الدرس في شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع عقيدة أهل السنة في أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويرد على المرجئة والخوارج. ثم يبين خلاف العلماء في حكم تارك الصلاة تكاسلاً، حيث ذهب الإمام أحمد إلى كفره كفراً أكبر بينما رأى الجمهور أنه كبيرة لا تخرجه من الملة.
يبيّن المقطع خطورة ترك الصلاة ووجوب قتل تاركها حداً أو ردةً إن أصر، مع ذكر قول أبي حنيفة بالحبس. ثم ينتقل إلى بيان فضل الصحابة وتقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان في الفضل والخلافة إجماعاً من الصحابة.
يبيّن المقطع ترتيب الصحابة في الأفضلية والخلافة بأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، محذراً من مخالفة هذا الترتيب. كما يوضح فضل المهاجرين على الأنصار وأهل بدر، وأن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم تفوق أعمال التابعين، واصفاً سب الصحابة بالزندقة والكفر.
يسأل الداعي الله أن يكفي الأمة شر الفتن ويخمد فتنة المفسدين مؤكداً قدرة الله على ذلك. ثم يختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في رسالته "أصول السنة": "قال: والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، كما جاء في الخبر: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً". كذلك من أصول السنة التي عليها أهل السنة والجماعة: الإيمان بأن الإيمان قول وعمل، وأنه يزيد وينقص: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. هذا الإيمان عند أهل السنة والجماعة أنه قول باللسان واعتقاد بالجنان. قول اللسان: النطق بالشهادة، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. واعتقاد الجنان، أي القلب: اعتقاد ذلك، أنه لا إله إلا الله ولا مستحق للعبادة إلا الله، وأن النبي عليه الصلاة والسلام رسول الله، فيوافق ما في القلب ما في اللسان. قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. فيظهر أثر هذا الإيمان بالصلاة والصيام والزكاة وسائر الطاعات والأعمال الصالحات. يزيد وينقص: أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما قال الله جل وعلا: ﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ﴾ [المدثر: 31]. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». إذا الإيمان يتفاوت، منه من يكون إيمانه قوياً، ومنه من يكون إيمانه ضعيفاً. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». هذا الحديث يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، ويتفاوت فيه أهله، وأن الأعمال داخل في مسمى الإيمان. أن سلم جعل من الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، وهذا عمل، وكذلك أيضاً الحياء جعله أيضاً من الإيمان عليه الصلاة والسلام. فهذا معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان. فضل في هذا الباب كثير من الطوائف، منهم المرجئة الذين جعلوا الإيمان مجرد المعرفة. وهذا غلو المرجئة هم الجهمية، قالوا: من عرف الله فهو مؤمن، من عرف الله فهو مؤمن، وإن لم ينطق أو يعتقد. ولهذا عندهم إبليس مؤمن، أن إبليس عرف الله، قال: ﴿ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [الحجر: 36]. هذا من أشنع الأقوال. وأيضاً من المرجئة من يقول: الإيمان تصديق القلب فقط، إذا صدقت بقلبك فأنت مؤمن. ومنهم من يقول: تصديق القلب ونطق اللسان فقط، إذا نطقت بلسانك وصدقت بقلبك فأنت مؤمن، وأما الأعمال فلا يلزم، لا يلزم أن تأتي بالأعمال. هذا أيضاً من قول من أقوال المرجئة. فضل في هذا الباب المرجئة والجهمية والأشاعرة، وكذلك الخوارج. الخوارج قالوا بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، إلا أنهم قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، الإيمان درجة واحدة، إذا ذهب بعضه ذهب كله، إذا ذهب بعضه ذهب كله. وعلى هذا كفروا صاحب الكبيرة، قالوا: إذا وقع الإنسان في كبيرة من كبائر الذنوب فهو كافر، خلاص الإيمان كله يسلب عنه وينتهي ويذهب، لأنهم جعلوا الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إيمان شيء واحد، الإيمان شيء واحد. وهذا باطل، وهذا باطل لا شك، والأدلة كما سمعتم تدل على أن الإيمان يتفاوت فيه أهله، يزيد وينقص. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً». قول: أكمل المؤمنين، معنى أن من المؤمنين من إيمانه ناقص، دون مرتبة الكمال، دون مرتبة الكمال. فهذا هو الصحيح في مسألة الإيمان: أن الإيمان يزيد وينقص. لا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما يقول المرجئة: من كان مؤمناً فلا يضره ما فعل من الذنوب، إيمانه كامل مهما فعل من الكبائر. هذا باطل، بل المعاصي تضر بالإيمان وتضعفه وتنقصه، لكن لا يخرج عن دائرة الإسلام كما يقول الخوارج، لا يخرج عن دائرة الإسلام كما يقول الخوارج، بل هو مؤمن ناقص الإيمان إذا كان عنده ذنوب ومعاصي، كمن يشرب الخمر مثلاً، أو يأتي بالزنا. نقول: هو مؤمن، مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، أو نقول: مؤمن ناقص الإيمان. نعم. ولهذا الله عز وجل في الحدود على أصحاب الكبائر ما أمر جل وعلا بقتلهم، ما أمر بقتلهم. السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا، ما قال الله فاقطعوا أعناقهما، ما أمر بقتلهم. لو كانوا كفاراً لأمر بقتلهم، لكن أمر بقطع يد السارق عقوبة له على هذا الجرم وهذه المعصية. مع هذا أنه ما زال مؤمناً، ليس بكافر. وهكذا أيضاً شارب الخمر يجلد، يجلد عقوبة له، وحتى ينزجر عن شرب الخمر. ولما جاء برجل كان يشرب الخمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً، فسبه أحد الصحابة، فقال: «لا تسبوه، لا تسبوه، فإنه يحب الله ورسوله». لا تسبوه فإنه يحب الله ورسوله. هو يشرب الخمر، وأمره سلم بإقامة الحد عليه، وأن سلم يشهد له بأنه يحب الله ورسوله. لهذا نعلم أن صاحب المعصية ما يكفر بارتكاب المعصية، وإن كان هذا يضعف يعني إيمانه وينقص إيمانه. قال: ومن ترك الصلاة فقد كفر، وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة، من تركها فهو كافر، وقد أحل الله قتله. يقول رحمه الله: من ترك الصلاة فقد كفر. العلماء مجمعون على أن تارك الصلاة كافر، على أن تارك الصلاة كافر، لكن اختلفوا: هل هذا الكفر كفر أكبر، أو أنه كفر أصغر؟ فالإمام أحمد رحمه الله يذهب إلى أن تارك الصلاة كافر كفراً أكبر، أنه يكفر كفراً أكبر، وعلى هذا جماعة من السلف، على كفر تارك الصلاة، واستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ [التوبة: 11]، قالوا: مفهوم الآية أنهم إن لم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فليسوا بإخوان لنا في الدين. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وقوله عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة». وأثر عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. كان لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. فاستدلوا بهذه الأدلة على كفر تارك الصلاة. وجمهور أهل العلم، لهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، على أن تارك الصلاة إن تركها تكاسلاً، أما جحوداً فهم متفقون أنه كافر، إذا جحد وجوب الصلاة فهو كافر باتفاق. لكن لو أقر بوجوبها وتركها تكاسلاً، قالوا: بأنه مرتكب لكبير من كبائر الذنوب، مرتكب لكبير من كبائر الذنوب، وحملوا هذه الأدلة على الكفر الأصغر لا على الكفر الأكبر، واستدلوا بالحديث الوارد الذي فيه إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن تارك الصلاة أنه يرى سبيله بعد ذلك إما إلى الجنة وإما إلى النار، قالوا: لو كان كفراً أكبر لم يكن له سبيل إلى دخول الجنة. وعلى كل، فيكفي خطورة على تارك الصلاة أنه مختلف في إسلامه، مختلف في إسلامه: هل هو مسلم أو كافر؟ يعني هذا يدل على عظم هذا الذنب وعظم هذا الجرم. هذا أمر، الأمر الآخر: أنه وإن قلنا بأنه ليس بكافر، بل هو مرتكب لكبير من كبائر الذنوب، فإن حكمه في الإسلام القتل. حكمه في الإسلام أنه يقتل، يستتاب، يقول له: تب إلى الله، صلي، فإن أبى فإننا نقتله. يعني لو ترك الفريضة حتى يخرج وقتها وأبى أن يصلي فإننا نقتله. على قول الإمام أحمد نقتله ردة، وعلى قول الجمهور نقتله حداً، فعلى كلا القولين حكمه في الإسلام القتل. يعني ما ينبغي أن يترك على وجه الأرض وهو لا يصلي لله سبحانه وتعالى، مثله ينبغي أن يعاقب وأن يزال من على ظهر هذه الأرض. هذا قول الجمهور. وأما أبو حنيفة فقال: يحبس، قال: يحبس ويعذب حتى يتوب أو يموت، حتى يتوب أو يموت. فعلى كل فهذه المسألة من المسائل الخطيرة والذنوب العظيمة التي ينبغي للمسلم أن ينتبه على نفسه وأن لا يتساهل في أمر الصلاة. لكن من قال بأن تارك الصلاة ليس بكافر، على ما يقوله جمهور أهل العلم لما ذكر سابقاً، فإنه لا يعني يبدع في ذلك، ما يقال بأنه مبتدع أو أنه مخالف للأدلة، فالمسألة فيها خلاف، فيها نزاع، فيها نزاع بين السلف في حكم من ترك الصلاة كسلاً: هل يكفر أو لا يكفر؟ فالنزاع موجود والخلاف موجود، فلا ينكر على من أخذ بأحد القولين. لكن هذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، إلى أنه يكفر به، قال: جماعة من الصحابة والتابعين. قال رحمه الله: وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان. نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يختلفوا في ذلك. هنا سيبين شيء من فضل الصحابة رضي الله عنهم، وبيان مرتبتهم في الفضيلة. فخير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق. وقبل ذلك نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم كلهم لهم فضيلة ولهم خيرية عظيمة في هذه الأمة. ربنا عز وجل أثنى عليهم وترضى عنهم، قال جل وعلا: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ ﴾ [التوبة: 100]. وقال جل وعلا كذلك في بيان فضلهم: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾ [الحديد: 10]. يعني من أسلم قبل الفتح وقاتل، ومن أسلم بعد الفتح وقاتل، كل موعود بالجنة، كل وعد الله الحسنى. وقال جل وعلا: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 18]. وهؤلاء أهل بيعة الرضوان، وكانوا ألفاً وأربعمائة كما قال جابر رضي الله عنه. فالله، فالله عز وجل يخبر، يخبر برضاه عنهم: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾، فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً. وهكذا في قول عز وجل: ﴿ مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾ [الفتح: 29]. هذه الآيات وغيرها كثير في ثناء الله عز وجل على الصحابة وترضيه جل وعلا عنهم، أنه رضي عنهم جل وعلا، وهذه يعني تزكية من الله عز وجل لهم، رضي الله تعالى عنهم. ويشمل ذلك جميع الصحابة: المهاجرين والأنصار، وأهل بيعة الرضوان، وأهل بدر، ومن أسلم قبل الفتح، ومن أسلم بعد الفتح، كلهم قد ترضى الله سبحانه وتعالى عنهم. والنبي صلى الله عليه وسلم قال في أهل بدر: «اعملوا ما شئتم»، أو «لعل الله اطلع على قلوب أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». وقال: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». هذا لما حصل ما حصل بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف، فخالد بن الوليد سب عبد الرحمن بن عوف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً لو أنفقت من جاء بعد الصحابة مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». المد هو ملء الكفين، ملء كفي رجل، هذا المد، والنصف: كف واحدة. يعني من جاء بعد الصحابة وأنفق مثل جبل أحد لن يساوي ما أنفقه الصحابي ملء كفه، لا يساوي ما أنفقه الصحابي ملء كفه، رضي الله تعالى عنهم. معنى هذا أن الصحابة لا يستطيع أحد أن يبلغ منزلتهم، لما لهم من سابق في الإسلام، وصحب للنبي صلى الله عليه وسلم، وجهاد مع رسول الله بأموالهم وبأنفسهم، فلهم فضيلة عظيمة لا يستطيع أحد أن يدركها ممن جاء بعدهم، مهما عمل من الأعمال، مهما عمل من الأعمال. فخير هذه الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عثمان بن عفان، بن عفان. قال: نقدم، لنقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله صلى الله وسلم، لم يختلفوا في ذلك. جاء في البخاري عن ابن عمر قال: كنا نقول والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا: أفضل هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. كنا نقول والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، أو بيننا: أفضل هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. إذن هذا أمر مجمع عليه بين الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أن أفضلهم هو أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، رضي الله تعالى عنهم. ولما سأل محمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب، سأل أباه علياً، قال: يا أبتي، من أفضل الناس بعد رسول الله؟ قال: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر. قال: ثم أنت؟ قال: خشيت أن يقول عثمان. قال: قلت: ثم أنت. فقال علي رضي الله عنه: ما أنا إلا رجل من المسلمين، ما أنا إلا رجل من المسلمين. يعني هذا كان مشهوراً بين الصحابة أن أفضلهم هو أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، رضي الله تعالى عنهم. قال: ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وطلحة. كلهم يصلح للخلافة، وكلهم إمام. ونذهب في ذلك إلى حديث عمر: كنا نعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي وأصحابه متوافرون: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت. والحديث في الصحيحين. وقوله: أن أفضلهم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى، يعني علي والزبير وعبد الرحمن ومن ذكر، لأن عثمان رضي الله لما طعن جعل الأمر في الخلافة إلى هؤلاء الستة، أو هؤلاء الخمسة، جعل هذا الأمر شورى بينهم، ومعنى هذا أنهم كلهم يصلح للخلافة، كلهم يصلح للخلافة. فاتفق الصحابة وأهل الشورى على مبايعة علي رضي الله عنه، فكان أفضلهم بعد عثمان هو علي رضي الله تعالى عنه. قال: ثم من بعد أصحاب الشورى أهل بدر من المهاجرين. طبعاً هذا الترتيب ترتيب الصحابة في الأفضلية، أن أفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، هو ترتيبهم في الخلافة. فأولاهم بالخلافة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. فمن خالف هذا الترتيب وفضل أو قدم علياً مثلاً على عثمان، أو على أبي بكر وعمر، فهو ظالم، فهو ظالم، مذل، سوى كان ذلك في الأفضلية أو في الخلافة، كما يقول الشيعة والروافض يقدمون علياً، وأن علياً أولى بالخلافة من أبي بكر، أولى بالخلافة من أبي بكر. وهذا قول باطل، مخالف لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على تقديم أبي بكر رضي الله عنه، ومنهم علي رضي الله عنه الذي بايع أبا بكر رضي الله تعالى عنه. وكما قال أحد السلف: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، لأنهم كلهم أجمعوا على تقديم عثمان على علي رضي الله عنه، فضلاً أن يقدم علي على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. قال: ثم من بعد أصحاب الشورى أهل بدر من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمهاجرون أفضل من الأنصار، ولهذا تجدون في ثناء الله عز وجل على المهاجرين والأنصار يبدأ أولاً بذكر المهاجرين: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ ﴾، ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ ﴾ [التوبة: 117]. لأن المهاجرين جمعوا بين الهجرة والنصرة، جمعوا بين الهجرة والنصرة، وأما الأنصار فلهم فضيلة النصرة، فكانوا أفضل منهم، رضي الله تعالى عنهم، وكلهم له فضل. قال: على قدر الهجرة والسابقة، أولاً فأولاً. ثم أفضل الناس بعد هؤلاء: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، القرن الذي بعث فيهم. يعني بعد أصحاب الشورى، أهل بدر الذين شهدوا بدراً مع النبي عليه الصلاة والسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما حصل ما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، وأخبر المشركين من أهل مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزوهم، وأرسل كتاباً مع تلك المرأة، وأوحى الله إلى نبيه بما أراد أن يفعل، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحاطب: ما حملك على ذلك؟ فأتى بعذره، وأن ما من أحد من أصحاب رسول الله في مكة إلا له من عشيرته من يحمي أهله وماله، فأراد أن يوجد في مكة من يحمي أهله وماله فقط، وليس كفراً بعد الإسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدري، لعل الله اطلع على قلوب أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فإني قد غفرت لكم». وليس المعنى: اعملوا ما شئتم يعني من الكفر والنفاق، وإنما المراد: ما حصل منكم من ذنب أو سيئة بعد ذلك، فلكم فضيلة شهودكم بدراً، فهي تغفر لكم ما حصل منكم من زلل بعد ذلك. فالمقصود: هذه فضيلة عظيمة لأهل بدر، أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ثم أفضل الناس بعد هؤلاء: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، القرن الذي بعث فيهم. أي قرن النبي صلى الله عليه وسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وكل من صاحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة، أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه. لأن الصحابي كما يقول أهل العلم: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك. من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك فهو صحابي، ولو كان ذلك في لحظة، ولو في دقائق، لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مؤمن فهو يعتبر صحابياً، له شرف الصحبة. قال: وسمع منه ونظر إليه نظرة، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروا. يعني من رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو لقي النبي صلى الله عليه وسلم فهو أفضل ممن لم يلقَ النبي صلى الله عليه وسلم، ولو عمل من الأعمال ما عمل. قال: ولو لقوا الله بجميع الأعمال، كان هؤلاء الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورأوه وسمعوا منه، ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة، أفضل لصحبتهم من التابعين، ولو عملوا كل أعمال الخير. مهما عمل التابعون من أعمال الخير والبر والطاعة، كان من بعض السلف عندهم من الأعمال ما يوافق به الصحابة، ما يوافق به الصحابة. كما ذكروا في ترجمة عبد الله بن المبارك رحمه الله أنه كان يحج عاماً ويجاهد عاماً، ويتصدق وينفق، وعنده من الأعمال ما عنده. قالوا: يعني لم يفوق عليه الصحابة إلا بشرف الصحبة، لم يفوق عليه الصحابة إلا بشرف الصحبة. فشرف الصحبة لا يوازيها شيء، شرف الصحبة لا يوازيها شيء. فهذا بهذا نعلم فضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وما لهم من فضيلة عظيمة ومكانة عالية، ينبغي أن نعرف لهم منزلته. ولهذا من انتقص صحابياً واحداً كما قال السلف فهو زنديق. من انتقص صحابياً واحداً فهو زنديق. فكيف لمن يسب أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أو يكفرهم كما يفعل الرافضة؟ قطع الله دابرهم، وأخمض الله فتنتهم. يكفرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا شك أن هذه زندقة وكفر. وهذه يعني من نتائج منهجهم الفاسد الذي أنشأه لهم عبد الله بن سبأ اليهودي، هذه النبتة اليهودية التي ظهرت في زمن عمر رضي الله عنه، أو زمن علي رضي الله عنه، وأظهر التشيع والغلو في علي، ثم بعد ذلك حصلت الفتنة العظيمة في الخروج على عثمان حتى قتل رضي الله عنه، ثم أظهر التشيع وبدعة الرفض والغلو في آل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى انتشرت هذه البدعة، يا ذنب الله، واعتنقها من اعتنقها من الروافض الأنجاس الأرجاس الذين يكفرون خير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام. نسأل الله جل وعلا أن يكفي الأمة شرهم، وكذلك أن يخمد الله جل وعلا فتنتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.