فضائل وفتوحات بيت المقدس

المحاضرة بعنوان فضائل وفتوحات بيت المقدس، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 26 ربيع الآخر 1445هـ الموافق 10 نوفمبر 2023م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضائل بيت المقدس والمسجد الأقصى ومكانته في الإسلام

تتناول المحاضرة فضائل بيت المقدس ومسجد الأقصى مبينة قدسيته منذ عهد الأنبياء وكونه ثاني مسجد وضع في الأرض ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم. كما تستعرض مكانته كثالث المساجد التي تُشد إليها الرحال وأول القبلتين ومضاعفة الصلاة فيه وحمايته من الدجال.

تاريخ فتح بيت المقدس من يوشع بن نون إلى صلاح الدين الأيوبي

يسرد المقطع قصة رفض بني إسرائيل دخول الأرض المقدسة وتيهم أربعين سنة ثم فتح يوشع بن نون لها بدعاء حبس الشمس. ويذكر فتح عمر بن الخطاب لها صلحاً في السنة السادسة عشرة للهجرة ثم استرداد صلاح الدين الأيوبي لها من الصليبيين بعد 92 سنة.

خيانة الروافض التاريخية وحكمة صلاح الدين في قتالهم قبل الصليبيين

يستعرض المقطع تاريخ خيانة الروافض لأهل السنة منذ سقوط بغداد على يد التتار مروراً بإعانتهم للغزاة في العراق وسوريا. ويبين حكمة صلاح الدين الأيوبي في البدء بإسقاط الدولة الفاطمية الرافضية قبل قتال الصليبيين محذراً من غدرهم.

تربية المماليك البحرية ودور شجرة الدر في انتصار المنصورة

أدرك نجم الدين أيوب ضعف المسلمين فاشترى المماليك صغاراً ورباهم على القرآن والطاعة وفنون القتال فصاروا المماليك البحرية. وعند مهاجمته الصليبيين أخفت زوجته شجرة الدر خبر موته وأدارة المعركة بذكاء محققة انتصاراً عظيماً في المنصورة وأسر ملكهم لويس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد سمعتم وقرأتم بعنوان المحاضرة أنها في فضائل فتوحات بيت المقدس. وبيت المقدس يطلق على المسجد وعلى المنطقة كلها، أي القدس. وهذه المنطقة قد قدسها الله عز وجل وعظمها، وهي مهبط أنبياء بني إسرائيل، وكذلك أرضهم، وخاصة من زمن سليمان إلى عيسى عليه السلام. فلهذا حصلت الصراعات الكبيرة في هذه المنطقة، صراعات حصلت، وصراعات حصلت: أولاً كانت بين اليهود، وقبل ذلك كانت بين العمالقة وبني إسرائيل وأنبيائهم، ثم بين اليهود والنصارى، إلى أن أخذ النصارى بيت المقدس، ثم بعد ذلك فتح في الإسلام، كما إن شاء الله ستسمعون في المحاضر. وهذا إن دل على شيء يدل على عظمة هذا المكان الذي حصلت فيه مثل هذه الصراعات بين الحق والباطل، وأخذه أهل الحق أكثر من أخذه. وبني هذا المسجد في زمن نبي الله سليمان، قيل أنه بناه كما جاء في الحديث بناء تأسيس، وقيل أنه تجديد. وهذا البيت هو مسرى، مسرى رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، وهذا أيضًا يدل على تشريفه وتعظيمه. وكذلك أيضًا قد كان النبي عليه الصلاة والسلام صلى ستة عشر شهرًا إلى بيت المقدس، وهذا كله يدل على عظمة هذا المكان. وكذلك قد جاء في الأحاديث الصحيحة أن نبي الله يوسف أوصى أن يحمل جسده إلى الأرض المقدسة، أن يحمل جسده إلى الأرض المقدسة، فلهذا أراد موسى أن يأخذ جسده ويدخله كما أوصى نبي الله يوسف. وكذلك لما حصل التيه لبني إسرائيل في عهد موسى، فبعد ذلك، بعد موت موسى، فتح تلك الأرض يوشع بن نون عليه السلام، ودخل فيها وفتحها. وهكذا حصل بعد ذلك، بعد موته، صراعًا، وأخذها العمالقة، ثم جاء في زمن داود، ودخل الأنبياء وأتباع الأنبياء إلى هذه الأرض، ثم حكمها نبي الله سليمان، إلى غير ذلك مما حصل في تلك العهود. ثم أيضًا حصل في زمن الإسلام أشياء من هذا، وفتح بيت المقدس أكثر من مرة، وإن شاء الله تعالى ستسمعون من الشيخ أبي يوسف حفظه الله عبد المجيد في هذه المحاضرة عن فضائل هذه الفتوحات التي حصلت في بيت المقدس. نسأل الله عز وجل أن يوفقه وأن يسدد قوله، ونسأله سبحانه وتعالى أن يأجر الجميع على استماعهم وعلى إنصاتهم، ونسأله سبحانه وتعالى أن نكون ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. والحمد لله رب العالمين، والمحاضرة بعد ركعتين سنة، وجزاكم الله خيرًا. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء المبارك وهذا المجلس الطيب في بيتٍ من بيوت الله، نتذاكر شيئًا من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ننتفع به بإذن الله جل وعلا في ديننا ودنيانا وأخرانا. وشكر الله لأخينا الشيخ بهمام، حفظه الله وسدد الله على الدرب خطاه، حسن ترحيبه بأخوانه، ونسأل الله جل وعلا أن ينالنا وإياكم التوفيق والسداد. وقد سمعتم، حفظكم الله، أن هذه المحاضرة بعنوان: من فضائل فتوحات بيت المقدس. نتذاكر شيئًا من فضائل المسجد الأقصى، وكذلك شيئًا من أشهر فتوحاته، مما يحسن بالمسلم أن يتعرف عليه وأن يقف على أخباره، ليعلم عظم هذا البيت عند الله سبحانه وتعالى وعند أهل الإسلام. فالله جل وعلا يخلق ما يشاء ويختار، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. الله عز وجل خلق الشهور وفضل بعضها على بعض، كما فضل شهر رمضان على سائر الشهور، ففرض صيامه، وفضل شهر ذي الحجة على غيره، ففرض فيه الحج، وفضل عز وجل الأشهر الحرم، فجعلها محرمة. وهكذا خلق الله جل وعلا الأيام والليالي وفضل بعضها على بعض، ففضل يوم الجمعة ويوم عرفة وأيام التشريق وأيام العشر على غيرها من الأيام، وفضل ليلة القدر على غيرها من الليالي، وثلث الأخير من الليل على سائر الليل. وخلق جل وعلا البشر وفاضل بينهم، ففضل أهل الإيمان على أهل الكفر، وأهل البر على أهل الفجور، والأنبياء والرسل على غيرهم من البشر، وفضل نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام على غيره من الأنبياء والرسل. وهكذا خلق الله جل وعلا البقاع وفضل بعضها على بعض، ففضل جزيرة العرب بمكة والمدينة وما فيهما من أرض الحرمين والمسجدين المقدسين، وفضل الشام بما فيها فلسطين، وفلسطين بما فيها بيت المقدس، وبيت المقدس بما فيها المسجد الأقصى الذي بناه سليمان ابن داود عليهما السلام. وهكذا فالله جل وعلا يفضل ما يشاء سبحانه وتعالى. وهذا المسجد، المسجد الأقصى، له فضائل عظيمة، وقد سمعتم شيئًا منها في مقدمة أخينا شيخ بهمام، حفظه الله. فإن المسجد الأقصى هو ثاني المساجد التي وضعت في هذه الأرض بعد المسجد الحرام. ففي صحيح البخاري عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي المساجد وضع أول؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة». أربعون سنة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى. وهكذا أيضًا أخبر ربنا سبحانه وتعالى بمسرى نبينا عليه الصلاة والسلام إلى هذا المسجد، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، للدلالة على عظيم فضله وعظيم منزلته. ما اختار الله جل وعلا لإسراء نبيه عليه الصلاة والسلام إلا هذا المسجد، لأنه كما سمعتم هو ثاني المساجد بعد المسجد الحرام، وهو أيضًا معدن الأنبياء من لدن إبراهيم عليه السلام، وممن بعده من أنبياء بني إسرائيل. ولهذا أسري بالنبي عليه الصلاة والسلام إلى المسجد الأقصى، وجمع له الأنبياء وصلى بهم عليه الصلاة والسلام، ثم كان عروجه إلى السماء. هذا كله يدلنا على فضيلة هذا البيت العظيم. وكذلك قال ربنا جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. أخبر الله جل وعلا أنه بارك بما حول هذا البيت، ولهذا وصفها الله جل وعلا بأنها أرض مقدسة، كما أخبر الله عز وجل عن موسى عليه السلام حين قال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فسماها مقدسة، أي مطهرة معظمة. ولذلك كان من بركة هذا المسجد، كما سمعتم، أن الشرع أجاز شد الرحال إليه وقصده بالعبادة والصلاة. قال النبي صلى الله عليه وسلم، بحديث أبي سعيد في الصحيحين: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد هذا». لا يجوز لمسلم أن يشد رحله وأن يعزم على السفر وأن يسافر لأجل عبادة وصلاة في بقعة من البقاع إلا هذه الثلاثة المساجد. إذن هو ثالث المساجد التي أذن الشرع بشد الرحل إليه للصلاة فيه وقصده بالعبادة. لماذا؟ لعظيم منزلته عند الله سبحانه وتعالى. والصلاة فيه مضاعفة، كما أن الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي مضاعفة. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي بألف صلاة، كذلك أخبر بمضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى. وورد في ذلك ما يدل على أنها الصلاة في المسجد الأقصى بمئتين وخمسين صلاة فيما سواها من المساجد، وورد ما يدل على أنها بخمسمائة صلاة، وورد ما يدل على أنها بألف صلاة. وشيخ الألباني رحمه الله يقول: لعله كان في أول الأمر بمئتين وخمسين صلاة، ثم ضوعفت إلى خمسمائة صلاة، ثم ضوعفت إلى ألف صلاة، والله أعلم، والله أعلم، يعني بأيها يكون أثبت. على كل، فالصلاة فيه مضاعفة بلا شك، وهذا من بركة هذا المسجد المبارك. كذلك أيضًا أن من قصده، من رحل إليه لقصد الصلاة فيه لا يريد شيئًا آخر، فإنه بإذن الله جل وعلا يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه. جاء عند أبي داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس، دعا الله جل وعلا بثلاث دعوات: فسأل الله عز وجل حكمًا يوافق حكمه، وسأل الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وسأل الله جل وعلا أن من أتى إلى هذا المسجد لا يريد إلا الصلاة، إلا رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما الأثنتان الأوليتان فقد أعطيهما، وأما الثالثة فإني أرجو أن يكون قد أعطيها، فإني أرجو أن يكون قد أعطيها». حتى ذكر أن ابن عمر رضي الله عنهما، لما فتح بيت المقدس، كان يذهب للصلاة فيه ولا يشرب فيه ماء حتى ينال هذه الفضيلة العظيمة. وكذلك أيضًا أن المسجد الأقصى كان أولى القبلتين، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في أول الأمر يصلي إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا عليه الصلاة والسلام، حتى نزل قول الله عز وجل: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. وهذا بالصحيح من حديث البراء ابن عازب رضي الله عنه، وجاء عن ابن عباس وعن غيرهما من الصحابة. وكذلك أيضًا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدجال لا يدخل أربعة مساجد يوم أن يخرج في فتنته العظيمة المشهورة في حديث النبي عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان، وأنه يدور الأرض في أربعين يومًا ولا يدع بقعة إلا دخلها إلا أربعة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، والطور، كما جاء في الحديث عند أهل السنن، حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وكذلك أيضًا أن عيسى عليه السلام في آخر الزمان، يوم أن ينزل، فإنه يصلي بالمسلمين في المسجد الأقصى، ثم يخرج بعد ذلك فيقتل الدجال، يدركه عند باب لد، لما يفتح المسلمون الباب، فيمرهم عيسى عليه السلام بذلك، فيرى الدجال ومعه سبعون ألف من يهود أصبهان، فيهرب ويكاد أن يذوب كما يذوب الماء في الملح، والرصاص في النار، فيقول: «إن لي فيك ضربة لا أخطئها»، فيرميه بالرمح فيقتله عند باب لد. جاء أيضًا في الصحيحين، المسندين، في مسلم. وباب لد هي قرية قريبة من بيت المقدس من أرض فلسطين. إذن هذا المسجد مسجد مبارك، ومسجد من مساجد أهل الإسلام المعظمة. هذا المسجد، عباد الله، كما سمعتم، لعله من أكثر المساجد التي وقع فيها النزاع والخصام والقتال بين أهل الحق وأهل الباطل، وبين أهل التوحيد وأهل الشرك. وذلك أن أولى الناس به هم أهل التوحيد في كل زمان، في كل زمان. ولذلك لما كان هذا المسجد مع أهل الإيمان في زمن سليمان عليه السلام، وأهل التوحيد في ذلك الوقت، بقي معهم حتى حصل التغيير والتبديل، واستولى عليه من لا يستحق أن يكون بيده من أهل الكفر. أمر الله جل وعلا بتحريره وبأخذه ورده إلى أهل الإيمان والتوحيد. ومن أشر ذلك ما أخبر الله جل وعلا عن نبيه موسى عليه السلام، حين أمره الله جل وعلا أن يأمر من معه من بني إسرائيل بفتح هذا المسجد المبارك، حين تسلط عليه أهل الكفر. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، يذكرهم بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم وبما فضله الله جل وعلا لهم على غيرهم. ثم قال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. أمرهم بفتح بيت المقدس، وأخبر بأنها أرض مقدسة لا ينبغي أن تكون بيد أهل الشرك والكفر، وقد كتبها الله جل وعلا لكم، فأنتم أحق بها. طبعًا ليس معنى هذا أن اليهود في كل زمان هم أحق به، لا. ولهذا ما يبثه بعض اليهود والكفار أنهم أولى ببيت المقدس وبالمسجد الأقصى من غيرهم، وأن هذا البيت لهم، وأن المسلمين أخذوه منهم بالقوة، هذه شبهة باطلة. لأن أمر الله جل وعلا لموسى أن يأمر من معه بفتح بيت المقدس كان مع من؟ هل كان مع اليهود؟ الجواب: لا. بل هم الآن المأمورون بفتحه وتطهيره. وإنما كما سمعتم، الأولى به هم أهل التوحيد، هم أهل التوحيد. لما كان في ذلك الوقت من كان من بني إسرائيل على التوحيد والإيمان، مكنهم الله سبحانه وتعالى منه، وصلطهم، أو نقول جعله الله سبحانه وتعالى بأيديهم، لأن أولى الناس به هم أهل التوحيد. فأمرهم موسى عليه السلام بتطهير هذا البيت، وأن لا يرتدوا، أن يرجعوا ويمتنعوا فيكونوا خاسرين خائبين. إلا أنهم، وللأسف، خذلوا نبي الله موسى عليه السلام، كعادتهم في غالب أحوالهم وأذيتهم لأنبياء الله سبحانه وتعالى. فبنو إسرائيل من اليهود، أهل مكر وأهل عناد وشقاق وعتو ونفور واستكبار، وكذلك عدم استجابة لأنبياء الله سبحانه وتعالى، بل هم كما تعلمون أعداء الله وأعداء رسله وأنبيائه، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. فحينئذ خذلوا موسى عليه السلام، قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. قالوا: ما نقاتل فيها قوم جبارين، أهل قوة وجبروت، ما عندنا يعني قدر على قتالهم، ضعف وخور وجبن، إذا خرجوا منا سندخل، أما ندخلها بقتال فلا. قال رجلان من الذين يخافون، أنعم الله عليهما، قيل أنهما من أهل بيت المقدس ممن آمن بموسى عليه السلام: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قالوا: لا تخافوا من أجسادهم ومظاهرهم، فليس عندهم من القوة وكذلك الشجاعة ما يمنع، ما يستطيع أن يمنعوكم من دخوله. إلا أنهم أصروا على المنع، قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. فما كان من موسى عليه السلام إلا أن اعتذر لربه جل وعلا، قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. حكم عليهم بالتيه، لأنهم خرجوا عن طاعة الله وعن طاعة نبيه موسى عليه السلام. فهنا قضى الله عز وجل على بني إسرائيل بالتيه أربعين سنة عقوبة، يتيهون في الأرض لا يدرون أين يذهبون، ينتقلون من مكان إلى مكان، لا يقر لهم قرار. قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. وفي هذه الفترة مات موسى عليه السلام، بعد مضي هذه الفترة، وجعل الله عز وجل النبوة ليوشع بن نون عليه السلام، وأمره الله جل وعلا بفتح بيت المقدس. فاستجاب لأمر الله، وأمر من كان معه ممن كان أهلا لذلك من بني إسرائيل، واستعان بالله جل وعلا على تطهير بيت المقدس ممن تسلط عليه من أهل الكفر. ولما أراد فتحه، وكان ذلك قرب غروب الشمس في وقت العصر، خاطب الشمس فقال: «إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا». فحبست، أي أوقف الله سبحانه وتعالى الشمس وأخر غروبها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس لم تحبس لأحد إلا ليوشع، حتى فتح الله عليه». وقبل ذلك، أمر من أراد أن يقاتل معه أن يكون من أهل الإخلاص، ممن لا تعلق له بشيء من أمور الدنيا، كما جاء في الصحيح أنه قال: «لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها، من يريد أن يتزوج قد عقد وأراد الدخول، هذا لا يدخل معي، لا يقاتل معي. ولا رجل ملك خليفات، أي بهائم حوامل، وهو ينتظر أولادها، لأنه سيكون قلبه معلق بها. ولا رجل بنى بيوتًا ينتظر سقوفها». يقول: من عنده شيء من هذه الأمور الدنيا، هذا لا يتبعني ولا يقاتل معي. فأراد أن لا يقاتل معه إلا الخلص من أهل الإيمان، وهؤلاء الذين يفتح الله عز وجل بهم البلاد، ويؤيد الله جل وعلا بهم نصره وتأييده. فحصل النصر ليوشع عليه السلام في فتح بيت المقدس. وحصل بعد ذلك، كما سمعتم، يعني صراعات بين اليهود وبين النصارى، حتى استولى النصارى على بيت المقدس، وبقي في أيديهم نحو من ثلاثمائة سنة، حتى بعث النبي عليه الصلاة والسلام، وأمر الله عز وجل نبيه بفتح هذا البيت وإعادته إلى حضيرة أهل التوحيد. ولذلك بشر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح بيت المقدس، في حديث عوف بن مالك في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «أعد ستًا بين يدي الساعة: موتي، وفتح بيت المقدس». قال هذا النبي عليه الصلاة والسلام، وبيت المقدس بيد النصارى. فكان أول فتح في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه. فعمر رضي الله عنه بعث الجيوش لقتال النصارى وتحرير بيت المقدس من أيديهم، وكان أميرهم أبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه، أمين هذه الأمة، ومعه غيرهم يقدهم كخالد بن الوليد رضي الله عنه وغيره. وعمر رضي الله عنه، لما صار الأمر إليه، عزل خالدًا، وجعل أبا عبيدة بن الجراح أميرًا بدله على كل. فأقدموا يفتحون البلاد ويطهرونها من أهل الشرك والكفر، حتى وصلوا إلى بيت المقدس. وكان من فيها من النصارى متحصنين بالحصون المنيعة، فحاصروهم نحوًا من أربعة أشهر، وهم يقاتلونهم ويناجزونهم، وما استطاعوا فتح بيت المقدس بالقتال، حتى أخبروهم من كان في بيت المقدس من النصارى أنه في كتبهم يجدون أن من يأخذ بيت المقدس من أيديهم رجل من صفته كذا وكذا، وأنه يقال له عمر، وهو خليفة نبيه، ويلقب بالفاروق. لما أخبر قسيسهم أبا عبيدة بن الجراح بذلك، ضحك أبو عبيدة رضي الله عنه، وأخبره بأن هذا هو خليفتهم، قال: «فإذا لا داعي للقتال، وليأتِ، فإن كان على هذه الصفة سلمناه المسجد». وفعلا راسل أبو عبيدة عمر رضي الله عنه، وأخبره بهذا الخبر. فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن رحل من المدينة إلى بيت المقدس ليستلمه من أيدي النصارى، وأقبل رضي الله عنه ومعه بعض بقية من جيش أهل الإسلام، حتى قدم عليهم. ولما نظروا إليه عرفوا صفته، فسلموه بيت المقدس، وفتح صلحًا، وكتب الصلح معهم كما هو معلوم في التاريخ. ففتح بيت المقدس في ذلك التاريخ، وكان ذلك في السنة السادسة عشرة من الهجرة. كان هذا أول فتح لبيت المقدس وللمسجد الأقصى. وصلى عمر رضي الله عنه بالمسلمين فيه، ورحل من رحل من الصحابة إلى بيت المقدس، وجاور فيه من جاور، وكان منهم عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وفيروز الديلمي، وجماعة من الصحابة رضوان الله تعالى عنهم. وبقي بيت المقدس مع أهل الإسلام، حتى حصل بعد ذلك أن سلب هذا المسجد المبارك مرة أخرى بأيدي النصارى، سلب بأيدي النصارى، وبقي في أيديهم نحوًا من 92 سنة، حتى هيأ الله جل وعلا من قام بفتحه وإعادته إلى حوزة أهل الإسلام. فقيض الله جل وعلا لذلك عبده صلاح الدين الأيوبي، صلاح الدين الأيوبي الذي نشأ في دمشق، ثم انتقل إلى مصر، وصارت له القيادة، قيادة الجيوش في ذلك الوقت. انتقل مع عمه، ثم مات عمه، وانتقلت القيادة إليه. وكان في ذلك الوقت مصر بأيدي العبيديين الفاطميين الروافض، وكان ذلك في أواخر ملكهم وإمارتهم. فلما عزم صلاح الدين على فتح بيت المقدس، وهمه أمره وكونه بيد النصارى، عزم على فتحه وتطهيره، إلا أن أول ما واجاه من الخطورة وجود هؤلاء العبيديون الفاطميون الروافض. لماذا؟ لأنهم حرب على أهل الإسلام، وهم كذلك، كما تعلمون، من أشد الطوائف حنقًا على أهل الإسلام، فهم خونة، وكذلك أعوان اليهود والنصارى، كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «الرافضي حمار اليهود، حمار اليهود». نعم، صدق رحمه الله، فهم حمار اليهود الذي عليه يركبون، والعصى التي بها يضربون الإسلام. وما قرأ في تاريخ الروافض يعلم شدة خيانتهم لأهل الإسلام، وعظيم حقدهم وبغضهم على أهل الإسلام. وما سقطت بغداد بيد التتار إلا من أسباب ذلك خيانة الرافضة، الرافضي ابن العلقمي الذي كان وزير المعتصم، وهكذا نصير الدين الطوسي الذي راسل التتار ورغبهم في دخول بغداد، رغبة في الملك ورجوع الدولة الفاطمية، وأن يكون له الأمر، فأرغبه في غزو بلاد أهل الإسلام. وهكذا غرر بالخليفة حتى أنقص من عدد الجند، كانوا مئة ألف، فما زال به حتى أنقصهم إلى عشرة آلاف. ولما قدم التتار بقيادة هولاكو، غرر بالخليفة أن يخرج إليه وأن يصالح، وأنه سيبقيه على بغداد، وخرج بمن معه من وجه البلد علمائها، نحو سبعمائة، فما كان من هولاكو إلا أن قتلهم وسفك دماءهم، ثم تردد في قتل الخليفة، فقال له هذا الخائن: «اقتله ولا يهمك أمره»، فأمر بقتله، حتى إنه قيل قتل رفسًا بالأقدام. ثم دخل التتار بلاد بغداد واستباحوها، حتى قتل مليون من أهل الإسلام، وسُكبت الدماء وسالت في بلاد بغداد، بسبب خيانة هذا الرافضي. وهكذا خيانات كثيرة بين الحين والآخر تراها من هؤلاء الروافض. وأنتم ترون في بلاد العراق ما الذي أعان الأمريكان في دخولها إلا الروافض، وفي سوريا، وهكذا أيضًا في اليمن. فقلنا: الروافض تاريخهم أسود في الخيانات وإعانة اليهود والنصارى على أهل الإسلام. ولهذا لا يغتر بشعاراتهم الزائفة ومسمياتهم الكاذبة، إن تسموا بحزب الله أو بأنصار الله أو بأهل المسيرة القرآنية أو بكذا وكذا من المسميات التي يغررون بها على جهل من أهل الإسلام. وكما قيل: «ألقاب مملكة في غير موضعها، كلهر يحكي انتفاخًا، صولة الأسد». فتاريخهم معروف بالخيانات والمكر والحقد على أهل الإسلام، وما يفعلون. وبين الحين والآخر من إظهار عداوة لليهود، أو أنهم ضربوا، أو أنهم فعلوا، كل ذلك كما يقال: مسرحية، يخدعون بها من يخدعون من أهل الإسلام، ويمهدون لليهود والنصارى ما يريدون. ولهذا كان من الحكمة أن يبدأ بهم قبل أن يبدأ بالنصارى، أي صلاح الدين الأيوبي رحمه الله. ولهذا لما قيل له: «تقاتل العبيديين وتترك النصارى؟» قال: «لا أجعل ظهري مكشوفًا، لأن هؤلاء خونة، ما يتمنون...». ورحم الله الشهيد أبا بكر النابلسي رحمه الله، الذي قال: «يا أهل الإسلام، تسعة أسهم في الروافض، وسهم في الروم، أو في اليهود والنصارى، تسعة أسهم في الروافض، وسهم في الروم». هذه المقالة العظيمة التي قالها حين بدأ الفاطميون في الاستيلاء على مصر، وكان في أول خلافة الخليفة الأول المسمى بالعز أو المعز الفاطمي، قال ذلك تحذيرًا للمسلمين من الروافض، لعلمه بعظيم شرهم. ولأجل هذه المقالة قتل رحمه الله، وسلخ كما تسلخ البهائم. لما جاء هذا المعز الفاطمي الرافض الخبيث، استدعاه، قال: «أنت الذي تقول: تسعة أسهم في الروم وسهم في المصريين، يعني في الفاطميين؟» قال: «لا، ما قلت هذا»، وظن أنه تراجع، وإنما قال: «تسعة أسهم فيكم وسهم في الروم». قال: «ما حملك على هذا؟» قال: «لأنكم غيرتم دين الله، وقتلتم أولياء الله، وفعلتم وفعلتم». فما كان من هذا الرافض الخبيث إلا أن أمر بإشهار أمره في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني أمر بضربه ضربًا شديدًا، وفي اليوم الثالث أمر بأن يسلخ وهو حي. ومن قام بهذا: رجل من اليهود، رجل من اليهود، سلخه وهو حي، وهو يقرأ القرآن، يقرأ القرآن وهو يقوم بسلخه كما تسلخ الشاة، حتى وصل إلى قلبه فطعنه فقتله، رحمه الله. انظر إلى خبث الروافض. فلذلك بدأ صلاح الدين رحمه الله بالقضاء على الفاطميين الروافض، حتى قضى عليهم وصفى مصر منهم، ثم بدأ ينشر المذهب السني، وبنى مدارس الشافعية والمالكية لأجل أن يقضي على التشيع، واستدعى بعض العلماء من دمشق من أهل السنة، ثم توجه إلى قتال النصارى، واستمر في حروب نحو من عشرين سنة، نحو من عشرين سنة وهو في حروب وقتال وفتوحات، حتى وصل إلى بيت المقدس، وحاصر من فيه من النصارى، وكانوا نحو من ستين ألفًا، وشد عليهم الحصار، ورماهم بالمنجنيق، حتى رضوا بأمره والصلح. فأمر بأن يدفع كل رجل منهم عشر دنانير، والنساء خمسة دنانير، والصبيان يدفع كل واحد دينارين، ومن لم يكن معه شيء يمهل أربعين يومًا ثم يخرج. وطهر المسجد الأقصى من أيدي النصارى، وكان ذلك في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة هجرة. ورجع المسجد الأقصى إلى حوزة المسلمين. مات صلاح الدين رحمه الله، وما هي إلا سنوات وتقع خيانة من بعض الأمراء الأيوبيين، وهو من يقال له الناصر الأيوبي، وكان أميرًا على الشام. هذا الناصر الذي كان، الذي ينبغي أن يسمى بالخائن، أراد الاستيلاء على مصر، وكانت مصر في ذلك الوقت أميرها نجم الدين، وهو ابن عمه، نجم الدين الأيوبي. ونجم الدين هذا كان رجلًا صالحًا خيرًا، والناصر هذا همه الملك والرئاسة، همه الملك والرئاسة، يريد أن تضم مصر إلى الشام ويكون هو أميرها، هذا همه، ولو كان على حساب أن يبيع دينه. وهذا مرض فتاك، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». حرص المرء على المال والشرف، الرفع والمنزل والرئاسة، مفسد لصاحبه إفسادًا عظيمًا، كإفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم. فلذلك قام بخيانة عظيمة، وهو أنه لما أراد الاستيلاء على مصر، ما عنده القوة التي بها يقاتل نجم الدين ليستولي على مصر، فماذا فعل؟ ذهب إلى النصارى، وأراد منهم أن يعينوه على قتال نجم الدين، على قتال أخيه المسلم ومن معه، من أجل أن يستولي على مصر، وأن يكون حاكمها. فما كان من النصارى إلا أن قالوا: «نجيبك لذلك، بشرط». قال: «وما هو؟» قالوا: «أن تسلم لنا بيت المقدس، أعطنا المسجد الأقصى، ونحن نقاتل معك». فما كان من هذا الخائن إلا أن سلمه لهم بردًا وسلامًا، كما يقال، في طبق من ذهب، أعطاهم وتنازل لهم عن بيت المقدس. وسقط حينئذ بيت المقدس في أيدي النصارى، واستعان بهم على قتال نجم الدين. نجم الدين الأيوبي رحمه الله، لما بلغه ذلك، ما كان عنده يعني من القوة ومن الجيوش ما يستطيع أن يدفع به هذين الجيشين: جيش الأيوبيين وجيش النصارى. فاستعان بالخوارزميين المشردين، وكانوا يعني مع من يدفع، كما يقال، أكثر، كانوا من يعطيهم المال يعاونوه وقاتلوا معه، يعني يستأجرون. وهذا من ضعف إيمانهم وعقيدتهم. على كل، فهو استعان بهم، وكانوا هؤلاء الخوارزميون قد شردوا بسبب التتار، لأن التتار قد غزوا بلاد بخارى ونيسابور وما حولها، وكانت بيد الخوارزميين، فشردوا، فاستدعاهم. ولما علم بحبهم للمال، مناهم بالمال والغنائم، أن يعطيهم ما يرضيهم، فتجمعوا إليه، وقاتل بهم هذين الجيشين، ونصره الله سبحانه وتعالى عليهم، وأعاد رحمه الله بيت المقدس إلى حوزة المسلمين. لكن نجم الدين ما اكتفى بذلك، وعلم أن المسلمين في ضعف، وفي بعد عن دين الله سبحانه وتعالى، وانهماك في الشهوات وملذات الدنيا، وبعد عن الطاعة والعبادة. وأمثال هؤلاء ما يمكن أن ينصر بهم الدين، الدين، الدين، إنما ينصره من نصر الله جل وعلا، ومن أقام دين الله سبحانه وتعالى، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. وهو يرى ويشاهد ما تتساقط من البلاد على يد التتار المغول، وقد سقطت كثير من البلاد بأيديهم، وهم ينتقلون من بلد إلى آخر، وعازمون على الهجوم والقدوم إلى بلاد الشام. وما بقي من بلاد الإسلام: مصر، والجزيرة، واليمن، وغيرها. وأيضًا يرى ما يقع من خيانات من بعض الأمراء، واستعانتهم بالمغول التتار، هذا يستعين بهم على هؤلاء، وهذا يستعين بهم على أولئك. حتى ذكر أهل التاريخ أن هولاكو لما أراد غزو بغداد، تحركت إليه جيوش من جيوش أهل الإسلام، هل لنصرة أهل بغداد؟ لا، وإنما للقتال مع التتار، للقتال مع التتار. انظروا كيف وصل الحال إلى أهل الإسلام من الضعف والخور، أن يعينوا أهل الكفر على أهل الإسلام. فلما رأى مثل هذا الوضع، هداه الله عز وجل إلى أمر، هداه الله جل وعلا إلى أمر، ألا وهو أن ينشئ جيلًا متربيًا على القرآن، وعلى الطاعة والعبادة. فعمد يشتري المماليك، يشتري ونأس المماليك، وكان يشتريهم وهم أطفال صغار، يشتريهم بالعشرات، يعني بعشرات الآلاف، ثم يدفع بهم إلى من يعلمهم القراءة والكتابة، ثم يدفع بهم إلى من يعلمهم القرآن، حتى يتربوا تربية إيمانية، يتربوا على الطاعة وعلى العبادة وعلى القرآن وعلى الصلاح. ثم لما بلغوا سن الخامسة عشرة، علمهم الفروسية وفنون القتال والرماية، يهيئهم لهذا الأمر العظيم، لحماية هذا الدين وقتال أعداء الإسلام. وكان قد جعل لهم قلعة بجانب قصره، بجانب البحر، حتى سموا بالمماليك البحرية، سموا بالمماليك البحرية. وكان متواضعًا معهم، ربما يأكل معهم أحيانًا ويشرب، ولا يعاملهم كمعاملة الأسياد لمماليكهم، بل يعاملهم كمعاملة الأب لأبنائه، وأشد. فلذلك أحبوه حبًا شديدًا. فحصل أن بعد ذلك أراد النصارى الهجوم على مصر، ومرض نجم الدين، أصيب بمرض السل. ولما اقترب النصارى من بدايات مصر، اجتمعوا إليه القادة، هم الآن أصبحوا مهيئين للقتال والدفاع، وأخبروه بأن العدو قد بلغ بداية مصر، فكيف نصنع؟ فأخبرهم أنه لأجل هذا هيأهم، وكانت هذه التهيئة التي قام بها رحمه الله لها أثر عظيم في الانتصار على المغول التتار وهزيمتهم. قال: «لأجل هذا هيأتكم». فأمر بالخروج للقتال والجهاد، فأخرج رحمه الله على فراشه، ووضع في خيمة، إلا أنه سرعان ما جاءه الموت، وقبض الله جل على روحه وهو في أرض المعركة. ولا شك أن الجيش الإسلامي لو علموا بموت قائدهم، أن هذا مما يصيبهم بسببه الضعف والهزيمة وسقوط المعنويات. فما كان من زوجة نجم الدين، التي يقال لها شجرة الدر، كانت امرأة ذكية، امرأة ذكية، أخفت خبر موته، وقالت: «إن الطبيب منع الدخول عليه، فمن كان له شيء فأنا سأخبره من خلف الخيمة». وبدأت المعركة، وكان قادة الجيش إذا أرادوا شيئًا أتوا إليها فأخبروها، فتذهب إلى الخيمة ثم تعود وتقول: «افعلوا كذا وكذا». فصارت هي من يدير المعركة ويرشدهم، وأرسلت إلى أحد أبناء نجم الدين كان أميرًا على بعض البلاد حتى يأتي. فحصلت هذه المعركة بين المسلمين وبين النصارى، ووقعت الوقعة المشهورة في منطقة المنصورة في مصر، وهزم النصارى هزيمة نكرى، حتى أسر ملكهم، الذي يقال له لويس