شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 7

شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 7

الدرس في شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحريم الخروج على الولاة وأحكام مدافعة اللصوص والخوارج

يؤكد المحور حرمة قتال السلطان أو الخروج عليه حتى مع ظلمه درءاً للمفاسد العظيمة كسفك الدماء وانتهاك الأعراض، مستشهداً بواقع الدول المعاصرة. ويبين جواز مدافعة اللصوص والخوارج عن النفس والمال دون تتبع أو قتل جريح وأسير، مع التوقف عن الشهادة لأهل القبلة بجنة أو نار.

أحكام الشهادة والتوبة وإثبات حد الرجم ومكانة الصحابة

يقرر المحور عدم جواز الجزم لأحد بالجنة أو النار إلا بنص شرعي، وأن التوبة تمحو الكبائر بينما أمر من مات مصراً على كبيرة موكول إلى الله. كما يثبت حد الرجم للزاني المحصن بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويوجب الترضي عن الصحابة عدالةً ورضواناً، مع التفريق بين نفاق الاعتقاد الكفر الأكبر ونفاق العمل المعصية.

منهج أهل السنة في أحاديث الوعيد وإثبات خلق الجنة والنار

يشرح المحور منهج الإمام أحمد وأهل السنة في رواية أحاديث الوعيد الشديدة على ظاهرها زجراً عن المعاصي، مع تأويلها بالتأويل الصحيح عند احتجاج المبتدعة بها كحمل الكفر على الأصغر. ويثبت خلق الجنة والنار ووجودهما الآن خلافاً للمعتزلة، ويقرر الصلاة على من مات من أهل القبلة موحداً والاستغفار له بخلاف الكافر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد: قال الإمام أحمد بن حمد رحمه الله في رسالته "أصول السنة": "قال: ولا يحل قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق". نعم، بعد أن ذكر تحريم الخروج على ولاة أمر المسلمين، وإن ظلموا، وإن جاروا، مادام أن أمر الخلافة والولاية قد استقر لهم، فالواجب السمع والطاعة، وعدم شق عصا المسلمين. وحينئذ لا يحل للمسلم أن يقاتل ولي أمره، وإن كان ظالماً، وإن كان فاجراً، فظلمه وفجوره على نفسه، ظلمه وفجوره على نفسه. لكن الخروج عليه وقتاله يترتب عليه مفاسد عظيمة، يترتب عليه مفاسد عظيمة من سفك الدماء، وذهاب الأمن، وانتهاك الأعراض، وكذلك استباحة الأموال والدماء. لا شك يقع من الشرور ما لا تحمد عقباه، لما في ذلك من مخالفة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، وما يترتب على ذلك في الواقع من مفاسد عظيمة، من مفاسد عظيمة. ونضرب لكم مثالاً قريباً: آخر البلاد التي وقع فيها خروج على ولي الأمر، السودان. السودان، انظروا ما الذي حصل لما خرجوا على ولي أمرهم، وما ترتب على ذلك من سفك الدماء، وظهور الطوائف، وفرق مسلحة تهجم على المسلمين في بعض القرى، فيقتلون الرجال، ويقتصبون النساء، ويأخذون الأموال. كم من شر عظيم وقع بسبب ذلك، فضلاً عما كان قبل ذلك، ما حصل عندنا في اليمن، وفي سوريا، وفي غيرها من بلاد الإسلام. كم سفكت من الدماء، كم انتهكت من الأعراض، كم خربت من البلاد، كم أخذت من الأموال، كم تسلط من أعداء الإسلام على أهل الإسلام. كل ذلك بسبب الخروج على ولاة الأمر، فلا يترتب على ذلك إلا الشر، إلا الشر العظيم، والفساد المستطير، وحصول منكر أعظم من الصبر على ما عليه ولاة الأمر من ظلم وجور. ومن فعل ذلك، خرج على السلطان وقاتله، فهو مبتدع، قد خالف أصلاً من أصول السنة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على ولاة الأمر. نعم، فذكر رحمه الله أنه لا يحل قتال السلطان والخروج عليه، لما يترتب على ذلك من مفاسد العظيمة والشر العظيم، ولأن ذلك يخالف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر