجد، هذا استطاعة قبل الفعل، سيخرج من بيته يذهب إلى المسجد، لكن هل يصل إلى المسجد؟ هذا عند الله، عزيز: يصل، قد لا يصل، قد يصرف عن المسجد، والعياذ بالله، يذهب إلى مكان آخر، قد مثلًا يموت، يحصل له حادث، قد مثلًا يتأخر عن المسجد، يذهب إلى مكان أو يعاون إنسانًا، أو مثلًا يعاون أهله، أو يعاون كذا، فيصرف عن ما نوى بهذه النية، فهو عنده استطاعة قبل الفعل، لكن الاستطاعة التي مع الفعل إنما تكون توفيقية، فمن وفقه الله عز وجل توفق، يخرج إلى المسجد، يوفقه الله عز وجل أن يأتي إلى المسجد ويصلي مع الناس، هذا التوفيق. فلذلك: معه استطاعة قبل الفعل، ومعه هذه المشيئة التي جعلها الله عز وجل، وهي الاستطاعة التي قبل الفعل. معنى: يحب مثلًا أن يذهب إلى أعمال الخير، يتصدق، وأيضًا يتقي الله عز وجل، لا يأتي المحارم، عنده أيضًا يقين أن الله عز وجل سيجازيه في الطاعات، ويقبل الله عز وجل طاعاته، وأنه سيجازيه بالجنة، فيعمل لله عز وجل ويخلص لله، فكل هذا سبب من أسباب الأسباب التي تجعل العبد من أهل اليسرى ومن أهل الجنة. وأما من كان معرضًا عن الخير، وكذلك أيضًا لا يكون في نيته، ويدعي أن الله عز وجل سيغفر له، وأن الله عز وجل لم يهديه، وغيرها من هذه الأعذار التي يتعذر بها الإنسان على نفسه في العمل غير الصالح، هذا إذا كان فيه خير أو لا زال فيه خير، وإلا فقد يكون معرضًا، بل يحارب دين الله، فمثل هذا قد اختار طريق الشقاوة، قد اختار طريق الشقاوة، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وهذا الحديث أصل من أصول القدر، أصل من أصول القدر، وأن العبد له مشيئة جعلها الله عز وجل له، لكن هذه المشيئة تابعة لمشيئة الله عز وجل التي هي شاملة في كل شيء، فلا يكون شيء إلا بمشيئته سبحانه وتعالى النافذة في كل شيء، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما يكون إلا ما يشاء: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. طيب، إن شاء الله نفهم هذا، والله تعالى، شكرًا للمشيئة، للمشيئة شكرًا، شكرًا للمشيئة، شكرًا.