المحاضرة بعنوان أهمية العمل بالعلم، والتي كانت بدار الحديث بمدينة السلام بعتق 30 ربيع الآخر 1442هـ ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُشدد على أهمية طلب العلم وضرورة إخلاص النية في ذلك، ويُحذر من طلب العلم للتباهي أو المجادلة. يُبين أن العلم عبادة عظيمة تُضاعف الأجر عند الفتن والابتلاءات.
يُحذر من خطورة إهمال العمل بالعلم، ويُبين أن العلم النافع هو الذي يؤثر في قلب صاحبه. يُشدد على أهمية إخلاص النية في طلب العلم والعمل به لتحقيق الفائدة.
يؤكد على أهمية طلب العلم قبل ذهاب العلماء، ويحث على استغلال فرصة طلب العلم وتطبيقه في الحياة اليومية. يستشهد بأقوال السلف الصالح في هذا السياق.
يتضمن الدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله، ويعبر عن التبجيل والتقدير للنبي محمد. يمثل الصيغة التقليدية المستخدمة في نهاية العديد من النصوص الدينية.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا زيارة إخواننا وآبائنا في هذه الدار المباركة، دار الحديث السلفية في مدينة السلام في عتق. وشكر الله جل وعلا القائمين عليها، ونكرر هذا الشكر على حسن ترحيبهم وحفاوتهم بإخوانهم. ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا عند حسن ظنهم. وشكر الله أخينا الشيخ الجميل شجاع حفظه الله على ترحيبه بإخوانه وحسن نصحه لهم وجلوسه حفظه الله معهم، فجزاه الله خيرا. وكذا أيضا شكر الله لأخينا الفاضل عايض النمور حفظه الله على هذه الكلمة النافعة في شرح حديث عمر رضي الله تعالى عنه، في بيان عظم خير المؤمن وكثرة نفعه، وكيف مثله النبي عليه الصلاة والسلام بشجرة النخلة لكثرة خيرها ونفعها. عباد الله، إن من نعم الله سبحانه وتعالى على العبد المسلم أن يوفق لطلب العلم وتحصيله، والجلوس في دار أو دور الحديث ومراكز العلم والسنة، يحفظ نفسه ويتفقه في دين الله جل وعلا، ويتعلم كتاب ربه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وخاصة في مثل هذه الأزمان التي كثرت فيها الفتن وكثرت فيها المحن والابتلاءات. فإذا وفق لمثل هذه العبادة العظيمة المباركة، عبادة طلب العلم وتحصيله، فقد وفق لخير عظيم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول، كما في صحيح مسلم، من حديث معقل بن يسار: «العبادة في الهرج كهجرة إلي»؛ العبادة في الهرج، أي عند الفتن والابتلاءات، كهجرة إليه، أي في الأجر والثواب. ومن هذه العبادات العلم؛ العلم عبادة عظيمة. يقول إمام الثوري رحمه الله: «لا أعلم شيئا أفضل من طلب العلم لمن صلحت فيه النية»، أي من أصلح نيته في طلبه للعلم وأخلص في هذا الباب وفي هذا السبيل، يريد بذلك الأجر والثواب من الله جل وعلا، يرفع الجهل عن نفسه، وأن يرفع الناس بهذا العلم. كما قال الإمام أحمد رحمه الله: لما سئل كيف الإخلاص في العلم؟ قال: «أن تنوي رفع الجهل عن نفسك وعن الناس؛ ترفع الجهل عن نفسك حتى تعبد الله على علم وبصيرة وعلى نور وهداية واستقامة، فتنفع نفسك بهذا العلم، ثم تنفع الناس وتنير لهم الطريق بما أنارك الله جل وعلا به». العلم نور وحياة. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، وقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. وهكذا يقول القائل: «العلم يحيي القلوب كما تحيي البلاد إذا ما مسها المطر»، «والعلم يجلي العمى عن قلب صاحبه كما يجلي سواد الظلمة القمر». فالعلم حياة ونور لصاحبه. إذا وفق طالب العلم إلى عالم سنة من أول أمره، فقد وفق لخير عظيم. لا يطلب العلم عند أهل الأهواء والبدع، من معتزلة أو أشاعرة أو صوفية أو رافضة أو خوارج أو غيرهم من أهل البدع والأهواء، بل يوفق إلى عالم سنة من أول أمره. يقول الإمام يحيى بن كثير رحمه الله: «إن من سعادة الحدث أن يوفق إلى عالم سنة من أول أمره»، أي من أول طلبه للعلم يوفق إلى عالم سنة، على عقيدة سلفية وعلى منهج نبوي، يأخذ العلم صافيا نقيا من منابعه الصافية، من الكتاب والسنة، على فهم سلف الأمة. فهذه نعمة عظيمة. وكما سمعنا في أثر مجاهد بن جبر رحمه الله: «لا أدري أي النعمتين علي أعظم؛ أن نجاني الله أو هداني الله للإسلام، أو نجاني من هذه الأهواء». فالهداية للإسلام نعمة عظيمة، أن وفق الله جل وعلا لهذا الدين الذي لا يقبل الله عز وجل دينا سواه، ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. فإذا وفق للإسلام وأخذ بالسنة والهداية لها، كان ذلك أعظم نعمة. قد يكون المسلم على ضلال، كما يلمس اليوم كثير من المسلمين وهم من أهل البدع والأهواء، ممن يطعن في الإسلام وفي حملته. وأن تتوفق إلى السنة وأن تكون من أهلها، هذه نعمة عظيمة. لهذا قال رحمه الله: «لا أدري أي النعمتين علي أعظم؛ أن هداني الله للإسلام أم نجاني من هذه الأهواء». يقول يوسف بن أسباط رحمه الله: «كان أبي قدريا وأخوالي روافض، فهداني الله إلى السنة». أبوه قدري من أهل القدر من المعتزلة، وأخواله روافض سباب أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهداه الله عز وجل إلى السنة نعمة عظيمة ومنة كبيرة، أن توفق أيها المسلم لأن تكون من أهل السنة والجماعة. فأقول: طلب العلم نعمة عظيمة، نعمة عظيمة إذا أخلص الإنسان فيه النية. لابد لطالب العلم أن يجدد نيته وأن ينظر في قلبه: لماذا يطلب العلم؟ ولماذا يتعلم؟ ولماذا يتفقه؟ أول العلم النية، كما يقول إمام المبارك رحمه الله: «أول العلم النية». إخلاص النية في الطلب. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، متفق عليه من حديث عمر رضي الله تعالى عنه. أنت في عبادة وفي طاعة، لابد أن تخلص فيها النية حتى تنتفع بها، وحتى توفق في تحصيلها، وإلا كانت وبالا عليك إذا لم تخلص نيتك وتصدق في طلبك للعلم، كان هذا العلم وبالا عليك. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه؛ فالنار، النار». رواه الخطيب في جامع من حديث جابر، وجاء غيره أيضا حيث حديث جابر رضي الله عنه، وجاء بألفاظ متقاربة. هذا وعيد شديد. يقول الإمام ابن عبد البر رحمه الله: هذا الوعيد فيمن طلب العلم لا يريد به إلا الدنيا؛ يريد أن يتباهى بالعلم وأنه من أهله، وأنه من العلماء، وأنه يقال له العالم الفلاني أو الشيخ الفلاني، أو يجادل ويماري به السفهاء، يجادل بالعلم حتى يظهر أنه من أهله، أو كذلك ليصرف وجوه الناس إليه، يتصدر المجالس ويعني يجلس أمام الناس ويتكلم إلى آخره. فإذا كان هذا مقصده وهذه نيته وهذا مطلبه وهذا مراده؛ فالنار، النار. جاء في صحيح الإمام مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أول من يقضى بينهم، أو أول من يقضى بين الناس»، جاء في لفظ: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة؛ ذكر العالم ومجاهد متصدق». عالم طلب العلم حتى صار عالما، فيقرره الله عز وجل ويذكره بنعمه ويعرفه بها، فيقول: «يا رب تعلمت العلم وعلمته»، فيقول الله عز وجل له: «إنما فعلت ذلك ليقال هو عالم، وقد قيل»، فيؤمر به فيلقى في نار جهنم، عياذا بالله. ثم يأتي بالمجاهد فيعرفه الله عز وجل بنعمه، فيعرفها، فيقول: «يا رب جاهدت في سبيلك حتى، قتلت في سبيلك»، فيقول الله عز وجل له: «كذبت، ولكن قاتلت ليقال هو شجاع، وقد قيل»، فيؤمر به فيسحب فيلقى في نار جهنم. ثم المتصدق يعرفه الله عز وجل بنعمه، فيعرفها، فيقول: «يا رب تصدقت وأنفقت»، فيقول الله عز وجل له: «كذبت، ولكن تصدقت ليقال هو منفق، وقد قيل»، ثم يؤمر به فيسحب فيلقى في نار جهنم. جاء في بعض الروايات: أن أبا هرير كلما أراد أن يحدث بهذا الحديث أغمي عليه في المرة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، لعظم هذا الحديث. هذا وعيد شديد، وعيد شديد لمن فسدت نيته في طلب العلم، لم يرد بعلمه إلا الدنيا، لم يرد بعلمه إلا الدنيا. لكن أنت تحرص على إخلاص النية وعلى تصحيحها وعلى الصدق مع الله جل وعلا. واعلم أنك إن أخلصت في نيتك وصدقت، وفقك الله عز وجل، ويسر لك أمر الدنيا والآخرة. يقول إمام الشافعي رحمه الله: «من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم». لكن ليس المعنى أن تقصد بالعلم الدنيا، لا، وإنما المقصود أنك إن طلبت العلم وصدقت ووفقك الله جل وعلا وأفادك، يسر الله عز وجل لك أمر الدنيا وما تحتاجه من أمور الحياة والمعاش، وهكذا كذلك يكون لك الأجر والثواب والمنزلة العالية في الآخرة. يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات. فلذلك تحرص على العمل بهذا العلم الذي هو ثمرة العلم. العلم شجرة، وثمرته العمل. العلم شجرة، وثمرته العمل. لا خير في شجرة لا ثمر لها، وهكذا لا خير في علم بلا عمل. كما سمعنا في الأثر: «العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه، وإن لا اقتحمه». لا ينفع العلم بلا عمل، وإلا كان وبالا على صاحبه. كما سمعنا: «المقصود من العلم هو العمل؛ العلم شجرة، والغاية والمقصد هو أن تعمل بهذا العلم، أن تطبق هذا العلم في حياتك، في أقوالك، في أفعالك، في عبادتك، في طاعتك». يقول إمام الثوري رحمه الله: «إنما يطلب العلم ليتقى الله به». ولذلك فضل على غيره من العلوم. ولولا ذلك لكان كسائر الأشياء. يعني: ما الذي جعل العلم له هذه المنزلة وهذه المرتبة وهذه الفضيلة؟ إلا لأنه يوصلك إلى الله، ويزيد الإيمان في قلبك. كما سمعنا قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾؛ العلماء أشد الناس خشية لله، لماذا؟ لأن العلم يزيدهم معرفة بالله، وخشية وإيمان وتقوى. فلذلك كان للعلم هذه المنزلة العظيمة، وكان حقيقة العلم هو خشية الله. حقيقة العلم هو خشية الله. قالت أو قال رجل للإمام الشعبي رحمه الله: «أفتنا أيها العالم»، قال: «إنما العالم من يخشى الله». مع أنه إمام وعالم العلماء المسلمين، ومعروف منزلته في العلم، ومع ذلك يقول: «إنما العالم من خشي الله». وكما قيل: «كفى بالعلم خشية لله، وكفى بالجهل غرورا»، أو كما قال السلف. فحقيقة العلم هو خشية الله جل وعلا، أن يظهر أثر هذا العلم على صاحبه، كما سمعنا في عبادته، في طاعته، في أقواله، في أعماله، في