على ولاة الأمر، وإن ظلموا، وإن جاروا، وعدم الخروج عليهم، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان. إذا كان ولي الأمر كافراً، وقع في الكفر الواضح البين، الذي عندنا فيه من الله برهان على كفره، هنا يجوز. ومع هذا قال العلماء: لابد من وجود القدرة والاستطاعة، وكذلك الأمن من سفك الدماء والترتب المفسد الأعظم. فإن لم يكن هناك قدرة واستطاعة، لا يجوز الخروج عليه، ولو كان كافراً، لأنه سيترتب عليه ما هو أعظم، ما هو أعظم من الشر الذي وقع فيه هذا الحاكم. والمصيب أن بعض الجماعات المنحرفة يرون هذا الخروج من الخير، من الخير الخروج على ولاة الأمر، يعني نزع يد الطاعة ومخالفة السنة، يرون هذا أمراً طيباً، ربما سموا ذلك بالربيع العربي. ما حصل في اليمن، وفي السودان، وفي سوريا، سموا ذلك الربيع العربي: خروج على ولاة الأمر، سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وذهاب الأمن، هذا عندهم من الربيع العربي. انظروا كيف الهوى والجهل، يسأل الله السلامة والعافية. قال رحمه الله: "وقتال اللصوص والخوارج جائز، إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله، فله أن يقاتل عن نفسه وماله، ويدفع عنها بكل ما يقدر، وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم، ولا يتبع آثارهم، ليس لأحد إلا الإمام أو ولاة المسلمين. وإنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك، وينوي بجهده أن لا يقتل أحداً، فإن مات على يديه في دفعه عن نفسه في المعركة فأبعد الله المقتول. وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله، رجوت له الشهادة، كما جاء في الأحاديث. وجميع الآثار في هذا إنما أمر بقتاله، ولم يؤمر بقتله، ولا اتباعه، ولا يجهز عليه إن صرع أو كان جريحاً، وإن أخذه أسيراً فليس له أن يقتله، ولا يقيم عليه الحد، ولكن يرفع أمره إلى من يحكم فيه". ذكره هنا رحمه الله ما يتعلق بقتال اللصوص والخوارج، وأن قتال اللصوص والخوارج جائز، والمراد بالقتال يعني مدافعتهم، مدافعتهم ومقاتلتهم بدفعهم بالأسهل فالأهل. فإن لم يمكن ذلك إلا بقتالهم، فإنه يقاتلهم، لكن ليس المقصود قتلهم. فرق بين المقاتلة وبين القتل. المقاتلة المراد منها المدافعة، أن تدافع عن نفسك، وأن تدفع شر هذا الصائل المعتدي الذي اعتدى عليك في مالك أو أهلك، فإنك تدافع عن نفسك. حيث بهريرة في مسلم: قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «لا تعطيه مالك». قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «فقاتله». شوف الناس، لما قال: اقتله، قال: «فقاتله»، يعني دافع عن نفسك. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد». قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار». قال: «هو في النار». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد». فالإنسان إذا قتل وهو يدافع عن عرضه، عن أهله، عن ماله، فإنه يقتل شهيداً. وهذا المقتول الباغي المعتدي هو من أهل النار، ودمه هدر، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا فارقوا، يعني أرادوا أن يقاتلوك ثم هربوا، اتركهم، لا تتبعهم، لا تتتبعهم. أو إذا جرحت أحداً منهم، لا تجهز عليه، هو جريح الآن، قد سقط على الأرض، فتأتي وتقتله، لا، ما يجوز لك أن تقتله، لأن الشرع ما أجاز لك قتله، وإنما أجاز لك مقاتلته، المقصود أنك تدفع، تدفع شره، وقد حصل ذلك بسقوطه على الأرض، اتركه، لا تجهز عليه. إذا وقع أسيراً في يدك، لا تقتله، وإنما تأخذه إلى ولي الأمر، هو الذي يقيم عليه الحد. كذلك إذا ذهب هارباً، فإنك