شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 6

شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 6

الدرس في شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أصول السمع والطاعة لولاة الأمر وشروط الخروج عليهم

يبيّن هذا المحور أن من أصول أهل السنة السمع والطاعة للأئمة برّهم وفاجرهم في طاعة الله، مع وجوب الصبر على جورهم وأثرتهم. ويُستثنى من ذلك رؤية كفر بواح عند المسلم فيه برهان من الله، مع النهي عن الخروج بالسيف ما أقاموا الصلاة.

اختصاص الإمام بأحكام الجهاد والصلاة والفيء والحدود

يتناول هذا المحور عقيدة أهل السنة في وجوب طاعة ولاة الأمر وتحريم الخروج عليهم لفساد ذلك، مبيناً أن الجهاد والصلاة خلف الأئمة وقسمة الفيء وإقامة الحدود من اختصاص الإمام وحده. ويؤكد إجماع السلف على ذلك مستدلين بالأحاديث النبوية.

صحة صلاة الجمعة خلف الأئمة الفجار والسوابق التاريخية

يؤكد هذا المحور وجوب طاعة ولي الأمر سواء وصل للحكم بالرضا أو بالغلبة، وصلاة الجمعة خلفه أو خلف من ولاه صحيحة مجزئة حتى لو كان فاجراً. ويستشهد بفعل الصحابة بالصلاة خلف الحجاج، والإمام أحمد خلف المأمون، محذراً من أن الخروج على الإمام وشق عصا المسلمين ميتة جاهلية.

حفظ الدماء وسد ذريعة الفتنة بطاعة الولاة

يركز هذا المحور على أن طاعة من استتب له الأمر واجبة شرعاً صوناً لدماء المسلمين وسداً لأبواب الفتنة والفساد. ويستند إلى الأحاديث النبوية التي تأمر بالسمع والطاعة وتحذر من عواقب الخروج على الولاة.

