الدرس في شرح الدرة البهية في شرح القصيدة التائية 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش الرد على المعترضين على مشيئة الله وقدره، ويبين أن مثل هذه الأسئلة محظورة. أفعال الله ترجع إلى حكمته ورحمته.
يناقش تحريم الخوض في أسرار القدر والإيمان به دون اعتراض، ويحذر من الوساوس الشيطانية حول خلق الله وأفعاله.
يشرح كيف أن القدر لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب في الهداية والضلال والرزق، مستشهدا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يشرح مفهوم التوكل على الله والأخذ بالأسباب، ويوضح التوازن بين الأمرين في طلب الرزق.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله في قصيدته التائية في القدر: فنؤمن أن الله عز بقدرة وخلق وإمرام لحكم المشيئة وإبرام لحكم المشيئة، فنثبت هذا كله لإلهنا ونثبت ما في ذاك من كل حكمتي. وهذا مقام طالما عجز الأولى نفوه وكروا راجعين بحيرة، وتحقيق ما فيه بتبيين عوره. وتأت بتبيين غوره عندكم عوره أو غوره بتبيين غوره. وتحرير حق الحق في ذي الحقيقة هو المطلب الأقصى لرواد بحره، وذا عسر في نظم هذه القصيدة لحاجته تبيين علم محقق لأوصاف مولانا الإله الكريمة، وأسمائه الحسنى، وأحكام دينه، وأفعاله في كل هذه الخليقة. وهذا بحمد الله قد بان ظاهراً، وإلهامه للخلق أفضل نعمة. وقد قيل في هذا: وخط كتابه بيان شفاء للنفوس السقيمة. عندي: بان، أو في نسخة: بيان، والعلى البيان هو الأصح. نعم، بيان شفاء عندكم بالإضافة، أنا عندي منونة: شفاء، لا بس يصح هذا وهذا إذا جعلناها مضافة: بيان شفاء. وإذا جعلناها منونة: بيان شفاء للنفوس السقيمة، فبين رحمه الله أن مثل هذا المقام وما يتعلق بمسائل القدر وتفاصيلها لا يمكن بيانه في مثل هذا النظم، فحسبه أن يذكر شيء يحصل به المقصود في بيان الحق، وفي الرد على ذاك المبطل، ودفع ما أورده من الشبه في هذا الباب، في باب القدر. ولما كان الشبهة أوردت على وجه النظم والقصيدة، كان الجواب ماذا على جهة النظم والقصيدة. قال شارح وهو أعلام السعدي رحمه الله: كرر المؤلف هذه المعاني بهذه العبارات لما ذكره، لما ذكره أن المقام مقام عظيم طالما عجز الذين نفوه ولم يفهموه، وبقوا حائرين غير مهتدين. ومسائله العظيمة مستمدة من أسماء الله وأوصافه وأفعاله، ومعرفة دينه، والتدبر لكتابه. فمن تفقها في الأسماء الحسنى واعترف بما لله من الصفات العليا، وعرف أن أفعاله تعالى مجتملة على الحق والحق غايتها ومقصودها، وتدبر كتاب الله الذي فيه الهدى والشفاء، وسنة نبيه صلى الله، من عرف ذلك كله واعترف به، جزم جزما لا تردد فيه بأنه تعالى خلق المخلوقات وأوجدها ودبرها بمشيئة نافذة وحكمة شاملة ورحمة واسعة. وذلك أن عظمة المخلوقات تدل على عظمة خالقها ومبدعها، وكمال قدرته. وما فيها من التخصيصات المتنوعة من كل وجه يدل على نفوذ مشيئة وإرادته. عظمة المخلوقات تدل على عظمة خالقها ومبدعها، إذا كانت هذه المخلوقات بهذا الإبداع وبهذا الإتقان وبهذه العظمة، فكيف بالخالق؟ لا شك أن الخالق سيكون عظيما، وهذا يدل على كمال قدرته. من وجوه منها: أنه يعلم الأشياء قبل وقوعها، ومن كمال قدرته أنه لا يقع شيء بغير إرادته، أنه لا يقع شيء في هذا الكون ومن هذه المخلوقات بغير إرادته. ومن كمال قدرته أن الله خلق العباد وقدراتهم وأفعالهم، وهم العاملون لها والمباشرون لها. أن الله خلق أفعال العباد وقدراتهم، وهم العاملون لها إلى هذه الأفعال والمباشرون لفعلها. ولو شاء الله عز وجل لما عملوها، كما قال الله عز وجل: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾، يعني الله أراد ذلك وشاءه فحصل ووقع، حصل ووقع لكمال إرادته سبحانه. وهكذا في قوله: ﴿وما فيها من التخصيصات المتنوعة من كل وجه﴾، يعني وجود التخصيصات في هذه المخلوقات، وباختلاف أجناسها من حيوانات ومن إنس ومن جن وحشرات إلى آخره، اختلفت الأجناس واختلفت وتنوع الصفاتها. وهكذا أيضا المخلوقات في البر، المخلوقات في البحر، فتنوع هذه المخلوقات واختلاف صفاتها يدل على كمال الخالق سبحانه وتعالى. قال: ﴿وما فيها من الحكم والانتظام﴾، يعني في هذه المخلوقات كيف أنها تجري بنظام لا يختل في وقت من الأوقات أو في حال من الأحوال، كهذا العالم العلوي وما فيه من الكواكب والنجوم كيف تسير في فلك وتسبح في فلك من غير أن يحصل لها خلل، كما قال الله عز وجل: ﴿كل في فلك يسبحون﴾. الشمس والقمر وسائر الكواكب يتعاقب الليل والنهار، ولا يحصل في ساعة من الساعات إخلال بهذا الأمر وبهذا النظام، هذا يدل على كمال قدرة الخالق سبحانه وتعالى. قال: ﴿والحسن والالتئام﴾، حسن والالتئام يعني في خلق الخليقة، أحسن الله خلقها الذي أحسن كل شيء خلقه. نعم، والالتئام في خلقها من حيث الأشكال، من حيث الأوصاف، كان خلقها على أحسن خلقه، ولا خلق الإنسان في أحسن تقويم. نعم. قال: ﴿والخلق الغريب والإبداع العجيب يدل على شمول علمي وإحاطته وشمول حكمته وحمده﴾. وما فيها من الخيرات الكثيرة والمنافع الغزيرة والصلاح والإصلاح يدل ذلك على سعة رحمته وبره وكرمه وإحسانه. وتحقيق هذه المقامات هو المطلب الأقصى لرواد الحقيقة، ولا سبيل لذلك إلا الاستمداد من كلام الله وكلام رسوله، والاستنارة بهداية الأئمة المهتدين. ومعرفته وإلهامه للعباد من أجل نعم الله عليهم، والقرآن شفاء ما في الصدور من أمراض الشكوك والشبهات والشهوات، كما قال عز وجل: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾. ومن هنا ليس للتبعيض، ولكن للجنس، يعني جنس القرآن هو كله شفاء، كله شفاء للقلوب والأبدان، شفاء للقلوب من الشكوك والشبهات والشهوات، الشبهات التي تورث البدع والمحدثات، والشهوات التي تورث المعاصي والذنوب. نعم، والشكوك التي ربما توقع صاحبها في الكفر عياذا بالله. قال: ثم قال الشيخ مجيبا للمعترض: ﴿فقولك لم قد شاء﴾، مثل سؤال من يقول: ﴿فلم قد كان في الأزلية﴾، وذاك سؤال يبطل العقل وجهه، وتحريمه قد جاء في كل شرعة. يعني يرد الشيخ الإسلام رحمه الله على ذاك المعترض بسؤاله بلم: لم قد شاء، أي أنه لا يسأل رب العزة جل وعلا في أفعاله بلم، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. لا يقال: لما خلق هذا طويلا وذاك قصيرا، وهذا أبيضا وهذا أسودا، وهذا سمينا وهذا نحيفا، وهذا مؤمنا وهذا كافرا، إلى غير ذلك من خلق الله سبحانه وتعالى. كما أنه لا يسأل: لما كان في الأزلية، لما كان قديما، لما لم يسبقه شيء من المخلوقات إلى آخر ذلك، لا يسأل الله عز وجل عن ذلك، فكذلك لا يسأل عن خصائص خلقه وأفعاله. قال رحمه الله: يعني رحمه الله أن سؤال السائل واعتراض المعترض بقوله: لما شاء، وكيف شاء، كفر الكافرين، ووقوع العصيان من العاصين، ونحوها من الأسلة المشابهة لذلك، كلها محظورة ممنوعة. لأن الله تعالى هو الحاكم، ليس محكوما عليه، ولا يلزم أن يبدي لعباده كل حكمة اجتملت عليها مراداته ومفعولاته. يعني أنه يفعل ما شاء، ولا يعترض على أفعال الله سبحانه وتعالى، يقول: لا يقال لما فعلت كذا، لما هذا وفقته للإيمان، وهذا قضيت عليه بالكفر. والله عز وجل في أفعاله حكم قد لا يعلمها العباد. قال: فقد أخبر عباده بالأمر العام، وهو أنه حكيم في كل ما خلق وكل ما شرع. وأما دقائق الخلق وأسرارها، وأسرار أفعاله، فعنده علمها، لا يلزم أن يطلع العباد عليها إلا ما شاء منها. نعم، فهذه يعني باب القدر سر الله عز وجل في خلقه، لم يطلع الله عز وجل على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. وإذا كان هذا سر من أسرار أفعال الله وخلقه، فلا ينبغي للعب أن يسأل عن شيء من ذلك. قال: وهذا مثل سؤال السائل: لما قد، لما قدم الله هذا المخلوق على هذا المخلوق، ولما كان هذا المخلوق سابقا وهذا المخلوق لاحقا، يعني لماذا خلق هذا أولا وهذا مؤخرا، أو لما رفع هذا المخلوق على هذا المخلوق. قال: ﴿فإنه تعالى لا يسأل عن ما يفعل وهم يسألون﴾، هذه قاعدة في باب القدر ينبغي للمسلم أن يسلم لها حتى يسلم من الضلال في هذا الباب، وهو أنه لا يسأل، لا يسأل في باب القدر، قدر بلمة، لا يسأل، وإنما يؤمن ويسلم. قال: فالعقل والشرع لا يبيح أمثال هذه الأسئلة التي يعترض بها العبد الحقير على الرب العظيم. فإنه محرم في جميع الشرائع، العقل الصريح، العقل الصريح فإنه يوافق النقل الصحيح. وقد جاء النقل كما سمعنا بتحريم ذلك، والسؤال بلم، والاعتراض على فعال الله سبحانه وتعالى. والعقل يؤيد ذلك، العقل يؤيد ذلك لأن الله عز وجل هو المتفرد بالخلق والملك والتدبير، وجميع ما في هذا الكون هو من مخلوقاته ومن ملكه، والمالك يتصر في ملكه بما شاء. قال: حتى وصلت بهم الحال إلى ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خلق هذا الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان ولينتهي». وفي رواية: «فليقول: آمنت بالله». والحديث في الصحيحين. وجاء بعض روايات في مسلم: نعم، في ثوبه هريرة: «لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك فليقول: آمنت بالله». قال: فأمر صلى الله عليه وسلم عند هذه الشكوك والأسئلة المحرمة بثلاثة أشياء. الأول: قال بالإيمان بالله، لأن الإيمان الصحيح يدفع هذه الشبهات، لعلم العبد المؤمن أنه تعالى الأول الذي ليس قبله شيء، وأنه لا منتهى لأوليته كما لا منتهى لآخريته. يعني أنه يسلم، يقول: آمنت بالله، يقول: فلأص أنا مؤمن بما أخبر الله سبحانه وتعالى به، وبتفرد الله عز وجل بالخلق والملك، وأنه سبحانه الأول الذي ليس قبله شيء كما أخبر عن نفسه: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطل وهو بكل شيء عليم﴾، وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بهذا التفسير: الأول الذي ليس قبله شيء. ما يقول: لما الله هو الأول؟ لماذا كانت له الأزلية المطلقة؟ هذا لا يخوط فيه العبد، ينتهي عن ذلك، يؤمن بذلك ويسكت. قال: الثاني: وبالاستعاذة بالله من الشيطان، هذا الأمر الثاني الذي يدفع به المسلم هذه الوساوس الشيطانية. قال: وبالاستعاذة بالله من الشيطان الموسوس الموقع لهذه الشكوك والشبهات، يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، استعاذ بالله، ألتج وأعتصم بالله من شر هذا الشيطان الذي يريد أن يضر بإيماني وبعقيدتي. قال: وأمره أن ينتهي، هذا الأمر الثالث. قال: ولينتهي، قال: وأمره أن ينتهي، يعني لا يسترسل في هذه الوساوس التي يريد الشيطان من المسلم أن يسترسل بها