لا تتبعه، فإنك لا تتبعه. وقد جاء في الأثر في قتال الخوارج: أنه لا يجهز على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم، لا يجهز على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم. من ولا ترك، ومن جرح، فإنه لا يقتل، بل يمسك، يعني يأخذ إلى ولي الأمر. فهكذا يعامل الخوارج والصائلون والمعتدون. فشار أذنك بالدفاع عن نفسك، إن لم تتمكن من دفعهم إلا بالقتل، قتلته، وإن أمكن بدون القتل، فإنك لا تقتله. قال رحمه الله: "ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح، ونخاف عليه، ونخاف على المسيء المذنب، ونرجو له رحمة الله". نعم، من أصول السنة أننا لا نشهد على أحد من أهل القبلة، يعني من أهل الإسلام، بعمل يعمله بجنة. ما نقول: فلان من أهل الجنة، فلان من أهل الجنة، أعجبتك صلاته، أعجبتك قراءته، أعجبتك شيء من أعماله وعباداته، تقول: الله، فلان هذا لا شك أنه من أهل الجنة. لا، ما يجوز لك أن تشهد له بالجنة. لكن نرجو له، تقول: نرجو أن يكون من أهل الجنة، نرجو أن يكون من أهل الجنة. وأما العاصي، إذا رأيت إنساناً مسيئاً، عاصياً، مقصراً، ما يجوز لك أن تقول: هذا من أهل النار. لا، ما يجوز، تقول: نخاف عليه، نخاف عليه أن يدخل النار، أو أن يعذبه الله. لكن ما نجزم له بالعذاب وبدخول النار، كما أننا لا نجزم للمطيع بالدخول للجنة، كذلك لا نجزم للعاصي بدخول النار. نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء. إلا من شهد الله عز وجل له، أو رسوله بذلك، فنشهد له كما شهد النبي صلى الله عليه وسلم للعشر المبشرين بالجنة أنهم من أهل الجنة، فنشهد لهم بالجنة. وهكذا أيضاً ثابت بن قيس، وبلال، وخديجة، وعكاشة، وغيرهم من الصحابة، شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في الجنة بعيانهم، فنحن نشهد لهم بالجنة. وهكذا من شهد له الشرع بالنار، فنشهد له أنه من أهل النار، كأبي لهب، وكأبي طالب، وعمرو بن لحي الخزاعي، وصناديد قريش الذين قتلوا يوم بدر. أو لا نشهد لهم أنهم من أهل النار، لأن الدليل دل على ذلك. قال: «وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِذَنْبٍ تَجِبُ لَهُ بِهِ النَّارِ تَائِباً غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ وَيَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ». يقول: من لقي الله بذنب تجب له به النار، كالزنا، شرب الخمر، أكل الربا، قتل النفس، وغير من الكبائر، لكن تاب من هذا الذنب، تاب من هذا الذنب، ولم يكن مصراً عليه، فإن الله يتوب عليه، لأن التوبة تجب ما قبلها، التوبة تجب ما قبلها. والله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾. فإذا وقع المسلم في ذنب ثم تاب منه، فإن الله جل وعلا يتوب عليه ويقبل توبته، فلا نقول إنه من أهل النار، لا نقول، مادام أنه قد تاب، فالله جل وعلا يقبل التوبة. قال: «وَمَنْ لَقِيَهُ وَقَدْ قُيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَنْ لَقِيَهُ مُصِرّاً غَيْرَ تَائِبٍ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي اسْتَوجَبَ بِهَا الْعُقُوبَةَ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ. وَمَنْ لَقِيَهُ وَهُوَ كَافِرٌ عَذَّبَهُ وَلَمْ يَغْفِرْ لَهُ». يقول: من لقيه وقدقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا، كمن شرب الخمر فوقيم عليه حد الجلد وجلد، أو وقع في الزنا وهو غير محصن فجلد، أو سرق فقطعت يده، أو نحو ذلك من الكبائر، فوقيم عليه حد هذه الكبيرة، هذا الذي يقيم عليه الحد فهو كفار له، الحدود كفارات، كفارات لأصحابها. ومن لقيه مصراً غير تائب، ما يعلم أنه تاب، ولوقيم عليه حد هذه الكبيرة، ومات على هذه الكبيرة، قال: فإنه إذا مات مصراً غير تائب من الذنوب التي استوجب بها العقوبة، فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، غفر له. لا نقول إنه كافر، كما تقول الخوارج، ويكفرون بكبائر الذنوب، ويحكمون على صاحب الكبيرة بأنه مخلد في النار، وأنه في الدنيا كافر. ولا نقول هو كامل الإيمان، كما تقول المرجئة. لا، بل هو ناقص الإيمان، ضعيف الإيمان، معرض للعقوبة. نقول: هو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. أي: ما دون الشرك يغفر الله سبحانه وتعالى لمن شاء من عباده من أصحاب الذنوب والكبائر. ويدل على معنى ما ذكر، ما جاء في الصحيح في حديث عبادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا تبايعوني؟» قال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف». هذا في بيعة النساء. قالوا: بايعناك على ذلك. فقال عليه الصلاة والسلام: «فمن وفى منكم ذلك فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه، يعني وقع في الذنب ولم يرفع أمره إلى ولي الأمر، بينه وبين الله، قال: فستره الله عليه، أمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه». والحديث في الصحيحين. هذا حال صاحب الذنب والعقوبة في الشرع، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة. وأما الكافر، إذا مات على كفره، فنحن نشهد في الظاهر على أنه من أهل النار، على أنه من أهل النار فيما يظهر لنا. فإن كان هناك توبة خفية ما نعلم بها، فأمره إلى الله. لكن في الظاهر نحكم عليه بأنه من أهل النار، لأن الكافر لا توبة له، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. قال: «والرجم حق على من زنا وقد أحصن، إذا اعترف أو قامت عليه بينة، فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رجمت الأئمة الراشدون». أراد بهذا الرد على بعض العقلانيين الذين أنكروا الرجم، أنكروا الرجم، وردوا هذه السنة الثابتة، فبين أن الرجم حق على من زنا وقد أحصن. ومعنى أحصن: أنه تزوج بنكاح صحيح ووطأ فيه، تزوج بنكاح صحيح ووطأ فيه، أي جامع امرأته، ثم حصل منه الزنا وهو محصن، فهذا حكمه في الإسلام: الرجم بالحجارة حتى الموت. يقول: إذا اعترف أو قامت عليه بينة، فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمت الأئمة الراشدون. والرجم حق ثابت في كتاب الله، بل في الكتب السابقة، في التوراة وفي الإنجيل. لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالرجل اليهودي الذي زنى بيهودية، قال: «ما تجدون في التوراة؟» قالوا: نحممهم، يعني نحمم رؤوسهم بالسواد، ونطوف بهم في العشائر. فقال: «ائتوا بالتوراة فانشروها». فجاءوا بالتوراة، فوضع الرجل يده على آية الرجم، وقرأ ما قبله وما بعدها. فقال عبد الله بن سلام، وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من علماء اليهود، وقد أسلم، رضي الله عنه: «ارفع يدك»، فإذا فيها آية الرجم. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما فرجما. وعمر رضي الله عنه في الصحيح قال، وهو يبين أن الرجم ثابت: «إن الله عز وجل بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وحفظناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده». رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزاً، والغامدية، واليهوديين. قالوا: «ورجمنا بعده»، أي: الصحابة، الخلفاء، رجموا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الحكم الرجم محكم غير منسوخ. قال: «فأخشى إن طال بالناس زمان أن يأتي آتٍ يقول: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضل بترك فريضة أنزلها الله». وإن الرجم حق، وإن الرجم حق على من زنى، إذا كانت البينة، أو الحبل، أو الاعتراف، فالرجم حق. إذا وجد البينة: أربعة شهود يشهدون بأنهم رأوا فلاناً يزني بفلانة، ويصرحون أنهم رأوا الميل في المكحلة، ليس مجرد يقول: والله رأينا نائماً معها، أو تقبيل معها، ما يكفي هذا، لابد من التصريح، صيانة للأعراض، يصرحون ولا يكنون. إن اعترفوا وصرحوا بذلك، أقيم عليه حد الزنا، وإن لم يصرحوا بذلك، أقيم عليهم حد القذف، أقيم عليهم حد القذف. إذا كانت البينة، أو الحبل، الحبل أيضاً من البينة: امرأة عزبة، وإذا بها حامل، من أين جاء هذا الحمل؟ تقر أنها زنت، فإن لم يكن لها عذر مقبول، يقام عليها الحد. هذا معنى أنها قد وقعت في الزنا. أو الاعتراف: أن يعترف بأنه زنى، كما حصل لماعز رضي الله عنه، والغامدية، لما اعترفا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا. فالمقصود أن الرجم حكم ثابت في الشريعة، لا يجوز لأحد أن ينكره. قال: «ومن انتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أبغضه بحدث كان منه، أو ذكر مساوئه، كان مبتدعاً، حتى يترحم عليهم جميعاً، ويكون قلبه لهم سليماً». من أصول السنة: تبديع من انتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن الصحابة رضي الله عنهم عدول، وقد رضي الله عز وجل عنهم، وأخبر بذلك في كتابه، كقوله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾. فالله عز وجل أخبر أنه رضي عن المهاجرين والأنصار، فكيف يأتي بعد ذلك إنسان ويطعن في أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وينتقصهم؟ قال: «أو أبغضه بحدث كان منه»، أي: بأمر حصل منه، فيبغض هذا الصحابي، وينتقصه بذلك. مثل ما حصل مثلاً بين الصحابة رضي الله عنهم من حروب وقتال، هم فيها مجتهدون، هم فيها مجتهدون، بين الأجر والأجرين، المصيب له أجران، والمخطئ له أجر، وخطؤه مغفور. ما يجوز لك أن تسب أحداً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، تسب مثلاً معاوية لأنه قاتل علياً، أو تسب علياً لأنه قاتل معاوية. لا، ما يجوز. الصحابة كلهم عدول، نترضى عنهم جميعاً، رضي الله عنهم. وما حصل بينهم من هذه الأمور، يعني تطوى ولا تروى، تطوى ولا تروى، وهم فيها كما سمعت مجتهدون، بين الأجر والأجرين. لا يجوز لك أن تذكر مساوئ الصحابي، حصل منه كذا، وأنه فعل كذا. لا، إذا فعلت هذا فأنت مبتدع، فأنت مبتدع، مخالف للكتاب والسنة، كما سمعت في هذه الآية، في رضا الله عز وجل عنهم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه». فمن سب صحابياً وانتقصه، فهو مخالف لهذه النصوص، مخالف لهذه النصوص. فضلاً إذا كان يسب أكثرهم، كما يفعل الرافضة، قبحهم الله، يسبون الصحابة، يتهمونهم بالنفاق، بل ويكفرونهم، إلا نفراً يسيراً. فالواجب هو الترضي عنهم جميعاً، رضي الله تعالى عنهم. فهم حملة هذا الدين، وحملة هذه الشريعة، والواسطة بيننا وبين الرسول عليه الصلاة والسلام في تبليغ دين الله جل وعلا. والطعن فيهم طعن في الرسول عليه الصلاة والسلام، وطعن فيما حملوه من هذا الدين، بل وطعن في رب العالمين، إذ كيف يجعل الله عز وجل الصحابة يبلغون دين الله، ويحملون هذا الدين عن الرسول عليه الصلاة والسلام، هم طعون فيهم، ليسوا بعدول، ليسوا بعدول، هذا ما يمكن. فالطعن فيهم لا شك أنه طعن في رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل وطعن في رب العالمين سبحانه وتعالى. قال: «والنفاق هو الكفر، أن يكفر بالله، ويعبد غيره، ويظهر الإسلام في العلانية، مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم». أراد بهذا النفاق الأكبر، لأن النفاق ينقسم إلى قسمين: نفاق اعتقادي، ونفاق عملي. النفاق الاعتقادي: إظهار الإسلام، وإبطان الكفر، أن يظهر الإنسان الإسلام، ويبطن الكفر، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله بلسانه، وهو يكفر بذلك في قلبه. هذا النفاق الاعتقادي، وهو الذي كان عليه المنافقون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، كعبد الله بن أبي بن سلول، ومن كان معه، كانوا على النفاق الاعتقادي. وهؤلاء كفار، هؤلاء كفار، بل هم أشد كفراً من الكافر الظاهر، كاليهود والنصارى. ولهذا قال الله عز وجل في المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾. لأنهم في الظاهر مع أهل الإسلام، وفي الحقيقة هم مع أهل الكفر، ومع أعداء الإسلام، فلا شك أنهم يفسدون في الإسلام أعظم مما يفسد فيه اليهود والنصارى. هذا الكفر الاعتقادي. وأما النفاق العملي: أن يكون عند المسلم بعض أعمال المنافقين، كالكذب، والخيانة، والغدر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». هذا النفاق العملي، أن يكون عند المسلم بعض أعمال وخصال المنافقين، هذا نفاق عملي، لا يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام، ولكنه واقع في ذنب ومعصية كبيرة، وكذلك قد وقع في النفاق، والواجب عليه أن يتوب إلى الله جل وعلا من ذلك. والنفاق ما زال موجوداً، ما زال موجوداً إلى هذا العصر، وجود زنادقة الذين يظهرون الإسلام، وهم يطعنون فيه، ويعملون لأعداء هذا الدين، للطعن في الإسلام، يوجد منهم من يعيش في أوساط المسلمين. وكذلك أيضاً من يكون عنده النفاق العملي، في الكذب في الحديث، والخيانة في الأمانة، والغدر في العهود، هذه كلها من علامات أهل النفاق. والنفاق اليوم، كما يقول حذيفة رضي الله عنه، أشد مما كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، كان النفاق مخفياً، قال: «أما اليوم فهو ظاهر». يقول حذيفة: «أما اليوم فالنفاق ظاهر»، يعني المنافق يظهر نفاقه، هذا أشد مما كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وتجد بعض المسلمين تساهل في أمور النفاق، ويدخل في مثلاً أمور السياسة، وتجد السياسة قائمة على النفاق، سياسة الكذب والتدليس والمكر، إلى آخر ذلك، هذا كله من النفاق الذي يبغي للمسلم أن يتوب إلى الله جل وعلا، وأن يترك ذلك، وأن يكون مؤمناً صادقاً ظاهراً وباطناً. طيب، نكمل المتبقي إن شاء الله بعد الصلاة. إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام أحمد رحمه الله في رسالته "أصول السنة": «قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه فهو منافق"، هذا على التغليظ، نرويها كما جاءت، ولا نفسرها. وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض". ومثل: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار". ومثل: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". ومثل: "من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما". ومثل: "كفر بالله تبرؤ من نسب، وإن دق". ونحو هذه الأحاديث مما قد صح وحفظ، فإنا نسلم له، وإن لم نعلم تفسيرها، ولا نتكلم فيها، ولا نجادل فيها، ولا نفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت، لا نردها إلا بأحق منها». يريد رحمه الله في هذا الفصل: أن ما ورد من الأحاديث الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وفيها زجر، وكذلك حكم غليظ، أننا نرويها كما جاءت على ظاهرها، ولا نفسرها بتفسير يخالف الحق والصواب، حتى تكون زاجرة للناس على ترك الذنوب والمعاصي. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، هذا فيه تحذير من النفاق، تحذير من الكذب، ومن الخيانة، ومن إخلاف الوعود، وأن من فعل ذلك فهو موصوف بالنفاق. فنبقي على ظاهره، حتى يكون فيه زجر للناس أن يتركوا هذه المحرمات، ولا نحتاج إلى التفصيل وتفسيرها. كذلك: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، فيها تحذير من قتال المسلمين بعضهم بعضاً. وهكذا: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار». و«سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». هذه الأحاديث كلها فيها تغليظ لهذه الذنوب وهذه المعاصي، فنرويها ونذكرها على ظاهرها، وعلى ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله: «لا نفسرها»، يعني: لا نفسرها بتفسير يخالف الحق. لكن إذا احتيج إلى ذلك، لو جاء رجل عنده لوثة خارجية، واستدل بهذه الأحاديث على كفر صاحب الكبيرة، قال: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار»، إذن قتال المسلم لأخيه كفر، يوجب عليه دخول النار. أو استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، إذن القتال كفر، وقال: بأن من قاتل قاتل أخاه المسلم فهو كافر. هنا نفسر له، ونوضح له أن المراد بالكفر هنا الكفر الأصغر، لا الكفر الأكبر. لأن الكفر يطلق، ويراد به كفر أكبر، وهو الكفر المخرج عن دائرة الإسلام، كمن سب الله، أو رسوله، أو سب الدين، أو كذلك كذب بما أخبر الله عز وجل به من أمر البعث والنشور، أو جحد الصلاة، أو جحد الصيام، إلى آخر ذلك، هذا كفر أكبر. وأما ما كان معصية، وأطلق الشرع عليه لفظ الكفر، فالمراد به الكفر الأصغر. مثله: قتال مسلم لأخيه، هذا من الكفر الأصغر. بدليل قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، سماهم الله جل وعلا مؤمنين، مع وجود وحصول القتال بينهم. إذن بهذا نفهم أن المراد بهذا الحديث الكفر الأصغر. وأهل السنة والجماعة يجمعون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويضمون بعضها إلى بعض، ويفسرونها بما يليق بظاهر الأحاديث، ولا يكون فيها تعارض. بخلاف أهل الأهواء، فإنهم يستدلون بالحديث، وربما يثبتون حكماً يخالف الحكم الصحيح، وهذا شأنهم، اتباع المتشابه، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. فالمقصود أن مثل هذه الأحاديث إذا رويناها، نذكرها على ظاهرها، حتى تكون زاجرة للناس على ترك هذه المعاصي، من القتل، ومن النفاق، وكذلك الكذب في الحديث، وكذلك من ترك الانتساب: «كفر بالله تبرؤ من نسب، وإن دق». هذا أيضاً من الكفر الأصغر، وكذلك من كبائر الذنوب، أن الإنسان ينتسب إلى غير أبيه، ينتسب إلى غير أبيه، كما يفعل بعض المسلمين، إذا أراد جنسية، انتسب إلى فلان أو فلان من الناس، حتى يخرج له جواز الجنسية للدولة الأخرى، هذا ما يجوز، هذا من الكفر، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «كفر بالله تبرؤ من نسب، وإن دق». تتبرأ من نسبك، وتنتسب إلى من لا ينتسب لك. ونحو ذلك من هذه الأحاديث، وتفسر عند الحاجة، تفسر عند الحاجة. ف لو ذكر مسلم حديث أبي هريرة: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»، ويريد الزجر عن الزنا، وعن شرب الخمر، ما يفهم منه أنه كافر، المقصود أنه ليس بمؤمن كامل الإيمان، هو مؤمن ناقص الإيمان. لكن لو جاء رجل من الخوارج، وقال: هذا يدل على أنه كافر، أقول: لا، هذا ليس المراد به أنه كافر، وإنما المراد أنه ناقص الإيمان، إذ أنه لو كان كامل الإيمان لما زنى، ولما سرق، ولوقع في هذه الكبيرة من الكبائر. ولو كان كافراً، لما أقيم عليه الحد بالجلد، وإنما أقيم عليه الحد بقطع الرأس، الكافر في حكم الإسلام يقتل: «من بدل دينه فاقتلوه»، المرتد في دين الإسلام يقتل. أما صاحب المعصية، لا ما يقتل، يقام عليه الحد الذي يطهره، يعني يزجر عن فعل هذا الذنب. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾، ما قال الله: فاقطعوا رقابهما، لو كان كافراً لقال: فاقطعوا رقابهما، قال: فاقطعوا أيديهما، لأنه مؤمن عاصي، ليس بكافر. فيتنبه لذلك، بارك الله فيكم. قال: «والجنة والنار مخلوقتان، قد خلقتا، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت الجنة فرأيت قصراً"». وهذا الحديث في الصحيحين، لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، فرأى قصراً، قال: «لمن هذا القصر؟» قال: «لعمر بن الخطاب». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأردت أن أدخله، فذكرت غيرتك». يقول: لعمر، «فذكرت غيرتك»، فبكى عمر، وقال: «أعليك أغار يا رسول الله؟ أعليك أغار يا رسول الله؟» قال: «ورأيت الكوثر، واطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها كذا، واطلعت في النار، فرأيت كذا وكذا». يعني: من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل الجنة، واطلع في النار، ورآها. معنى هذا أنها موجودة، مخلوقة الآن. مع قول الله عز وجل في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، والإعداد يكون قبل الدخول. قال: «فمن زعم أنهما لم تخلقا، فهو مكذب بالقرآن، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار». وهذا قول المعتزلة، المعتزلة أنكروا وجود الجنة والنار الآن، قالوا: إنما يخلقهم الله يوم القيامة، وكذبوا بآيات، وبأحاديث ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بعقولهم وأهوائهم. وأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما موجودتان الآن، الجنة معدة لأهل الإيمان، والنار معدة لأهل الكفر. قال رحمه الله: «ومن مات من أهل القبلة موحداً، يصلى عليه، ويستغفر له، ولا يحجب عنه الاستغفار، ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه، صغيراً كان أو كبيراً، أمره إلى الله تعالى». فمن أصول السنة: الصلاة على من مات من أهل القبلة، من كان من أهل الإسلام، ومات وعنده شيء من الذنوب، لا يمنع هذا أن نصلي عليه، لأننا لا نكفره، كما يقول الخوارج، كما يكفره الخوارج. لا، أهل السنة ما يكفرون المسلم بالذنب الذي يقع فيه، وهو لا يصير إلى حد الكفر. لهذا قال: «من مات من أهل القبلة»، يعني: من أهل الإسلام الذين يصلون إلى قبلة المسلمين، «موحداً»، أي: ليس من أهل الشرك، ولا من أهل الكفر. أما إذا كان من أهل الكفر، فإننا لا نصلي عليه. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُصَلِّي عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي بن سلول، أنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿وَلَا تُصَلِّي عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، أبداً، نهى الله عز وجل عن الصلاة على الكافرين، وإنما الصلاة تكون لأهل الإسلام. قال: «يصلى عليه، ويستغفر له»، المسلم، وإن كان عنده ذنوب، فإننا نستغفر له، ونرجو من الله عز وجل أن يتجاوز عنه، وأن يغفر له. بخلاف الكافر، الكافر ما يجوز أن نستغفر له، لا يجوز أن نستغفر له. لما مات أبو طالب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فأنزل الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَس