الدرس في عشر ركائز في تربية الأبناء 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
العدل بين الأبناء من الركائز الهامة في تربيتهم، حيث يعزز المحبة والبر ويمنع العداوة والتحاسد بينهم. يجب على الأب مراعاة العدل في جميع تعاملاته مع أبنائه.
يجب على الأب العدل بين أبنائه في العطايا والهدايا، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تفضيل بعض الأبناء على الآخرين لتلافي العقوق وعدم البر. يشمل العدل جميع الأبناء ذكوراً وإناثاً.
الظلم بين الأبناء يؤدي إلى نتائج سلبية مثل العقوق وعدم البر والتقاطع بين الإخوان، كما يسبب عدم بر الأبناء لأبيهم. يجب على الأب تجنب الظلم لتلافي هذه النتائج.
صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال شيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته «عشر ركائز في تربية الأبناء»: الركيزة السادسة العدل بين الأبناء. قال: «فتحر العدل بين الأبناء والبعد عن الجور والحيف والظلم يعتبر من أهم الركائز المؤثرة في تربيتهم، فإن الأب إذا لم يعدل بين أبنائه أوجد ذلك بينهم العداوة والتحاسد والتباغض، وفي المقابل إذا حرص على العدل بينهم كان ذلك من أعظم أسباب توادهم ومحبتهم وبرهم له. فأمر العدل أمر مطلوب في كل أمر، وفي كل شيء، وفي كل قول، وفي كل فعل، وهكذا أيضا ما يتعلق بالعدل بين الأبناء، أي في الهدايا والعطايا، فإنه يجب أن يعدل بينهم، كما سيأتي في ذكر الأدلة في ذلك، وأن هذا سبب لحصول المحبة فيما بينهم، وإذهاب أسباب الشحناء والبغضاء. وأما إذا لم يعدل، فيرى الأبناء أنه يعطي أخاهم دونهم شيئا من العطايا والهدايا، فيحملون عليه في قلوبهم البغضاء والشحناء والحسد، حتى لربما يتمنون خلاصه وهلاكه وموته، بل ربما يسعون إلى ذلك، إلى إيقاع شيء من السوء والشر به بسبب إيثار أبيهم له دونهم. وهذا كما ذكرنا فيما يتعلق في الهدايا والعطايا، أما بالنسبة للنفقة، فإن الأب ينفق على أبنائه على حسب أحوالهم، فهذا الولد مثلا يدرس، وذاك لا يدرس، هذا الذي يدرس يحتاج إلى نفقة دراسته، إلى شراء شيء من الدفاتر مثلا أو الأقلام أو ما يحتاجه في ذهابه إلى مدرسته إلى آخر ذلك، وهذا الذي لا يدرس لا يحتاج إلى شيء من ذلك. لا يلزمه أن يعطيه مثله إلا إذا درس مثله، فيعطيه كما أعطى أخاه، كذلك إذا مرض أحد الأبناء، فلا شك أن هذا المريض سيحتاج إلى علاج وإلى عناية وإلى شيء من النفقة المتعلقة في علاجه، لا يلزمه أن يعطيه بقية الأبناء الأصحاء مثل ما أعطى هذا المريض، لكن إذا مرض أحد منهم، فإنه يعالجه ويعطيه كما أعطى أخاهما الذي مرض. وهكذا يحتاج أحد الأبناء إلى الزواج، فإنه يعينه إن كان يستطيع ذلك بما يستطيع، ولا يلزمه أن يعطي الآخر أو الآخرين مثله إلا إذا بلغوا النكاح وعزموا عليه وكان مستطيعا، فإنه يعطيهم كما أعطى الأول، هكذا يكون العدل بين الأبناء. قال: وقد جاء في «صحيح البخاري» عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أباه نحله أرضا، نحله يعني وهبه وهبه أعطاه أي عطية وهدية، نحله أرضا، وأن والدته طلبت من أبيه أن يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، أي على هذه النحلة والعطية. قال: فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ هل كل الأبناء أعطيتهم مثل ما أعطيت هذا الولد؟ أي من مثل هذه الأراضي، فقال: لا، فقال صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». والحديث في «البخاري»، وفي رواية عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أي سرك أن يكون إليك في البر سواء؟» قال: بلى، قال: «فلا إذن»، يعني لا تعطي هذه العطية ولا تخصه بها إذا أردت من جميع أبنائك أن يكون لك في البر سواء، يعني أن يحسن إليك وأن يقوم ببرك، وكذلك خدمتك وإحسان إليك، فلا تعطيه وتخصه بهذه الهبة والعطية. لماذا؟ لأن إن فعل ذلك وخصه بهذه الهبة والعطية دون سائر إخوانه سيحمل هؤلاء الأبناء على أبيهم، سيقع على أبيهم شيء في نفوسهم: لماذا يخصه؟ لماذا يخص أخاه بهذه الهبة والعطية ولا يعطينا شيئا ولا يعطينا شيئا؟ فهذا سيؤدي إلى أنهم ربما يكونوا أعقّ له، يقومون بشيء من العقوق وعدم البر والإحسان. ولهذا قال: «أي سرك أن يكون إليك في البر سواء؟» قال: بلى، قال: «فلا إذن»، يعني لا تعطيه هذه العطية، وفي رواية: «لا أشهد على جور»، لا أشهد على جور، هذه الرواية في «الصحيحين»، وفي رواية أخرى: «فأشهد على هذا غيري»، يعني أبا النعمان، أن يشهد على هذه العطية لأنها قائمة على الظلم وعدم العدل. قال: «أشهد على هذا غيري، أما أنا فلا أشهد»، وفي بعض الروايات أنه قال: «لك أبناء غيره؟» قال: نعم، قال: «هل وهبت لهم ما وهبت لهذا؟» قال: لا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأشهد على هذا غيري»، فهذا الحديث يدل على وجوب العدل بين الأبناء. «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، معنى هذا أن الذي لا يعدل بين الأبناء ويفضل بعض الأبناء على بعض، أنه قد وقع في الظلم والجور، وكذلك عدم العدل، وأنه لم يتق الله سبحانه وتعالى في ذلك. «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، وهذا يشمل الذكور والإناث، يشمل الذكور والإناث، لأن نفض الولد كما مر معنا في دروس مضت يشمل الذكور والإناث، ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وأيضا هنا أولادكم جمع مضاف، والجمع إذا أضيف فإنه يدل على العموم، يعني اتقوا الله بين جميع أبنائكم وأولادكم إذا أردت أن تهبه أو تعطي عطية فلا بد أن تعدل بين الأبناء كلهم. قال: وهذه الكلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم تهديدا له، وإلا فمن الذي يطيب قلبه من المسلمين أن يشهد على ما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه جور وأنه لا يصلح وأنه خلاف تقوى الله وأنه خلاف العدل؟ أي قول النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الألفاظ: «فأشهد على هذا غيري، لا أشهد على جور»، هذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم من باب التهديد، «أشهد على هذا غيري»، ليس من باب الطلب والأمر أن يشهد غيره، المقصود أن هذا شيء يعني من الظلم وعدم العدل، فمن يشهد على هذا الظلم والجور؟ وللقيم رحمه الله في كتاب «إعلام الموقعين» قال: «هذا تحذير بليغ من الحيف والظلم بين الأولاد، حتى لو كانت يعني كان قلبك يميل إلى بعض الأبناء في المحبة أكثر من بعض، هذا لا يحملك على أن تجور وتظلم فيما بينهم في العطايا والهدايا، محبة القلب لا يملكها الإنسان، هي من الله سبحانه وتعالى. هذا لا يلام الإنسان إذا أحب بعض أبنائه أكثر من أبنائه الآخرين، لا يلام على ذلك، لكن لا يحملوا هذا على أن يقع في الظلم والجور، عدم العدل، اعدل بينهم، اعدل بينهم في النفقة، في العطية، في الهبة، في كذلك الهدايا، كونك تحب هذا أكثر، هذا لا تلام عليه، هذا لا تلام عليه. مثله مثل ما يحصل للرجل مع زوجاته، ربما يحب بعض زوجاته أكثر من الأخرى، ولا يلام على هذا، مع ذلك يجب عليه أن يعدل فيما يستطيع العدل فيه من النفقة والمبيت إلى آخر ذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، يعني لا تمل ميلا كاملا فتذر الزوجة الأخرى كالمعلقة التي ليست بمزوجة ولا مطلقة. اجعل هذا الميل في قلبك، لا تلام على هذا، لكن في فيما يتعلق في المعاملة، في النفقة، في المبيت إلى آخر ذلك، هذا شيء تستطيع أن تعدل بين الزوجات فيه، فيه يجب عليك، كذلك بين الأبناء العدل في التعامل معهم، في الهبى، وفي العطية إلى آخر ذلك، هذا شيء تستطيعه، فعليك أن تعدل بينهم في هذا الأمر. أما كونك تميل إلى بعض الأبناء أكثر من البعض، هذا لا تلام عليه، لكن لا يحملك ذلك على أن تجور وتظلم فيما بينهم، كذلك أيضا تحرص قدر المستطاع على أنك لا تظهر هذا الميل، لا تظهر هذا الميل، لأنك إن أظهرته ورأى الأبناء الآخرين أنك تميل إلى أخيهم أكثر منهم، لربما حملوا عليه وحقدوا عليه وحسدوه وأبغضوه، كما حصل في قصة يوسف عليه السلام مع إخوته. لما كان يعقوب عليه السلام يحب يوسف أكثر من إخوانه الآخرين، وظهرت شيء من هذه المحبة، حسدوا يوسف عليه السلام حتى هموا بقتله، حتى هموا بقتله، ثم أخذوه وغيبوه في البئر إلى آخر ما قص الله عز وجل في قصة يوسف عليه السلام، بسبب حب أبيهم له أكثر منهم، وظهر هذا الحب والميل الذي كان في قلب يعقوب عليه السلام، فكان سبب ذلك أن حمل إخوة يوسف على يوسف وحسدوه بسبب ذلك، وحصل ما حصل ليوسف عليه السلام. قال: «هذا تحذير بليغ من الحيف والظلم بين الأولاد، وبيان لما يورثه من العقوق وعدم البر والتقاطع والتهاجر بين الإخوان»، نعم، فعدم العدل بين الأبناء كما أنه مفسدة لما قد يقع بين الأبناء من الحسد والبغضاء والشحناء، كذلك أيضا هي مفسدة قد تقع بين الأبناء وأبيهم، فقد يكون ذلك سببا لعدم برهم وإحسانهم إليه، بل وقوع في العقوق مع أبيهم لكونه لم يعدل بينهم في الهدايا والعطايا وغير ذلك. صلى الله وسلم على أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.