حتى يوقعه في الشكوك والشبهات. قال: وأن يعلم أن هذا سؤال باطل شرعا وعقلا، وهو من باب المكابرة والمباهاة. لأنه تعالى واجب الوجود، ووجود كل شيء بإيجاده. وقلنا التعبير بهذا اللفظ الأولى تركه لأنه من تعبير أهل الكلام. فيقول: لأنه تعالى مثلا الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، كما جاء ذكر ذلك في الكتاب والسنة. قال رحمه الله: في الكون تخصيص كثير يدل من له نوع عقل أنه بإرادة وإصداره عن واحد بعد واحد، أو القول بالتجويز رمية حيرة. ولا ريب في تعليق كل مسبب بما قبله من علة موجبيتي. بل الشأن في الأسباب أسباب ما ترى، وإصدارها عن حكم محظ مشيئتي. يقول: قال الشارع رحمه الله: يقول إن في العالم العلوي والسفلي تخصيصات كثيرة جدا تدل دلالة عقلية صريحة أنها بإرادة العزيز الحكيم. مثل جعل بعضها عاليا وبعضها سافلا، وبعضها كبيرا وبعضها صغيرا، وبعضها متصلا بغيره، وبعضها منفصلا، وبعضها على صفة، وبعضها على صفة أخرى. يعني في المخلوقات تختلف صفاتها وتختلف أوصافها. قال: مثل قوله: ﴿والله خلق كل دابة مما يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء﴾. والتخصيصات لا يحيط بها الوصف، وكلها تدل على أنها متعلقة بإرادة الله ومشيئته، وأنه الفعال لما يريد. فالله عز وجل أراد اختلاف المخلوقات في أوصافها ببثل هذه الاختلافات وغيرها. قال: ومن الغلط العظيم والحيرة والضلال قول الفلاسفة: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد. فإن هذا باطل الشرعا وعقلا من وجوه كثيرة ذكرها الشيخ في كتاب العقل والنقل، كتاب شيخ الإسلام درء تعارض العقل والنقل، ويسمى أيضا بموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، قاله في المنهاج أي منهاج السنة النبوية، وغيرهما من كتبه. وذكر ذلك يعني ذكره شيخ الإسلام رحمه الله استطرادا لأنه أراد أن يبين أن وجود هذه التخصيصات تدل على كمال إرادة الله سبحانه وتعالى، مع كذلك بيان فساد قول هؤلاء الفلاسفة: أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد. وأرادوا بذلك أن يقولوا أو ينفو خلق الله سبحانه وتعالى لهذه المخلوقات، أو وجود خالق مع الله سبحانه وتعالى، وكل ذلك باطل. قال: لكن الأمر الذي لا ريب فيه أن كل مسبب لا بد له من سبب، وكل معلول لا بد له من علة موجبة، وكل شيء لا بد له من مادة قد خلق منها. قال: ولكن جميع الأسباب تنتظم في قضاء الله وقدره، وهي من القضاء والقدر. ولهذا لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقي نسترقيها، وتقات نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: «هي من قدر الله». والحيث رواه الترمذي وفيه ضعف، وكان معناه صحيح. أن الأخذ بالأسباب كله من إرادة الله وقدرة الله سبحانه وتعالى، ولا ينافي ماذا قدرة الله وإرادته. فكون الإنسان يمرض ثم يأخذ بالأسباب الشفاء، فمرضه بقدر الله، وشفاؤه بقدر الله. إن قدر الله عز وجل عليه الشفاء، فالأخذ بالأسباب أسباب الشفاء، واستعمال الدواء هذا أيضا بإرادة الله وقدرته. إذا كان قد كتب الله أن يشفى، فسيوافق الدواء ويبرأ ويشفى بإذن الله. وإن لم يكتب الله له الشفاء، وإن استعمل من أسباب الشفاء والأدوية، لم يحصل له الشفاء. إذن كل شيء من هذه الأمور هو بإرادة الله وقدرته. قال: وثبت بالصحيحين أن الصحابة رضي الله عنهم حين ذكر لهم نبي صلى الله عليه وسلم القدر السابق، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا الأول وندعي العمل؟ فقال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». أما من كان من أهل السعادة، فسيسر لعمل أهل السعادة. وأما من كان من أهل الشقاوة، فسيسر لعمل أهل الشقاوة. ثم تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنة فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنة فسنيسره للعسرى﴾. والحديث في الصحيحين. قال: فبين صلى الله عليه وسلم أن السعادة والشقاوة وإن كانت مقدرة مفروغا منها، فإن الله قدرها بأسبابها. وهو أن الله يسر أهل السعادة لليسرى بما فعلوه من الأسباب الثلاثة، وهي قول: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنة فسنيسره لليسرى﴾، يعني من أخذ بأسباب السعادة وأسباب الفلاح والنجاح، بأن يعني أعطى، يعني أنفق وبذل في وجوه الخير والبر، واتقى الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وصدق بالحسنة، صدق بالآخرة، وأن هناك جنة يثيب الله عز وجل بها المحسنين، وكذلك المؤمنين والمتقين، فعمل لها واستعد لها، وأن هناك نارا يعذب الله عز وجل بها الكافرين والعاصين، فاجتنب أسباب دخولها إلى آخر ذلك. فهذا يسر الله عز وجل العمل الذي يوصله إلى أن يكون من أهل الجنة. قال: أنه يسر أهل الشقاوة للعسرة بما فعلوه من الأسباب الثلاثة، وهي قوله: ﴿أما من بخل واستغنى وكذب بالحسنة فسنيسره للعسرة﴾. إذن كل شيء جعل الله عز وجل له سبب، كون هذا العبد من أهل الجنة، جعل الله عز وجل ذلك أسبابا، هو سلك أسباب دخول الجنة، فكان من أهلها. وذاك الذي كتب الله أنه من أهل الشقاوة، أخذ بالأسباب التي تكون سببا في شقاوته. فلا يقول العبد إذا كان الأمر كذلك: قد فرغ من أهل الجنة ومن أهل النار، إذن ما في داعي أن نعمل. لا، أنت مأمور بالعمل، أن تخذ بأسباب الهداية، وبأسباب النجاح، حتى تقول: إن شاء الله أكون من أهل الجنة. وترك سبل الغواية والظلال، حتى تسلم من ماذا؟ من أن تكون من أهل النار. أما أن تسلك سبيل أهل النار وتعمل أعمالهم، وترتكب بالذنوب والمعاصي، وتترك الواجبات والفرائض، ثم تقول: قضى الله علي أن أكون شقيا. من قال لك؟ ومن أين لك؟ ومن أين علمت أن الله قضى عليك بالشقاوة؟ وهذا أمر غيبي ما يعلمه إلا الله. لماذا لا تسلك سبيل الخير وسبل النجاة؟ وتقول: قضى الله علي أن أكون من أهل الجنة، فتعمل بعملهم. قال: ومشيئته تعالى لا تنافي ما جعلهم يا الأسباب الدنيوية والأخروية. فقد أخبر في عدة آيات أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء. وفي آيات أخر أخبر بالأسباب التي تنال بها هداية الله، ويستحق العبد أن يبقى على ضلاله. فما أثبته الله عز وجل أثبتناه، وما نفاه الله سبحانه وتعالى نفيناه. وما أثبت من الأسباب، وما أثبت من الأسباب التي تحصل بها الهداية، فالعبد المؤمن يثبته ويأخذ بها ويعمل بها. نعم، وما ذكر الله عز وجل أو أثبت من أسباب الضلالة والغواية، فإن المسلم يجتنبها ويبتعد عنها. قال: كقوله في الهداية: ﴿يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجه من الظلمات إلى النور بإذنه﴾. وكقوله: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدي أنهم سبلنا﴾. وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾. وقوله: ﴿ومن يؤمن بالله يهدي قلبه﴾. ونحوها يعمل آيات التي فيها ذكر أسباب الهداية. قال: وقوله في الظلال: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾. وقوله: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾. قال: وقوله: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾. وقوله: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين﴾. فهذه الآية تدل على أن العبد إذا زاغ عن الحق وعن الصراط المستقيم، ومال إلى الباطل وإلى شهوات النفس وملذاتها، فإنه ماذا يبعد عن الهداية؟ وتكون يكون مآله أن يكون من أهل الشقاوة ومن أهل الظلالة، وذلك بسبب نفسه، بسبب أعماله. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، هم عندهم أسباب للزيغ، فلما حصل منهم ذلك، زادهم الله زيغا إلى زيغهم. وهكذا من ترك ذكر الرحمن جل وعلا، ومال إلى الشيطان، تسلط عليه الشيطان حتى يصير الشيطان هو قرينه. ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، هو السبب، هو الذي أعرض وابتعد عن ذكر الله جل وعلا. قال: هذه الآيات فيها من أسرار القدر في هداية من يهديه، وإضلال من يضله، ما يشهد لله بكمال الحكمة والحمد. نعم، هذا واضح. قال: وكذلك أخبر في عدة آيات أنه يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء. وفي آيات أخر أخبر عن الأسباب التي تنال بها مغفرة الله، مثل قوله: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾، يعني من أخذ بأسباب التوبة، وأسباب المغفرة، بالإنابة إلى الله، والتوبة، والإيمان، والعمل الصالح، أفق للهداية، ولسلوك طريق أهل الإيمان. قال: والأسباب التي يستحق بها العذاب، مثل قوله: ﴿إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى﴾، من كذب ما جاءت به الرسل، وتولى وأعرض وتكبر أن يؤمن بهم، وأن يتبعهم، فهذا من أسباب ماذا تحقق العذاب، وحصول العقاب. قال: وكذلك أخبر في آيات كثيرة أنه يرزق لمن يشاء، ويوسع الرزق على من يشاء، ويقبضه عن من يشاء. وفي آيات أخر ذكر فيها الأسباب التي ينال بها رزقه، مثل قوله: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾. ومن يتوكل على الله فهو حسبه. وقوله: ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾. يعني كون الله عز وجل أخبر أن الرزق مما قدره الله وقضاه، يعطي هذا ويمنع ذاك، ويضيق على هذا ويوسع على ذاك، هذا لا ينفي أن يأخذ العبد بأسباب الرزق. لهذا أخبر الله عز وجل في الآيات الأخرى أن هناك أسباب ينال بها العبد الرزق، من تقوى الله عز وجل، ونعم، فعل الأخذ بالأسباب بها، والتوكل عليه إلى آخر ذلك. فلا تنافي بين الأمرين. قال: كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسى له أجله فليصل رحمه». عندكم: في أجله، ها عندنا: وينسى له في أجله. الحديث في الصحيحين. لأن هذا الحديث يدل على أن من أسباب سعة الرزق صلة الرحم، صلة الرحم. من أحب أن يبسط له في رزقه يعني يوسع له في الرزق، وينسى له في أجله يعني يؤخر له في العمر، يطال في عمره، فليصل رحمه. هل هذا يعارض ما قضاه الله سبحانه وتعالى في أجل الإنسان؟ أن فلان يعيش كذا وكذا سنة؟ هل ينافي هذا أخذ بالأسباب بإطالة الأعمار؟ إذا وصل رحمه إلى الجواب: لا، لا تنافي. فالله عز وجل قضى على هذا العبد مثلا أن يعيش خمسين سنة، ويقول: إن وصل رحمه فإنه سيعيش ستين سنة، فلا تنافي بين الأمرين، كل هذا بقضاء الله وقدره، واضح. قال: وكذلك الأسباب المادية مثل قوله تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾. وجميع المطالب الدنيوية والأخروية جعل لها أسبابا، متى سلكها الإنسان حصل له مطلوبه. يعني يقول: كذلك الأسباب المادية في طلب الرزق والمعاش، الله عز وجل ماذا طلب من الإنسان؟ أن يسعى، أن يسعى في أسباب الرزق. فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه، امشوا في هذه الأرض، واسعوا. وفي الآية الأخرى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾. فالإنسان يأخذ بالأسباب، والله سيأتي من الرزق ما كتبه له. قال: وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في كلمة واحدة، فقال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله». قال: فقوله: احرص على ما ينفعك، أي في دينك ودنياك، واسلك كل طريق يوصلك إلى هذه المنفعة. ولكن لا تتكل على حولك وقوتك، بل توكل على الله واستعن بالله. فمن فعل ذلك فهو عنوان سعادته ونجاحه. لماذا؟ لأنه عمل بالأسباب التي يحصل بها على السعادة، مع اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى والاعتماد عليه، فحصل له كمال التوكل مع الأخذ بالأسباب التي لا تنافي التوكل على الله، بل هي من تحقيق كمال التوكل على الله. قال: وإلا فلا يلم العبد إلا نفسه. قال: وقولك: لم شاء الإله هو الذي أظل عقول الخلق في قعر حفرتي. فإن المجوس القائدين بخالق لنفع، ورب مبدع للمضرة. سؤالهم عن علة السر أو قعت أوائلهم في شبهة الثنوية. قال الشارع: يعني أن هذا السؤال الذي مضمونه الاعتراض على الله، ومضمونه أيضا الدخول فيما ليس للعقل سبيل إليه، لم يزل يظل عقول الخلق، ويلقيهم في الهلاك. وهو الذي أوقع المجوس القائلين: إن الخالق خالق الخير وهو الله، وخالق الشرور هو الشيطان، فأشركوا بالربوبية بعد شركهم في الإلهية. فكانوا يعبدون النار ويستحلون المحارم، فزادهم شرهم على المشركين. فزاد شرهم على المشركين من جهة استحلال المحارم، ومن جهة اعتقادهم أن إبليس خالق الشر، فجعلوا رب العالمين اثنين. ولهذا يقال لهم: الثنوية، يعني الذين يجعلون إلهين اثنين في الخلق: خالق للخير وهو الله، وخالق الشر وهو الشيطان. قال: والذي أوقعهم في هذا الشر العظيم الذي لم يصل إليه المشركون، هذا السؤال. فقالوا: كيف يخلق الله الشر؟ فعلينا أن ننزه الله عن خلق الشر. فأتوا بهذه الطامة الكبرى والمقالة الشنعاء. يعني قالوا: كيف يكون الشر من خلق الله؟ وكيف يعني ينسب الشر إلى الله؟ ثم الله عز وجل يعاقب من فعل هذا الشر؟ إذن الشر ليس من خلق الله، الخالق للشر خالق آخر. فأتوا بهذه العقيدة الباطلة الكفرية بسبب ماذا؟ خوضهم في هذا الباب بلم. قال: يقول الشيخ رحمه الله: فهؤلاء المشككون الذين يقولون: كيف يقدر الله علينا الكفر والمعاصي ويعذبنا على ذلك؟ قد تابعوا في اعتراضهم كل كفار عنيد، من المجوس الثنوية، وكذلك منهم أعظم منهم شرا وجرما: ملاحدة الفلاسفة. يعني هؤلاء الذين الآن خاضوا في باب القدر، من القدرية الجبرية إلى آخره، هم سيقعون فيها مثل هذا الباب، من اعتراضهم على أفعال الله سبحانه وتعالى، ويقولون: لي ما قدر الله إلا وعلى الكفر والمعاصي، أو إن قلنا أن الله قدرها ثم عذب العباد عليها، فإننا نصف الله بالظلم إلى آخره. فخوضهم في هذا الباب بهذه الأمور، هم بهذا يماثلون ويشابهون ويتابعون المجوسية الثنوية الذين ظلوا في هذا الباب بسبب هذا الخوف. وهكذا أيضا يتابعون كذلك الفلاسفة الدهرية المنكرين لوجود الله سبحانه وتعالى، ولخلق الله عز وجل للجنة والنار، وبعث الرسل، وغير ذلك من أمور التي هي معلومة من الدين بالضرورة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.