الدرس في التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
فسّر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الآية بأن المغضوب عليهم هم اليهود والضالين هم النصارى، مستدلاً بآيات القرآن وأحاديث وآثار الصحابة والتابعين. يُبين أن اليهود عرفوا الحق ولم يعملوا به بينما النصارى عملوا بلا علم.
المغضوب عليهم هم اليهود الذين لم يعملوا بما أنزل إليهم من العلم، والضالون هم النصارى الذين عملوا بلا علم، والدعاء في الفاتحة أن يجنبنا الله طريقهم، وقول آمين تأمين على هذا الدعاء بمعنى اللهم استجب.
الاعتكاف هو لزوم المسجد للتفرغ لعبادة الله، فينبغي للمُعتكِف الانقطاع عن مشاغل الدنيا والتفرغ لطاعة الله وذكرها وقراءة القرآن، مع الابتعاد عن الكلام غير النافع. يجب استغلال الاعتكاف في طاعة الله.
المقطع الأخير يُشير إلى نهاية النص ويتضمن صلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يُظهر الاحترام والتقدير لهم. يُعتبر هذا خاتمة تقليدية في النصوص الإسلامية والعربية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله في رسالته تفسير سورة الفاتحة: قال «وأما قول: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: فالمغضوب عليهم هم العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون العاملون بلا علم، فالأول صفة اليهود، والثاني صفة النصارى، فالمراد في قول الله جل وعلا: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، أي: إهدنا الصراط المستقيم، وهذا الصراط هو صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، أي: جنبنا طريق وصراط المغضوب عليهم والضالين، المغضوب عليهم اليهود، والضالون النصارى، جاء بهذا بعض الأحاديث والآثار، وكذلك أيضا عليه التفاسير الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون، بل نقل الإمام ابن حاتم رحمه الله اتفاق المفسرين على أن المراد بالمغضوب عليهم اليهود، وبالضالين النصارى. اليهود غضب الله سبحانه وتعالى عليهم؛ لأنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به، وأتاهم الله جل وعلا العلم بما أنزل عليهم من التوراة ولم يعملوا بها، فلهذا استحقوا الغضب من الله سبحانه وتعالى، قل هل نبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القرود والخنازير، عبد الطاغوت، أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل. وإن كان اليهود والنصارى هم كلاهما من الظالمين والمغضوب عليهم، لكن الغضب صفة اختص بها اليهود، يعني صفتهم أو اختصاصهم بالغضب أكثر من النصارى، واختصاص النصارى بالضلال أكثر من الغضب، كما قال الله جل وعلا: ﴿قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل﴾ أي في النصارى. فاليهود غضب الله عليهم كما سمعتم؛ لأنهم كان عندهم علم ولم يعملوا بهذا العلم، ومن ذلك علمهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وأنه سيبعث عليه الصلاة والسلام، وعلمهم بصفته بما أنزل الله سبحانه وتعالى عليهم في التوراة، وكانوا يستفتحون على المشركين من الأوس والخزرج بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: سيبعث نبي وسنقاتل معه، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من العرب ولم يكن منهم كفروا به عليه الصلاة والسلام. قال الله جل وعلا: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾. هذا شأن اليهود، وهكذا قال الله جل وعلا: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون﴾، نبذوا أي طرحوا كتاب الله، التوراة التي أنزلها الله عليهم وفيها خبر مبعث النبي عليه الصلاة والسلام وبيان صفته، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم على الصفة التي يعلمون طرحوا ما علموا مما أنزل الله سبحانه وتعالى من صفة النبي صلى الله عليه وسلم كأنهم لم يعلموا شيئا ولم يقرؤوا شيئا، ولهذا حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم أن بعث رسولا من العرب. قال الله جل وعلا: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم﴾، وقال جل وعلا: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾، أهم يقسمون رحمة ربك؟ يعني قالوا: لماذا ما أنزل هذا القرآن على رجل آخر غير محمد عليه الصلاة والسلام من القريتين، أي مكة والطائف، وهذا كلهم من حسدهم. ولهذا ضرب الله عز وجل مثلا هؤلاء اليهود الذين لم يعملوا بهذا العلم بمثل الحمار، قال جل وعلا: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين﴾، هذا مثل اليهود الذين حملوا التوراة أي أنزلت عليهم التوراة وربما حفظوها، لكن لم يعملوا بها، ثم لم يحملوها أي لم يعملوا بها ولم ينتفعوا بها، فمثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، الأسفار الكتب الكتب العظيمة، حمار يحمل أسفار وكتب فوق ظهره، هل ينتفع منها الحمار؟ الجواب لا، لا ينتفع منها بشيء، هكذا جعل الله عز وجل مثلا هؤلاء اليهود الذين أنزل عليهم التوراة والعلم ولم يعملوا بهذا العلم ولم ينتفعوا به، فحالهم كحال هذا الحمار الذي يحمل أسفارا وكتبا على ظهره لا يدري ما فيها ولا ينتفع بها، وهكذا مثلهم «بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله»، إذن هذا هو طريق وسبيل المغضوب عليهم. والضالون النصارى الذين عملوا بلا علم، كثير من النصارى من الرهبانيين العباد الذين يتعبدون لله جل وعلا على جهل، يتعبدون على جهل فيقعون في الضلال؛ لأن ما عندهم علم، والعبادة إذا قامت على جهل ظل فيها صاحبها ووقع في البدع والمحدثات، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾، الله ما كتب عليهم هذه الرهبانية وإنما ابتدعوها من عند أنفسهم، ومع ذلك فلم يقوموا بها ولم يرعوها حق الرعاية، وإنما كتب الله عز وجل عليهم رضوان الله بسلوك الطريق الصحيح، وكذلك أيضا ما كان عليه أنبياء الله ورسله. ولهذا قال من قال من أهل العلم كسفيان بن عيينه وغيره: «من ظل من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن ظل من عبادنا ففيه شبه من النصارى»، من ظل من علمائنا ممن أتاه الله العلم والمعرفة والفقه ثم ظل ولم يعمل بهذا العلم ولم يعمل بهذا العلم ففيه شبه من اليهود؛ لأن اليهود ظلوا عن علم، فيكون من المغضوب عليهم، ومن ظل من عبادنا ففيه شبه من النصارى؛ لأن النصارى عملوا وتعبذوا الله بالبدع والمحدثات فظلوا، وهكذا حال من يتعبذ الله عز وجل بجهل فإنه يشبه يشبه النصارى في عبادتهم وفي كذلك حالهم وشانهم. فإن من عبد الله على الجهل وقع في البدع والمحدثات، وما أكثر البدع والمحدثات التي يفعلها كثير من المسلمين هداهم الله بسبب الجهل، بسبب الجهل يزعمون أنهم يتقربون إلى الله جل وعلا بهذه العبادة. انظروا في هذه الأيام ما يفعله المتصوفة بما يسمى بالختاميات التي تفعل في هذه الليالي المباركة، يعني طبول ومزامير ورقص وأناشيد وغناء، ويزعمون أن هذا عبادة وطاعة، أن هذه عبادة وطاعة يتقربون بها إلى الله. انظروا كيف أوقعهم الجهل بل والهوى في البدع والمحدثات، هذا حالهم كحال أولئك النصارى الذين ظلوا بسبب الجهل وعدم العلم، وهكذا ظل من ظل من هذه الأمة بسبب ذلك. قال: «وكثير من الناس يرى في التفسير أن اليهود مغضوب عليهم وأن النصارى ضالون، ظن الجاهل أن ذلك مخصوص بهم، وهو يقر أن ربه فارغ عليه أن يدعو بهذا الدعاء ويتعوذ من طريق أهل هذه الصفات»، يعني أن الله عز وجل لما أمرنا أن ندعوه أن يهدينا الصراط المستقيم وأن يجنبنا صراط وطريق المغضوب عليهم والضالين، ما المقصود من ذلك؟ أن نحذر من سلوك طريقهم والتشبه بهم والسير على ما كان عليه من الضلال والغواية. قال: «بيا سبحان الله كيف يعلمه الله ويختار له ويفرض عليه أن يدعو به دائما مع أنه لا حذر عليه من ذلك ولا يتصور أنه يفعله، هذا من ظن السوء بالله والله أعلم». هذا آخر الفاتحة، فالمقصود أنك تدعو الله عز وجل أن يجنبك طريق المغضوب عليهم والضالين حتى لا تكون مثلهم؛ لأن الإنسان لا يسلم من الوقوع في مثل ذلك، إن آتاه الله العلم ولم يعمل به كان فيه شبه من اليهود كما سمعتم، وإن عبد الله عز وجل بجهل وبعدم علم فإنه بذلك يقع فيما وقع فيه النصارى. قال: «وأما قوله: آمين، فليست من الفاتحة ولكنها تأمين على الدعاء، أي قول آمين بعد قراءة الفاتحة ليست من الفاتحة، وهذا تنبيه من المصنف رحمه الله، وإنما معناها اللهم استجب، اللهم استجب لما تقول بعد قراءة الفاتحة آمين، أي اللهم استجب لهذا الدعاء، أنت تدعو الله عز وجل أن يهديك الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فتقول آمين أي اللهم استجب لهذا الدعاء ووفقنا لسلوك الصراط المستقيم». وآمين مستحب، يستحب للمصلي وخاصة للإمام والمأموم، لكنه يتحقق ويتأكد في حق المأموم، ولهذا قال بعض أهل العلم: «أنه في حق الإمام مستحب، وفي حق المأموم واجب»، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين»، وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا أمن الإمام فأمنوا، إذا أمن الإمام فأمنوا»، فيتأكد التأمين في حق المأموم، ويستحب له أن يمد بها صوته كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، لكنها كما سمعتم تنطق آمين من غير شدة، سواء مددت الهمزة وخففت الميم آمين، أو مددت الهمزة والميم آمين، لكن لا تشد الميم، لا تقول: آمين، وهذا لحن يغير المعنى، آمين بمعنى قاصدين، وأنت تقول آمين أي اللهم استجب، فإذا نطقت بها لا تشد الميم وإنما تأتي بها مخففة آمين. قال: «والتأمين فيه أجر عظيم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه»، والحديث الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقال عليه الصلاة والسلام: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين»، كما عند ابن ماجه. قال: «فالواجب تعليم الجاهل؛ لأن لا يظن أنها من كلام الله والله أعلم». وهذا آخر هذه الرسالة النافعة المباركة، غفر الله جل وعلا لمؤلفها ولقارئها والمستمع لها ونفعنا الله سبحانه وتعالى بها. تعلمون أن المقصود من الاعتكاف هو التفرغ لعبادة الله جل وعلا ولزوم المسجد لطاعة الله عز وجل، أنت تعتكف حتى تتفرغ لعبادة الله وتنقطع عن مشاغل الدنيا، وكذلك عن الجلوس مع الناس وتتفرغ لقراءة القرآن ولذكر الله وللخلوة مع الله سبحانه وتعالى بما تنتفع به من زيادة الإيمان وحياة هذا القلب بذكر الرحمن سبحانه وتعالى وإصلاح ما بينك وبين الله بالتوبة والإنابة من الذنوب والخطايا، فهي نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى بها عليك، فاستغل هذه النعمة وما وفرك الله سبحانه وتعالى له من التفرغ لعبادة الله. وكونك تنشغل بالقيل والقال والكلام مع فلان وفلان يعني يذهب عليك كثير من الأوقات في مثل ذلك، هذا ينافي مقصود الاعتكاف، هذا ينافي مقصود الاعتكاف، أنك تجلس حلقة مع فلان وفلان ثم تنتقل مع آخر وتجلس تتكلم أو ربما تتكلم مع زملائك في المعتكف في قيل وقال ومزاح وضحك، فتزعج إخوانك الآخرين الذين اعتكفوا لأجل أن ينشغلوا بطاعة الله وبذكر الله وبما يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، وأنت في قيل وقال وضحك ومزاح، هذا لا ينبغي. إذا كان الأمر كذلك فلا تدع أن تعتكف، إذا كنت تريد أن تتكلم ويتحدث ويعني تضيع الأوقات في مثل ذلك، فما تدع أن تعتكف، إن لم يكن عندك الرغبة في استغلال الأوقات والتفرغ لطاعة الله وعبادة الله، فما كان عليك أن تعتكف. فما دمت قد اعتكفت وتركت مشاغل الدنيا فأقبل على طاعة الله واستغل أوقاتك فيما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى. لا بأس بالحديث اليسير القليل، أما أن يذهب كثير من الأوقات في القيل والقال فهذا ينافي مقصود الاعتكاف، وهكذا أيضا اللعب بالجوال، اللعب بالجوال أنت ما جئت تعتكف لأجل أن تلعب وتلهو، وإنما أنت تفرغت لعبادة الله، تفرغت لعبادة الله، فينبغي أن تعطي هذه السنة حقها من المقصود منها، وهو الانشغال بذكر الله وبطاعة الله سبحانه وتعالى لا باللعب واللهو. بارك الله فيكم، فينتبه المسلم لمثل هذا الأمر، وهذه نعمة نعمة عظيمة، وفقك الله سبحانه وتعالى لها، فاشكر الله عز وجل واستغل الله حق الاستغلال، وكم من أناس ربما يتمنون أن تهيأ لهم الأمور، وكذلك يصف لهم الجو الاعتكاف والتفرغ لطاعة الله سبحانه وتعالى، ولكن لم تتهيأ لهم، وقد من الله سبحانه وتعالى عليك بهذه النعمة، فاحمد الله سبحانه وتعالى عليها واستغل وقتك ولا تضيع وقتك بما لا فائدة فيه، بارك الله فيكم. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.