التفريغ النصي الكامل

الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أحمد بن حمد رحمه الله في رسالته أصول السنة: قال، والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين. يذكر رحمه الله أن من أصول أهل السنة والجماعة وأصول السنة التي يجب اعتقادها والإيمان بها السمع والطاعة لولاة الأمر برهم وفاجرهم. فالله جل وعلا يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ﴾، فأمر الله جل وعلا بطاعته وبطاعة رسوله، ثم عطف الأمر بطاعة ولاة الأمر على طاعته وطاعة رسوله، بمعنى أنهم يطاعون في طاعة الله، أنهم يطاعون في طاعة الله. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة ولاة الأمر في أحاديث كثيرة، قال عليه الصلاة والسلام: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». على المرء المسلم السمع والطاعة أي لولاة الأمر فيما أحب وكره، ليس السمع فيما تحب فقط، بل فيما تحب وفيما تكره، إلا أن تؤمر بمعصية. إذا أمروك بمعصية لله فلا سمع ولا طاعة، إنما الطاعة بالمعروف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقال عليه الصلاة والسلام في حديث عبادة: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان». والحديث الصحيح: السمع والطاعة في سائر الأحوال، في العسر واليسر، في السعة وفي الضيق، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، يعني وإن آثرون ولاة الأمر فأعطوا من يعطون من أقاربهم، من قبائلهم، من عشيرتهم، هذا لا يمنع أننا نسمع ونطيع لهم في طاعة الله. قال: وعلى أثرة علينا، يعني أين وجدت الأثر كذلك. قال: إلا أن تروا كفرا بواحا، كفرا بواحا أي ظاهرا بينا، عندكم فيه من الله برهان، أي دليل وحجة على أنه كفر، فهنا ممكن أن تنزع يد الطاعة. ومع ذلك كما قال العلماء: لابد من مراعاة المصالح والمفاسد. وهكذا أيضا قال عليه الصلاة والسلام في حديث أم سلمة في صحيح الإمام مسلم: «إنه سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، لكن من رضي وتابع». قالوا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ ما نخرج نقاتلهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». إذا ما منعوكم من الصلاة لا تخرجوا عليهم. قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». حتى إن بعض أهل العلم قالوا: أن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان»، أن المراد بذلك الصلاة، أنهم إذا منعوا، منعوكم من الصلاة، فقد أتوا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان وحجة، لجمع بين الأحاديث، بين هذا الحديث حديث عبادة، وحديث أم سلمة، وحديث عوف بن مالك. قال عليه الصلاة والسلام: «إن خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم»، يعني تدعون لهم ويدعون لكم، «وإن شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قالوا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة»، أي لا تقاتلونهم ولا تخرجون عليهم مادام أنهم لم يمنعوكم من الصلاة. إن آثروكم في أمور الدنيا وأخذوا ما أخذوا فما عليكم إلا الصبر. قالوا: يا رسول الله، في حديث آخر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ستكون عليكم أثرة»، سيكون عليكم أمرة، أو قال: «ستكون عليكم أثرة»، يعني من يأثر نفسه ومن معه عليكم. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا الحق الذي عليكم، وسألوا الله الذي لكم، فإن الله سائلهم عن ما استرعاهم». أدوا الحق الذي عليكم، وسألوا الله الذي لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم. وقال عليه الصلاة والسلام: «من خلع يدا من طاعة لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». من خلع يدا من طاعة، يعني الذي يخرج على ولي الأمر وينزع طاعته، من لقي الله ولا حجة له، ما لا حجة في ذلك. وإذا مات على هذا الحال فإنه يموت ميتة جاهلية، أي يموت كما يموت أهل الجاهلية، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يرون الطاعة لأحد، ما يرون الطاعة لأحد، فشبه النبي صلى الله عليه وسلم من خرج على ولي الأمر ومات على إثر ذلك أنه يموت كما يموت أهل الجاهلية الذين كانوا لا يرون طاعة لأحد. فهذه الأحاديث تدل على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر، حتى وإن ظلموا وجاروا. ظلمهم وجورهم على أنفسهم، ظلمهم وجورهم على أنفسهم، لا يحل للمسلم أن يخرج على ولي الأمر، وإن كان ظالما فاجرا، وإن كان ظالما فاجرا. انظروا لما جاء الناس لأنس في زمن الحجاج، تعرفون الحجاج ماذا كان يفعل من سفك الدماء، ويشكون إليه ما يفعل الحجاج، قال أنس رضي الله عنه: اصبروا، قال: اصبروا، لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالصبر، ولم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، مع وجود الأثرة، مع وجود الأثرة، بمعنى أنهم يؤثرون أنفسهم، يأخذون ما يأخذون لأنفسهم، لأقاربهم، لعشيرتهم، ويمنعون الناس والرعية حقهم، ومع هذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يؤدي المسلم الحق الذي عليه، ويسأل الله الذي له، والله جل على سائلهم يوم القيامة عن ما استرعاهم، ولم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج بالسيف على ولي الأمر إلا إذا رأينا كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان. هذا معتقد أهل السنة والجماعة، هذا معتقد أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج. فالخوارج ربما يوافقون أهل السنة في السمع والطاعة لولي الأمر إذا كان بارا، وأما إذا كان فاجرا فلا يرون له سمعا ولا طاعة، ويرون الخروج عليه وقتاله، إلى آخر ذلك، وهذا خلاف ما عليه إجماع السلف، وما عليه أهل السنة والجماعة من السمع والطاعة له وإن ظلم وجار، فإن ظلمه وجوره على نفسه، وإسمع وطاعة له في طاعة الله، وعدم الخروج عليه سبب لصيانة الدماء وسد أبواب الشر. لأن الخروج على ولاة الأمر ما يترتب عليه في الغالب شر عظيم، يترتب عليه شر عظيم، تسفك الدماء، ويذهب الأمن، وتنتهك الأعراض، وتأخذ الأموال، وربما يتسلط بعض أعداء المسلمين على بلاد أهل الإسلام بسبب ذلك. وربما رأيتم وشاهدتم فيما حصل في كثير من بلاد الإسلام من الخروج على ولي الأمر وما ترتب عليه من مفاسد عظيمة، من مفاسد عظيمة، حتى أصبح الناس يتمنون أنهم لم يخرجوا، وأنهم صبروا على ولي أمرهم القديم. وهذا هو الواقع، هذا هو الواقع، لأن مخالفة السنة ومخالفة شرع الله ودين الله سبحانه وتعالى ما يترتب عليه إلا الشر. وشيخ الإسلام رحمه الله يقول: ما نعلم خروجا حصل في زمن من الأزمان إلا وترتب عليه من الشر ما هو أعظم، إلا وترتب عليه من الشر ما هو أعظم من الصبر على ظلمه وجوره. وهذا الواقع وهذا الفكر موجود، ما زال موجودا في مجتمعاتنا، فكر الخروج على ولاة الأمر، أو تكفير الحكام، وعدم السمع والطاعة لهم، إلى آخر ذلك. ليس هذا الفكر قديما، بل لا يزال موجودا. من يحمل هذا الفكر، فكر التكفير والخروج على ولاة الأمر، توجد أحزاب وجماعات تحمل هذا الفكر، كجماعة الإخوان، إخوان المسلمين، الذين ينون الخروج على ولاة الأمر. وهكذا بعض أصحاب الجمعيات، كجمعية الإحسان، فهم ممن يحمل هذا الفكر، فكر التكفير، وكذلك الخروج على ولاة الأمر. وكم خرج من مساجدهم من يحمل هذا الفكر، كم خرج من مساجدهم من يحمل هذا الفكر. وأنا عن نفسي قد ذهب اثنان من أبناء عمي ضحية، ضحية لهذه الجمعيات، خرجوا من مساجدهم، فإذا بهم يحملون فكر الخوارج، أحدهم قد قتل، والآخر مسجون، والآخر مسجون، والسبب هؤلاء الذين يحملون هذا الفكر، ثم يأتون إلى أبناء المسلمين على أنهم يحفظونهم القرآن، ويحفظونهم كتاب الله، ثم يدسون هذا الفكر المنحرف في عقولهم وفي أفكارهم. نسأل الله جل وعلا السلامة والعافية. فالمقصود أن هذا أصل من أصول السنة، من خالفه فهو مبتدع ضال. من خالف هذا الأصل ورأى عدم السمع والطاعة لولي الأمر بسبب ظلمه وجوره، وأنه يجوز الخروج عليه أو قتاله أو غير ذلك، فهو مخالف لأصل من أصول السنة، وواقع في بدعة من بدع الخوارج. قال رحمه الله: والغزو ماضٍ مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، لا يترك. وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن، أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم. ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه، برا كان أو فاجرا. يقول رحمه الله: قال، وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة باقية تامة، ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع، تارك للآثار، مخالف للسنة، ليس له من فضل الجمعة شيء. إذا لم يرى الصلاة خلف الأئمة من كانوا برهم وفاجرهم، فالسنة بأن يصلي معهم ركعتين، ويدين بأنها تامة، لا يكن في صدرك من ذلك شك. يقول: الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة مع البر والفاجر، يعني ولو كان ولي الأمر عنده فجور وعنده فسق، فإننا لا نترك الجهاد معه، لأن فسقه وفجوره على نفسه، والخروج للجهاد معه فيه مصلحة عظيمة من نشر الدين وقمع الكفر، فإننا نخرج معه للجهاد. هذا الذي فعله السلف رضي الله تعالى عنهم، أنهم كانوا يجاهدون مع ولاة الأمر، وإن كان عندهم شيء من الفسق والمعصية أو الفجور، لم يمنعهم ذلك من الخروج معهم للجهاد. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسمع والطاعة لولاة الأمر، وإن حصل منهم شيء من التقصير. احتجاج النبي صلى الله عليه وسلم: «سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها»، قالوا: يا رسول الله، فماذا تأمرنا؟ قال: «صلوا الصلاة لوقتها، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم عليهم». يعني إذا كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نصلي الصلاة في وقتها، ثم نصلي معهم، ثم نصلي معهم، فإن أصابوا فلنا ولهم، وإن أخطأوا فالخطأ عليهم، فالخطأ عليهم. فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بترك الصلاة خلفهم وهجرهم، بل أمر عليه الصلاة والسلام بالبقاء معهم، لأن تركهم ومنابذتهم سبب لحصول الشر. فكذلك الغزو ماضٍ مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، لا يترك. وذلك ما سمعتم، كيف كان الأئمة رحمهم الله يغزون ويجاهدون مع ولاة أمرهم، مع ما كان عندهم من تقصير، ومن فسق، ومن معاصي، لم يمنعهم ذلك من الجهاد مع ولاة أمرهم، كالإمام المبارك، والإمام أحمد، وغيرهم، كانوا يجاهدون مع الخلفاء العباسيين، مع ما عندهم من يعني معاصي وفسق، إلى آخر ذلك. قال: وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ. نعم، الذي يقسم الفيء والغنائم وغيرها من الأموال هم ولاة الأمر، هو الذي يتولى ذلك. كذلك إقامة الحدود، الذي يقيمه ولي الأمر هو ولي الأمر، لأن إقامة عامة الرعية للحدود فيه يعني افتيات على ولي الأمر، وسبب لحصول الفوضى، فلهذا لا يقيم الحدود إلا ولي الأمر، أو من ينيبه ولي الأمر للقيام بها. وما نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم أقاموا الحدود بأنفسهم، فهذا يحمل على أن لهم إذن، أو معهم إذن من ولي الأمر في ذلك الزمان. قال: ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، يعني في هذه الأمور، في قسمة الفيء، وفي إقامة الحدود، فهم الذين يقومون بذلك، وإن ضيعوها هم الآثمون، هو الذي يتحمل ذلك، سيسأل عن ذلك، وأنت ليس عليك شيء. قال: ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، دفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه، برا كان أو فاجرا. يعني إذا طلب ولي الأمر الصدقة فإنك تعطيه إياها، تعطيه إياها، سواء كان برا أو كان فاجرا، فإذا دفعتها إليه أجزأت عنك، إذا دفعتها إليه أجزأت عنك. قال: وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة باقية تامة، ركعتين. صلاة الجمعة خلفه، أي خلف ولي الأمر، هذا الفاجر، لو كان فاجرا، أو من ولاه هذا الولي الأمر، وجعله إماما للناس، فإنك تصلي خلفه، ولا تترك الجمعة خلفه. لماذا؟ لأن الصحابة رضي الله عنهم صلوا خلف الحجاج، كابن عمر، وأنس، والحجاج كان معروفا بسفكه للدماء واستباحته للدماء، ومع هذا ما تركوا الصلاة خلفه، بل كانوا يصلون خلفه، رضي الله تعالى عنهم. صحيح أن الصلاة خلف الإمام السني والمستقيم أفضل، إذا وجدته، لكن لم يوجد إلا هذا الإمام، ما عندنا إمام جمعة إلا هذا الفاسق الفاجر، كان يكون هو ولي الأمر، أو من ولاه ولي الأمر، فلا يجوز أن نترك الجمعة خلفه، بل نصلي. ومن ترك صلاة الجمعة خلف المبتدع فهو مبتدع، من ترك صلاة الجمعة خلف المبتدع إذا لم يوجد غيره فهو المبتدع، ما يجوز أن تترك الصلاة خلفه، بل يجب عليك أن تصلي خلفه، ولا تترك الصلاة خلفه لأنه فاجر أو فاسق، إلى آخره. والإمام أحمد رحمه الله كان يصلي خلف المأمون، الذي كان يمتحنه بالقول بخلق القرآن، ورأى الإمام أحمد أن كان له شبهة، أن المأمون كانت عنده شبهة، لم يحكم عليه بالكفر، وإن كان واقعا في بدعة، كان يصلي خلفه. بخلاف أحمد بن أبي دؤاد، المعتزل الجهمي، الذي كان يناظر الإمام أحمد، لم يصلي الإمام أحمد رحمه الله خلفه. ففرق بين المأمون، وبين أحمد بن أبي دؤاد، لأن هذا له شبهة، بخلاف أحمد بن أبي دؤاد، فكان صاحب بدعة وعناد وشقاق. قال: من أعادهما فهو مبتدع، تارك للآثار، يعني من صلى الجمعة خلف الإمام ثم أعادها فهو مبتدع، فهو مبتدع، لا يجوز له أن يعيدها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة خلف الأئمة، أمر بالصلاة خلف الأئمة، وإن كانوا فجارا، أمرنا أن نصلي خلفهم، وأن لا نترك الصلاة خلفهم، إذا كانوا يصلون في الوقت. قال: مخالف للسنة، ليس له من فضل الجمعة شيء. إذا لم يرى الصلاة خلف الأئمة من كانوا برهم وفاجرهم، فالسنة بأن يصلي معهم ركعتين، يعني يصلي الجمعة معهم، وإن كانوا فجارا، إن كان الإمام فاجرا فاسقا يشرب الخمر، هذا الفجور على نفسه، وأنت مأمور بالصلاة خلفه. قال: ويدين بأنها تامة، لا يكن في صدرك من ذلك شيء، يعني لا يكن في صدرك شك أن صلاتك معه تامة، ليس فيها شيء من القصور، ولا فيها شيء من النقص، لأن هذا الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، أننا نصلي خلف الأئمة من كانوا، فإن أصابوا فلنا ولهم، وإن أخطأوا فلنا وعليهم، ولم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم بترك الصلاة خلفهم، حتى إذا كانوا يؤخرون الصلاة، فإننا نصلي الصلاة لوقتها، نحن ما نترك الصلاة مثلهم، نصلي الصلاة لوقتها، ثم نخرج إليهم حتى يعني لا نشق العصا، ويحصل شيء من الشر والفتنة. قال: ومن خرج على إمام، ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة، بأي وجه كان، بالرضا أو بالغلبة، فقد شقق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية. ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، كان الناس اجتمعوا عليه، هذا الإمام وهذا الحاكم وصل إلى الحكم، سواء كان ذلك بالرضا، عن طريق أهل الحل والعقد، أو كان بالغلبة بالسيف والقتال، حتى وصل إلى كرسي الحكم واستتب له الأمر، هنا الواجب أننا لا نخرج عليه، لأن الخروج سبب للشر، واستمرار القتال، وسفك الدماء، فما دام أنه قد وصل واستتب له الأمر، وعصمة الدماء، فهنا لا يجوز لنا الخروج عليه، لا يجوز لنا في هذه الحال الخروج عليه. فسواء كان كما قال بالرضا أو بالغلبة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة». أسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، هذا العبد الحبشي غلب، غلب الناس، وصل إلى الحكم، قال الله عليه وسلم: أسمعوا وأطيعوا، عليكم بالسمع والطاعة، لماذا؟ صيانة للدماء، وحقنا للدماء، وسدا لأبواب الشر. فإذا وصل هذا الرجل إلى كرسي الحكم واستتب له الأمر، وحصل له الرئاسة، فهنا لا يجوز لنا أن نخرج عليه، فمن خرج عليه بعد ذلك فقد شق عصا المسلمين، أصبح مخالفا لجماعة المسلمين، ومخالفا للآثار عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في السمع والطاعة لمن تولى أمر المسلمين. فإن مات الخارج بعد أن خرج عليه مات ميتة جاهلية، أي مات كما يموت أهل الجاهلية، فإنهم يموتون وهم لا يرون بيعة لأحد من ولاة الأمر، فشبه النبي صلى الله عليه وسلم من خرج على ولي الأمر ومات على ذلك أنه يموت كما يموت أهل الجاهلية. قال عليه الصلاة والسلام: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». وقال: «ومن خرج من الطاعة مات ميتة جاهلية». إذن من أصول السنة السمع والطاعة لولاة الأمر، ومن استتب له الأمر وجب أن يسمع ويطاع، ولا يجوز حينئذ أن يخرج عليه، أو كذلك أن يقاتل، وذلك عملا بالآثار وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وصونا للدماء، وحقنا لدماء المسلمين، وسدا لأبواب الشر والفساد الذي يترتب على ذلك. طيب، إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.