معاملته. ما يكون العلم في اللسان فقط، ولا أثر له في القلب، هذا علم لا ينفع. يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: «العلم علمان؛ علم في القلب، وعلم في اللسان». قال: «علم في القلب، وهذا هو العلم النافع»، «وعلم في اللسان؛ قال: هو حجة الله على العبد». علم في القلب، هذا هو العلم النافع، العلم الذي يؤثر في قلب صاحبه، يزيده إيمانا، يزيده تقوى، يزيده خشية لله جل وعلا. وأما علم اللسان وما يتكلم به، فهذا حجة الله على العبد فيما يقول: هل يفعل بما قال أو يخالف ذلك؟ فيكون حجة عليه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث أبي مالك الأشعري، في صحيح الإمام مسلم: «والقرآن حجة لك أو عليك؛ حجة لك إن عملت بما فيه، وحجة عليك إن خالفت ما فيه». إذن نحن نحرص على تحقيق وتحصيل هذا العلم النافع الذي ننتفع به في الدنيا وفي الآخرة. لا يكون همنا كثرة الكلام والقيل والقال، ونهمل الأصل والغاية والحقيقة، وهي العمل. يقول الإمام القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو أحد فقهاء السبعة، فقهاء المدينة: «أدركت الناس وما يعجبهم القول، ولكن يعجبهم العمل». أدركت الناس وما يعجبهم القول، ولكن يعجبهم العمل؛ يعني: عندهم العمل أهم من القول، وكثرة الكلام. ما فائدة أن تتكلم الكلام الكثير، ثم في العمل أنت على خلاف ذلك؟ تنصح الناس بر الوالدين، ثم أنت عاق والديك. تتكلم في حسن الجوار، ثم أدنى مشكلة بينك وبين جارك، فإذا أنت من أشد الناس إساءة للجوار. تتكلم في حسن التعامل في البيع والشراء، وإذا جئت إلى العمل فأنت من أسوأ الناس معاملة. تنصح بحسن المعاشرة بين الرجل وأهله، وإذا أنت من أشد الناس معاملة سيئة لأهلك. وقس على ذلك. ينبغي أن يكون العمل هو الأهم. ولا يعني أن يهتم المرء أو يظن أن كثرة الكلام تدل على كثرة العلم، لا، ليس كل من كثر كلامه كثر علمه. ليس كل من كثر كلامه كثر علمه. وإنما يزداد المرء علما ومنزلة ورفعة ونفعا بالعمل، بالعمل. ولهذا ذكر الإمام ابن رجب رحمه الله، في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف»: أن أبا بكر رضي الله عنه أعلم الصحابة، مع أنه في الحديث أقل، أقل من صغار الصحابة، أقل من ابن عمر وأبي سعيد الخدري وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. هل يدل هذا على أنهم أفضل منه؟ الجواب: لا، أبو بكر أعلم وأفضل. وهكذا أيضا: كلام الصحابة أقل من كلام التابعين، مع أن الصحابة أعلم. وكلام التابعين أقل من كلام أتباع التابعين، فهم أعلم. وهكذا قس. إذا ليس العبرة بكثرة الكلام، كما أن العبرة هو بالعمل والتطبيق. ينبغي أن نهتم بهذا الأمر: العمل بالعلم. نحرص على أن نعمل بما علمنا، كلما من الله عز وجل علينا بعلم، أن نحدث له عملا. يقول أيوب بن أبي تميم السخياني رحمه الله: قال لي أبو قلابة، وهو الإمام عبد الله بن زيد الجرمي رحمه الله: «قال لي: يا أيوب، إذا أحدث الله لك علما فأحدث له عبادة، ولا يكن همك أن تحدث به». قال: «يا أيوب، إذا أحدث الله لك علما فأحدث له عبادة؛ يعني: احرص على العمل بهذا العلم، والتقرب إلى الله عز وجل به. لا يكن همك أن تحدث وأن تقول وأن تتكلم، وإنما اجعل همك هو العمل». انظر كيف يربي السلف التلاميذ والطلاب على العمل بالعلم، أن يكون هذا هو الهم والمقصد والغاية، أن يحرص على العمل بالعلم. يقول إمام وكيع بن الجراح رحمه الله: «كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به، وعلى طلبه بالصوم». كنا نستعين على العمل بالحديث، على حفظ الحديث بالعمل به، ونستعين على طلبه بالصوم، أي: بالعبادة والطاعة. نحفظ الحديث بالعمل به: حفظ حديث من أذكار الصباح والمساء، فأتي به، اعمل به، اذكره كل صباح ومساء، ما ستنساه، سيثبت. حفظت أذكار النوم، فأتي بها عند النوم، وهكذا أذكار الاستيقاظ، فأتي بها. ستثبت. حفظت أذكار ما يقال بعد الأذان، فأتي به، وهكذا. كلما حفظت حديثا وتعلمت علما، عرفت عبادة وطاعة فيها أجر وثواب، اعمل بها، احرص على أن تعمل بها حتى تنال الأجر والثواب، ولو مرة. يعني: لو علمت عبادة أو طاعة أو ذكر فيه أجر وثواب، فاحرص أن تعمل به، ولو مرة. وإن استمررت فهذا أفضل وأكمل. يعني: لابد أن تهتم بالعمل بالعلم. يقول الإمام المروزي رحمه الله: قال لي أحمد، أحمد بن حنبل الإمام، أهل السنة والجماعة: «ما كتبت حديثا - أي: بكتابه المسند - إلا عملت به». حرص على العمل بالعلم. قال: «ما كتبت حديثا إلا عملت به»، حتى مر به أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام دينارا، قال: «فاحتجمت وأعطيت الحجام دينارا». تعرفون الدينار من الذهب؛ أربع جرامات، ربع من الذهب، كم تساوي اليوم؟ مبلغ كبير. ومع ذلك أراد أن يعمل بما علم، وأن يختفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فعمل بذلك رحمه الله. حرص على العمل بالعلم. وهكذا ينبغي أن نحرص على العمل بهذا العلم، إن أردنا أن ننتفع، إن أردنا أن ننتفع بهذا العلم في الدنيا وفي الآخرة. فنحرص على العمل به، أن يكون لهذا العلم أثر في قلوبنا، في جوارحنا، في أعمالنا وأفعالنا، في مدخلنا ومخرجنا، في سائر حياتنا. وبذلك ننتفع بهذه العبادة العظيمة، هذه العبادة والطاعة المباركة، التي هي من الطرق الموصلة إلى الجنة. قال نبي عليه الصلاة والسلام: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة». رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وأنت أيها المسلم، يا طالب العلم، يا من وفقك الله عز وجل للجلوس في هذه الدار المباركة، احرص على تحصيل العلم والتزود منه، والاستفادة ممن عندك من العلماء والمشايخ وطلاب العلم. هذه نعمة عظيمة، قبل أن تحرمها، قبل أن تذهب عنك أو قبل تذهب زوالها وذهابها عنك. يقول الإمام الحبر عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، كما ذكر الإمام المروزي رحمه الله في كتابه «السنة»: «عليكم بالعلم قبل أن يذهب، وإن ذهابه بذهاب حملته». عليكم بالعلم، فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج الناس إليه. ينصح ويحث رضي الله تعالى عنه على أخذ العلم من أهله، قبل ذهابهم وذهاب العلم بذهاب حملته، بذهاب أهل العلم. إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام، في حديث عبد الله بن عمر. فذهاب العلم بقبض العلماء، وذهاب أهله وحملته. وكم فقدنا من العلماء في هذه السنوات؟ نحن نفقد العالم العالم الواحد بعد الآخر. إذا ذهب هؤلاء العلماء، ذهب العلم معهم. إن لم نقتبس منهم العلم ونستفيد منهم، حرمنا هذا الخير العظيم. وهكذا يقول الإمام الزهري رحمه الله: «إن للعلم غوائل». قالوا: «من غوائله أن يترك العالم، أن يترك العالم لا يأخذ منه العلم». ومن غوائله: النسيان. ومن غوائله: الكذب فيه، وهو شر غوائله. إذا ترك العالم وعدم أخذ العلم، هذا من غوائل العلم التي بها يذهب العلم ويزول. وأنت ينبغي أن تكون عندك همة عالية ونظر بعيد. لا تقول: «اليوم ما يحتاج الناس إلينا، فلان وفلان وفلان من علماء وطلاب العلم البارزين». من أكون أنا حتى أهتم بالعلم؟ وماذا سيحتاج الناس إلي؟ الجواب: سيحتاج الناس إليك في المستقبل. تهيئ نفسك لهذا الأمر. هيئ نفسك أن تكون عالما مع علماء المسلمين. كن ذا همة عالية، ولا تكن ذا همة دنيئة. قد هيئوك لأمر لو فطنت له؛ فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل. لا تكن عندك همة خسيسة ضعيفة. لا، انظر إلى المستقبل. كن ممن يرغب أن يكون عالما مع علماء المسلمين. نعم، اليوم قد يوجد من يكفيك في الخطابة وفي التدريس وفي التعليم وفي الفتوى. لكن قد يأتي اليوم الذي يحتاج الناس فيه إلى علمك. فهيئ نفسك لذلك. انظر إلى قصة ابن عباس رضي الله تعالى عنه، عندما مع صاحبه الأنصاري، لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، والتف الناس عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمون منهم. قال ابن عباس لصاحبه الأنصاري: «فلنذهب ونجلس عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام». فقال له: «يا ابن عباس، أتظن أن الناس يحتاجون إليك، وفيهم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟!» يعني: كبار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فترك هذا الأنصاري، وأقبل ابن عباس على مجالس العلم يتعلم ويتفقه، حتى مرت الأشهر والسنون، وإذا الأنصاري يرى ابن عباس وقد التف الناس حوله يتعلمون منه ويأخذون منه العلم ويستفتونه. فقال: «لقد كان هذا الفتى أعقل مني». يقول لهذا: قال ابن مسعود كما سمعنا: «فإما أحدكم لا يدري متى يفتقر الناس إلى ما عنده». قد يأتي هذا اليوم. فلذلك ينبغي أن تهيئ نفسك، ما دمت قد وفقت لطلب العلم والجلوس في دور العلم، فلا تضيع وقتك في القيل والقال واللعب واللهو وإشغال نفسك بما لا ينفع. بل أقبل على أخذ العلم، على تحصيله، على حفظ كتاب الله، وحفظ سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، والإقبال على طلب العلوم بالجد وتفقه فيها، مع إخلاص النية والحرص على العمل بهذا العلم. فقد يأتي اليوم الذي يحتاج الناس فيه إلى علمك. كان عروة بن الزبير رحمه الله يقول لأبنائه: «يا أبنائي، أنتم اليوم صغار قوم، وغدا كبارهم». انظروا كيف يرفع همتهم حتى يهتموا بأخذ العلم، وتكون عندهم النظرة البعيدة. يقول: «أنتم اليوم صغار قوم، ما يحتاج الناس إليكم. لكن في المستقبل ستكونون كبار قوم، فهيئوا أنفسكم لذلك». هيئوا أنفسكم لذلك. هذا ينبغي أن تكون، يا طالب العلم، احرص على استغلال هذه النعمة وهذه الفرصة التي وفقك الله جل وعلا لها. أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ونسأله سبحانه أن يجعل ما قلناه حجة لنا لا علينا، وأن يوفقنا جل وعلا للعمل بالعلم، ويجعله حجة لنا لا علينا. وأسأله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعا مرحوما، وتفرقنا من بعده تفرقا معصوما، وأن لا يجعل فينا ولا معنا شقيا ولا محروما. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله.