شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 3

شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 3

الدرس في شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

عقيدة أهل السنة في القرآن وكلام الله غير المخلوق

يبيّن هذا المحور أن القرآن كلام الله صفة من صفاته غير مخلوقة، ويسرد ثبات الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن أمام الخلفاء. كما يحذر من بدع الجهمية والمعتزلة واللفظية والواقفة مؤكداً وجوب التصريح بأن القرآن كلام الله غير مخلوق.

أصول الإيمان: رؤية الله والميزان والرد على خلق القرآن

ينفي هذا المحور قول الجهمية والمعتزلة بخلق القرآن مستشهداً بكلام سيد قطب، ويثبت عقيدة أهل السنة في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. كما يؤكد الإيمان بالميزان الحقيقي الذي توزن فيه الأعمال مستدلاً بالآيات والأحاديث الصحيحة.

الميزان وكلام الله والحوض في العقيدة السنية

يشرح هذا المحور ثبوت الميزان الحقيقي يوم القيامة الذي توزن فيه الأعمال والصحف والأشخاص، ويرد على قول المعطلة بنفيه. ثم يبين أن الله يكلم عباده كلاماً حقيقياً بحرف وصوت، ويختم بالإيمان بحوض النبي وصفاته وتواتر الأحاديث فيه.

خاتمة الدرس والدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم

يختتم المتحدث الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه مع التوكيد على علم الله تعالى. كما يذكر اسم المترجمة نانسي قنقر في ختام الجلسة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أحمد بن حمد رحمه الله في رسالته "أصول السنة": "قال: والقرآن كلام الله، وليس بمخلوق، ولا يضعف أن يقول: ليس بمخلوق. قال: فإن كلام الله ليس ببائن منه، وليس منه شيء مخلوق. وإياك ومناظرة من أحدث فيه، ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه فقال: لا أدري، مخلوق أو ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله، فهذا صاحب بدعة، مثل من قال: هو مخلوق. وإنما هو كلام الله، ليس بمخلوق". هذه المسألة العظيمة، وهي مسألة القرآن وأنه كلام الله غير مخلوق، من المسائل التي امتحن بها أهل السنة والجماعة امتحاناً عظيماً في زمن الإمام أحمد رحمه الله، حين أثر الجهمية والمعتزلة على ولاة ذاك الزمان بإدخال هذه البدعة عليهم، بدعة القول بخلق القرآن، حتى امتحنوا الأئمة والعلماء بهذه البدعة المقيتة. وكان ذلك على يد ثلاثة من خلفاء العباسيين: المأمون، والمعتصم، والواثق. امتحنوا الناس والعلماء امتحاناً عظيماً، وسجن منهم من سجن، وضرب منهم من ضرب، وقتل منهم من قتل، وأجاب منهم من أجاب، ورأى أنه قد وصل إلى حد الإكراه فأجابهم إلى ذلك. وثبت الإمام أحمد رحمه الله ثبات الجبال، مع ما حصل له من السجن والتعذيب والجلد، حتى إن بعض الجلادين الذين جلدوا الإمام أحمد قال: "قد ضربته أسواطاً لو ضربت بها جمل لمات، لو ضربت بها جمل لخر صريعاً"، والإمام أحمد يتحمل رحمه الله حتى يعني ينصر القول الحق بأن القرآن كلام الله غير مخلوق. وكان يناظر رؤوس المبتدعة في ذاك الزمان، منهم أحمد بن أبي دؤاد، الذي كان ينشر هذا المعتقد الباطل، وكان يناظرهم ويقول: "ائتوني بآية من كتاب الله أن القرآن مخلوق"، وكان يجادلهم ويناظرهم ويدفع شبههم ويبين أن القرآن كلام الله غير مخلوق، حتى فرج الله عز وجل عنه بعد ذلك في زمن المتوكل، وأعز الله عز وجل الإسلام في ذلك الوقت بالإمام أحمد بن حنبل، كما قال أحد السلف: "أعز الله الإسلام يوم الردة بأبي بكر الصديق، ويوم المحنة بأحمد بن حنبل". فيقول: "القرآن كلام الله، وليس بمخلوق". هذا هو قول الحق، أن القرآن كلام الله، والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. الله عز وجل أخبر أن هذا القرآن كلامه، وكلام الله صفة من صفاته، وصفات الله غير مخلوقة، صفات الله غير مخلوقة، ولا يجوز حينئذ أن يقال بأن القرآن مخلوق. هذا قول باطل، يلزم منه تعطيل الأوامر والنواهي والأحكام، وكل ما أمر الله عز وجل به وأخبر به في كتابه. قال: "ولا يضعف أن يقول: ليس بمخلوق"، يعني ليصرح بذلك، ما يكفي أن يقول: "القرآن كلام الله" ويسكت، لأن الجهمي والمعتزلي يقول: "القرآن كلام الله"، لكنه يقول: "مخلوق". وأنت تقول: "القرآن كلام الله" وتسكت وتريد أنه غير مخلوق، إذن قد يوافقك المبتدع على هذا القول أن القرآن كلام الله، لكن لا بد من التصريح أن تقول: "كلام الله غير مخلوق"، لترد هذه البدعة. قال: "فإن كلام الله ليس ببائن منه"، يعني ليس بمنفصل عن الله، بل هو صفة من صفات الله، وإضافته إلى الله من إضافة الصفة إلى الموصوف، من إضافة الصفة إلى الموصوف. وإذا قلت بأن القرآن كلام الله وسكت، سيقول الجهمي: "أنا معك، القرآن كلام الله، مثل بيت الله وناقة الله". وبيت الله وناقة الله هذه صفة أو مخلوقة؟ الجواب: مخلوقة. إذن هو سيجعل القرآن من الأمور المخلوقة كبيت الله وناقة الله. إذن لا بد من التصريح أن تقول: "القرآن كلام الله غير مخلوق". قال: "وليس منه شيء مخلوق"، أي من كلام الله، من القرآن، كله كلام الله. قال: "وإياك ومناظرة من أحدث فيه"، يعني من أحدث القول بخلق القرآن، هذا من أهل البدع والضلال، لا تناظرهم إلا إذا اضطر الأمر إلى ذلك، وعندك العلم والحجة في دحض هذه البدعة وبيان الحق، فلا بأس، كما فعل الإمام أحمد رحمه الله لما اضطر إلى مناظرة الجهمية في زمنه، كان يناظرهم بما عنده من العلم. قال: "ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه فقال: لا أدري، مخلوق أو ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله، فهذا صاحب بدعة". لما أنكر الأئمة، الإمام أحمد وغيره، على من قال بخلق القرآن، جاءت طائفة فقالوا: "نحن ما نقول القرآن مخلوق، لكن نقول: لفظي بالقرآن مخلوق، لفظي بالقرآن مخلوق". فقال الإمام أحمد رحمه الله: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: ليس بمخلوق فهو مبتدع". "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي"، أي وافق الجهمية في القول بخلق القرآن. لماذا؟ لأن اللفظ يحتمل الفعل ويحتمل المصدر، وهو الملفوظ. فلما تقول: "لفظي بالقرآن مخلوق"، يحتمل أنك تريد صوت حركة اللسان والصوت، هذه مخلوقة، صحيح، هذا المعنى صحيح، ويحتمل أنك تريد الملفوظ الذي هو كلام الله. فلما كان هذا اللفظ محتمل لحق وباطل، حذر الأئمة من هذا القول، وجعلوا القائل بذلك كمن يقول بخلق القرآن صراحة، كمن يقول بخلق القرآن صراحة. وهذا معنى قوله: "ومن قال باللفظ غيره" إلى آخره. فاللفظية هذه طائفة من طوائف الجهمية، يقال لهم: "اللفظية"، يقولون: "لفظي بالقرآن مخلوق"، هذا كمن قال: "القرآن مخلوق"، كمن قال: "القرآن مخلوق"، لا فرق، فلا يجوز كذلك أن تقول: "لفظي بالقرآن مخلوق". وهكذا أيضاً التوقف، ظهرت طائفة ثالثة قالوا: "نحن نتوقف، ما نقول مخلوق ولا غير مخلوق، نقول: القرآن كلام الله ونسكت". لا، ما يكفي، ما يكفي أن تقول: "القرآن كلام الله" وتسكت، وهناك من يقول بأنه مخلوق، لا بد أن تصرح بأن تقول: "القرآن كلام الله غير مخلوق". فالذي يقول: "لا أدري، هو مخلوق أو ليس بمخلوق"، هذا يعتبر من الجهمية ومن أهل البدع. ولهذا تكلم العلماء في الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، هو من أئمة الحديث، من أئمة الحديث، لما توقف في مسألة خلق القرآن، رماه الأئمة بالبدعة، رماه العلماء بالبدعة، لأنه لم يصرح ببيان القول في خلق القرآن، عن كلام الله سبحانه وتعالى. قال: "وإنما هو كلام الله، ليس بمخلوق". هذا هو القول الحق والصواب، أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فوصفه من صفات الله جل وعلا، وصفات الله غير مخلوقة. وطبعاً يوجد في هذا الزمان من يقرر هذا المعتقد، معتقد الجهمية، معتقد الجهمية والمعتزلة، بالقول بخلق القرآن، حتى بعض من ربما يعني قد يغتر به ويتبع، من أمثال سيد قطب في تفسيره، يقول: "بأن القرآن ظاهر كوني، القرآن ظاهر كوني"، معنى هذا أنه مخلوق، وهذا قول الجهمية، وهذا قول الجهمية، فقد وقع في هذا كثير ممن جاء في هذا الزمان، فقال بقول الجهمية بأن القرآن مخلوق، سواء كان صريحاً أو بلفظ يدل على ذلك. قال رحمه الله: "والإيمان بالرؤية يوم القيامة، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الصحاح، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس. والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً". يقول: من أصول أهل السنة الإيمان بالرؤية يوم القيامة، أي برؤية الله جل وعلا يوم القيامة، وأن المؤمنين يرون الله جل وعلا يوم القيامة في عرصات يوم القيامة، وبعد دخولهم الجنة، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومن حديث جرير بن عبد الله البجلي في قوله عليه الصلاة والسلام: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته». وكذلك أيضاً حديث ما جاء في مسلم في قوله عليه الصلاة والسلام: «لأهل الجنة: يقول الله عز وجل لأهل الجنة: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ فيقول: هل أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: أي شيء أفضل من ذلك؟ قال: فيكشف عنهم الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم». وكذلك تفسير الزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، جاء في الأحاديث والآثار تفسيرها بالنظر إلى وجه الله جل وعلا. فهذه الأحاديث وغيرها نؤمن بها، وكذلك نثبت ما دلت عليه من رؤية المؤمنين لله سبحانه وتعالى، ولا ننكر الرؤية كما أنكرها الجهمية والمعتزلة. ولهذا قال الإمام وكيع في حديث جرير بن عبد الله البجلي: "من أنكر حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير في الرؤية فهو جهمي". ومسألة رؤية النبي عليه الصلاة والسلام ربه لما عرج به، هذه المسألة وقع فيها خلاف لفظي بين الصحابة، خلاف لفظي بين الصحابة. فمن الصحابة من قال بأن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه، لكن لم يقل بعينه، إنما أطلق الرؤية تارة، وقيدها تارة بالفؤاد، أي بالقلب: "رأى ربه بفؤاده". وهذا مأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ومنهم من نفى الرؤية، كعائشة رضي الله عنها، قالت لمسروق: "من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية". فقال لها: "فقول الله جل وعلا: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، يعني ما المراد بهذه الآية؟". فقالت: "أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: إنما ذلك جبريل، رأيته بصورته مرتين، إنما ذلك جبريل رأيته بصورته مرتين، أي رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل بصورته مرتين، له ستمائة جناح، كل جناح قد سد ما بين الأفق". إذن عائشة نفت أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه. ومثل أيضاً أبو ذر، كما جاء في الحديث. وابن عباس أثبت أنه رأى ربه، لكن ابن عباس يقول: "رأه بفؤاده"، ولم يقل: "رأه ببصره". إذن من نفى الرؤية كعائشة رضي الله عنها ومن معها، أرادوا نفي الرؤية البصرية، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرى ربه بعينيه. ومن أثبت الرؤية إنما أراد الرؤية القلبية، أنه رآه بقلبه، كما قال ابن عباس في صحيح مسلم: "رأه بفؤاده، رآه بفؤاده". إذن لا تعارض بين الصحابة رضي الله عنهم في هذه المسألة، والخلاف بينهم لفظي، من أثبت الرؤية أراد الرؤية القلبية، ومن نفى الرؤية أراد نفي الرؤية البصرية. طيب، هذا بالنسبة لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه حين عرج به. أما رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، فهذه ثابتة في الأحاديث الصحيحة، وبه يقول جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وأبو ذر لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "هل رأيت ربك؟"، قال: «نور، أنى أراه»، قال: «نور، أنى أراه»، يعني حجبني النور عن رؤيته. وفي رواية: «رأيت نوراً». معنى هذا أنه ما رآه، ما رآه بعينيه عليه الصلاة والسلام. فلا يقال أن الصحابة اختلفوا في مسائل العقيدة بينهم خلاف ونزاع، لا، هذا الخلاف الذي حصل بينهم خلاف لفظي، لا تعارض بينهم في هذه المسألة. وبالنسبة للأسانيد المذكورة هنا في إسنادين فيها ضعف: ما رواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، هذا فيه ضعف، وكذلك أيضاً رواية علي بن زيد بن جدعان، هو ضعيف. لكن قول ابن عباس أنه رأى ربه بفؤاده، هذا ثابت في صحيح الإمام مسلم، في صحيح الإمام مسلم، لكن لم يقل أنه رآه بعينه أبداً. طيب، فلا تعارض حينئذ بين الصحابة رضي الله عنهم. قال: "والإيمان بالميزان يوم القيامة، كما جاء، يوزن العبد يوم القيامة، فلا يزن جناح بعوضة، وتوزن أعمال العباد، كما جاء في الأثر، والإيمان به والتصديق به، والإعراض عن من رد ذلك، وترك مجادلته". كذلك أيضاً من أصول أهل السنة الإيمان بالميزان يوم القيامة. قال الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. والآيات كثيرة في إثبات الميزان، وأنه ميزان حقيقي، ميزان حقيقي له كفتان، كما في حديث صاحب البطاقة عند الترمذي وغيره، أنه يؤتى برجل له سجلات مد البصر ذنوباً ومعاصي، فيقول الله عز وجل: «هل لما كتب الحافظون؟» فيقول: «لا يا رب»، فيقول: «هل لك عندنا من حسنة؟» فيقول: «لا والله يا رب»، فيقول الله عز وجل: «بلى، إن لك عندنا حسنة»، فيؤتى له ببطاقة مكتوب فيها: "لا إله إلا الله"، فتوضع البطاقة في كفة، والسجلات الأخرى في كفة، فترجح بهن "لا إله إلا الله"، ولا يثقل مع اسم الله شيء. هذا الحديث يبين أن الميزان ميزان حقيقي له كفتان، له كفتان، توزن فيه الأعمال، توزن فيه الأعمال، وتوزن فيه الصحائف، كما في هذا الحديث. وتوزن الأعمال، كما في حديث أبي هريرة: «كلمتان ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». قوله: "ثقيلتان في الميزان"، يعني هذا الذكر وهذا العمل يثقل ميزان المؤمن يوم القيامة. معنى هذا أن الأعمال توزن، أن الأعمال توزن. وكذلك أيضاً يوزن الأشخاص، يوزن الأشخاص، ويدل عليه ما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «يؤتى بالرجل السمين العظيم من أهل النار، ما يزن عند الله جناح بعوضة»، سمين عظيم، وما يزن جناح بعوضة. قال: ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. وقوله: ﴿وَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، ﴿وَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. وما جاء في مسند الإمام أحمد أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يجني عود الأراك، فجاءت الريح فكشفت عن ساقيه، وكان دقيق الساقين نحيفاً، فضحك الصحابة رضي الله عنهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مما تضحكون؟» قالوا: «من دقة ساقيه يا رسول الله»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لهي في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد، لهي في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد». ما يثقلها ما عندهم من الإيمان والعمل الصالح. وهذا دليل لأن الإنسان يوزن، قد يوزن بنفسه في الميزان. إذن توزن الأعمال، وتوزن الصحائف، ويوزن الأشخاص، فهو ميزان حقيقي. هذا معتقد أهل السنة والجماعة في الميزان. أما أهل التعطيل كالمعتزلة وغيرهم، نفوا الميزان، قالوا: "ما في ميزان حقيقي يوم القيامة، وإنما المراد بالميزان العدل، إقامة العدل فقط". أما هناك ميزان توزن الأعمال وتوزن الصحائف في الآخرة، قالوا: "لا، هذا لا يوجد". فكذبوا بما أخبر الله عز وجل به في كتابه، وما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في سنته، في ثبوت الميزان. وأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فيسلمون لهذه الأحاديث ويؤمنون بها، ولا يجادلون، لا يجادلون في ذلك: "كيف هذا الميزان؟ هل هذا حقيقي ليس بحقيقي؟" إلى آخر ذلك، بل يصدقون ويؤمنون. قال رحمه الله: "وأن الله تعالى يكلم العباد يوم القيامة، ليس بينهم وبينه ترجمان، والإيمان به والتصديق به". نعم، كذلك أيضاً مما يؤمن به أهل السنة والجماعة أن الله جل وعلا يتكلم ويكلم عباده، كلاما يسمع له حرف وصوت، ليس مجرداً عن الحروف والأصوات كما يقول الأشاعرة، بل كلام له حرف وصوت، يسمعه المؤمن كما سمعه الأنبياء، سمعه آدم، وسمعه موسى، وسمعه النبي عليه الصلاة والسلام، وسيسمعه عيسى عندما يخاطبه الله جل وعلا، وهكذا أيضاً يسمعه العباد يوم أن يكلمهم الله سبحانه وتعالى. ويدل على هذا حديث عدي بن حاتم في الصحيحين، بقوله عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة». نعم، ومما يدل على أنه كلام حقيقي أن الله جل وعلا يعني أخبر بأنه نادى أنبياءه، نادى آدم: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، وكذلك أيضاً: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، والنداء هو نوع من أنواع الكلام، ولا يكون إلا بحرف وصوت، إلى آخر ذلك من الأدلة الكثيرة على إثبات حقيقة كلام الله سبحانه وتعالى. قال: "والإيمان بالحوض، والإيمان بالحوض، وأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حوضاً يوم القيامة، ترد عليه أمته، وعرضه مثل طوله، مسيرة شهر، آنيته كعدد نجوم السماء، على ما صحت به الأخبار والآثار من غير وجه". كذلك أيضاً مما يؤمن به أهل السنة والجماعة الإيمان بالحوض، والحوض هو مجمع الماء، مجمع الماء. فالنبي عليه الصلاة والسلام آتاه الله جل وعلا حوضاً عظيماً، حوضاً عظيماً. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في صفة هذا الحوض أن عرضه مسيرة الشهر، وطوله مسيرة الشهر، وكيزانه، أي كوزه، كعدد نجوم السماء، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. صلى الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يرد حوض النبي عليه الصلاة والسلام. والأحاديث فيه متواترة، متواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام، بمعناها، كما قال القائل: «ومما تواتر حديث من كذب، ومن بنى لله بيتاً واحتسب، ورؤية، شفاعة، والحوض، ومسح خفين»، هذه بعض، أي هذه بعض المتواترات عن النبي عليه الصلاة والسلام. فأحاديث الحوض متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وخارج الصحيحين. جاء ببعضها: أن طوله من المدينة إلى صنعاء، وفي بعضهم: من أيلة إلى صنعاء. وهو أيضاً يستمد من الكوثر، له ميزابان من الجنة يصبان في حوضه عليه الصلاة والسلام، ومعنى قول: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. فأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، بخلاف أهل البدع والأهواء، أنكروا، أنكروا حوض النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: "ما فيه هناك حوض، ولا حديث الوارد فيه أحد لتثبت بها العقيدة". فأنكروا مسألة الحوض الذي أعطي النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا بعقولهم وأهوائهم. وأهل السنة والجماعة يثبتون ذلك ويؤمنون به كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء في بعض الأحاديث أن لكل نبي حوض، كل نبي له حوض، لكن أعظم الأحواض وأكثرها وارداً هو حوض النبي صلى الله عليه وسلم. وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه سيذاد أقوام عن حوضه، سيذاد، يبعدون، سيذاد أقوام عن حوضه، فيقول: «أمتِ، أمتِ»، فيقال: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لقد غيروا وبدلوا»، فيقول: «سحقاً، سحقاً لمن غير وبدل، سحقاً، سحقاً لمن غير وبدل». هؤلاء الذين يذادون عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وقد غيروا وبدلوا، طائفتان: طائفة ارتدوا عن الإسلام، طائفة ارتدوا عن الإسلام، والطائفة الأخرى هم أهل البدع والأهواء الذين خالفوا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء يذادون عن حوضه عليه الصلاة والسلام. طيب، اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر