أربع إذا كن فيك لم يضرك ما فاتك من الدنيا

أربع إذا كن فيك لم يضرك ما فاتك من الدنيا

المحاضرة بعنوان أربع إذا كن فيك لم يضرك ما فاتك من الدنيا، والتي كانت بمسجد الخير بمنطقة الخزان بالشحر يوم الجمعة 25 محرم 1448هـ الموافق 10 يوليو 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الأمانة: مفهومها الشامل وصورها المتعددة في الشرع

يستعرض المحور معنى الأمانة في الإسلام بوصفها من صفات المؤمنين وعلامة الإيمان، مبيناً أنواعها من فرائض الله وحقوق الناس والودائع وأمانة المؤذن والإمام والمستشار. كما يفصل في صور خيانة الأمانة ككتمان النصح في المشورة، وقتل المستأمن، وإفشاء السر، ونشر أسرار الزوجية، وخيانة الودائع والأموال، مع قصة قاضٍ أكرمه الله برد الأمانة.

الصدق: فضله وثمرته مع الأمانة في الدنيا والآخرة

ينتقل المحور إلى فضيلة الصدق مقرونة بالأمانة، مستعرضاً قصة رجل حفظ أمانة عقد فزوجه الله صاحبته ورزقه خيراً كثيراً، مستدلاً بحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه». ويبين أن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، محذراً من الكذب الذي يهدي إلى الفجور والنار.

حسن الخلق: جوهر الدين وسبيل نيل الجنة بنماذج من السلف

يؤكد المحور أن الصدق منجاة لصاحبه وحسن الخلق هو جوهر الدين وسبيل لبلوغ درجة الصائم القائم ودخول الجنة، بينما سوء الخلق من أكبر أسباب النار. ويضرب أمثلة عملية من سيرة عمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد في العفو والإعتاق، مستدلاً بالآية الكريمة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، ويختم بوصف النبي ﷺ بالخلق العظيم.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. وصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. نحمد الله جل وعلا الذي يسّر لنا هذا اللقاء المبارك وهذا المجلس الطيب في هذه الليلة المباركة بإذن الله، التي نسأل الله جل وعلا خيرها وخير ما فيها، ونعوذ بالله من شرها وشر ما فيها. نتذاكر وإياكم حديثًا من أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام، الذي أوتي جوامع الكلم، وكذلك الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. هذا الحديث الذي هو عنوان هذه المحاضرة رواه الإمام أحمد في مسنده وغيره عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أربع إذا كن فيك فلا يضرك ما فاتك من الدنيا: أربع خصال وأربع خلال، إذا كنت متصفًا بها ومتخلقًا بها وكنت من أهلها، لا يضرك ما فاتك من الدنيا، لا يضرك ما فاتك من الدنيا من كنوز وأموال ومناصب ورئاسة إلى آخر ذلك. إذا كانت عندك هذه الأمور الأربعة فأنت على خير عظيم، بل وأنت بإذن الله من المفلحين الفائزين في الدنيا والآخرة. أنت من المفلحين الفائزين في الدنيا والآخرة». إذن هذه الخصال الأربع خصال عظام وصفات جليلة، حري بالمسلم أن يعلمها وأن يتخلق بها وأن يتصف بها وأن يكون من أهلها. «أربع إذا كن فيك فلا يضرك ما فاتك من الدنيا». ما يضرك ما فاتك من هذه الدنيا؟ فترى ما هذه الخلال وما هذه الصفات؟ قال عليه الصلاة والسلام: «صدق حديث، وأداء أمانة، وحسن خليقة، وعفة في طعمة» أو «عفة طعمة». هذه هي الأربع الصفات والخلال التي من كان من أهلها ما ضره ما فاته في هذه الدنيا. أولها: حفظ أمانة. أن تكون ممن يحفظ الأمانة، والأمانة شأنها عظيم وكذلك منزلتها عظيمة. وربنا عز وجل يقول: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، حبر هذه الأمة: «الأمانة هي الفرائض والواجبات، هي الفرائض والواجبات». فالصلاة أمانة، والصيام أمانة، والزكاة أمانة، والحج والعمرة أمانة، وهكذا سائر ما فرض الله سبحانه وتعالى من الفرائض والواجبات فهي أمانة. من قام بها فقد حافظ على هذه الأمانة، ومن ضيعها فقد ضيع هذه الأمانة. الأمانة وردت في القرآن بمعنى الفرائض والواجبات، كما في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾، أي الفرائض والواجبات. وورد ذكر الأمانة في القرآن بمعنى حفظ الودائع والحقوق، في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. وكذلك ورد حفظ الأمانة بمعنى العفة عن الحرام، وكذلك حفظ الأمانات في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. فحفظ الأمانة شأنها عظيم، هي خصلة من خصال أهل الإيمان، لا يحفظ الأمانة إلا مؤمن. ولهذا لما ذكر الله عز وجل صفات المؤمنين المفلحين في أوائل سورة المؤمنون قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، أي محافظون، لا يضيعون العهود والأمانات. فهذه من صفات أهل الإيمان. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في السنن: «لا إيمان لمن لا أمانة له، لا إيمان لمن لا أمانة له». نفى النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان لمن لا أمانة له، الذي ما عنده أمانة، الذي يضيع الفرائض والواجبات ويضيع حقوق الناس، أموالهم وودائعهم. هذا ضعيف الإيمان، ضعيف الإيمان، يكاد أن يسلب منه الإيمان. ولذلك إذا خلت حفظ الأمانة من قلب العبد كان متصفًا بضد ذلك، وهي صفة من صفات أهل النفاق. فالمنافق هو الذي لا يحفظ الأمانة ولا يراعي الأمانات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر صفات المنافقين: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. «وإذا اؤتمن خان»، خان الأمانة. فالذي يخون الأمانة هذا متصف بصفة من صفات أهل النفاق. المؤمن ما يمكن أن يخون الأمانة، بل يحفظها ويرعاها ويقوم بها ويؤديها على وجهها الأكمل الذي أمر الله جل وعلا به. إذا علمنا أن جميع الفرائض والواجبات من الأمانة، المحافظة على الصلوات وأدائها في أوقاتها في بيوت الله مع الجماعة، هذه أمانة لا بد أن تؤديها وأن تقوم بها وأن تحافظ عليها. فإن ضيعتها كنت مضيعًا لهذه الأمانة. وهكذا كما سمعت سائر الفرائض والواجبات. ومن ذلك أيضًا كذلك ما يتعلق بتربية الأولاد وحسن نشأتهم، هذه أمانة. الأولاد أمانة في أعناق الآباء والأمهات. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راعٍ ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». فالأولاد أمانة في أعناق الآباء وفي أعناق الأمهات، أن يقوموا بتربيتهم وأن يحسنوا رعايتهم. فإذا ضيعوهم، لم يأمروهم بما أمر الله ولم ينهوهم عما نهى الله، ولم يضعوهم في الأماكن التي فيها صلاحهم واستقامتهم، فقد ضيعوا هذه الأمانة. فباب الأمانة واسع، باب الأمانة واسع. من الأمانة ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «المؤذن مؤتمن، والإمام ضامن». رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه. «المؤذن مؤتمن»، مؤتمن على الأذان، على صلاة الناس، فهو يخبر الناس بأن وقت الصلاة قد دخل. هو أمين على الأذان وإعلام الناس بذلك. لو أنه أذن قبل وقت الصلاة، لو أنه أذن قبل وقت الصلاة، كان بهذا خائنًا للناس، لأن من صلى في هذا الوقت الذي أذن فيه صلاته باطلة، صلاته باطلة. إذن لا بد أن يتحرى الوقت الصحيح للصلاة حتى يعلم الناس بذلك، فهو مؤتمن على الأذان. والإمام ضامن، أي لصلاة الناس. كذلك أيضًا ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بالمشورة. في المشورة إذا استشارك مسلم في أمر من الأمور فأنت أمين على هذه المشورة. قال عليه الصلاة والسلام: «المستشار مؤتمن، المستشار مؤتمن». رواه أهل السنن. «المستشار مؤتمن»، أنت مؤتمن على مشورة أخيك المسلم. جاءك إنسان يستشيرك في تجارة يريد أن يقدم عليها، وأنت عندك خبرة، عندك خبرة في البيع والشراء، وتعلم أن دخوله في هذا المشروع سيكون سببًا في خسارته. الواجب عليك أن تبين له وأن ترشده إلى ترك الدخول في هذه الصفقة أو في هذه التجارة، لأن الخسارة يغلب على الظن أنها واقعة وحاصلة. فإذا كتمت ذلك وقلت: «لا بأس، هذا أمر طيب، ادخل وجرب، وإن شاء الله تربح»، وكذا، وأنت تعلم يعني في غالب ظنك أن هذا المشروع خاسر، فأنت خائن، تعتبر خائنًا، لأن هذا الرجل أمنك في هذه المشورة. فأنت لا بد أن تشير عليه بالرشد، أن تشير عليه بالرشد. ولهذا جاء في الحديث الآخر: «أيما مسلم استشار مسلما في أمر فكتم عليه فقد خانه»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، يعني كتم عليه المشورة الحق والصواب والأصلح له، فقد خانه، خانه في هذه المشورة. يأتيك إنسان يستشيرك في الزواج من البيت الفلاني، وأنت تعلم أن أهل هذا البيت والمرأة التي يريدها لا تصلح له، ما عندها دين ولا عندها صلاح ولا عندها استقامة وإلى آخره، ثم تكتم ذلك ولا تبين له، فأنت خائن، أنت خائن في هذه المشورة. إن هذا أيضًا من الأمانة التي ينبغي أن تراعى وينبغي كذلك أن تحفظ، أن لا تضيع. وكذلك أيضًا من الأمور التي ينبغي مراعاة الأمانة فيها ما يتعلق بأمر الدماء، بأمر الدماء. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام لتعلم مدى عظم شأن الأمانة عند الله، قال عليه الصلاة والسلام: «أيما رجل أمن رجلا في دمه، أمن رجلا في دمه، ثم خانه، فقتله، فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا، أنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا». مثلًا: رجل كافر أمنه، أو طلب الأمان من مسلم، طلب الأمان من مسلم، فأمنه. والله عز وجل يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. أمنه، هذا يسمى الكافر المستأمن، الذي يطلب الأمان من أحد من المسلمين. الواجب أن يؤمن، الواجب أن يؤمن، ولا يجوز الغدر به. فإذا غدر به المسلم بعد أن أمنه، قتله، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا». لماذا؟ لأنه خان، هذا المسلم أصبح بهذا خائنًا، خائنًا للأمانة، لا ينبغي له أن يفعل ذلك وأن يخون الأمانة. وكذلك أيضًا لو حدثك إنسان بحديث، هذا الكلام سر بينك وبينه، بينك وبينه، حتى لو لم يقل لك: «هذا الكلام سر»، يحدثك ويلتفت يمينًا وشمالًا، بمعنى ما يريد أحد أن يسمع هذا الكلام، يعتبر هذا الكلام الذي حدثك به أمانة. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا حدث المسلم أخاه بحديث ثم التفت فهي أمانة، فهي أمانة». معنى: يجب عليك أن تحفظ هذا الكلام وأن لا تفشيه وأن لا تبديه لأحد من الناس. فإذا أفشيته وأبديت هذا الكلام كنت خائنًا، خائنًا لهذه الأمانة. أيضًا من الأمانة ما يقع بين الزوجين، ما يقع بين الزوجين من عشرة واستمتاع إلى آخر ذلك، وهذا يعتبر من الأمانة التي يجب حفظها. قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد في الصحيح: «إن شر الناس، إن شر الناس، الرجل يفضي إلى المرأة ثم تفضي إليه فينشر سرها»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام: «الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها». قد يفعل هذا بعض الجهل من الأزواج، قد يكون جاهلًا سفيهًا قليل العقل، ربما يأتي إلى أصحابه ويقول: «فعلت الليلة كذا وكذا وكذا، فعلت بامرأتي كذا وكذا وكذا». هذا ما يجوز، هذه خيانة عظيمة، هذه خيانة عظيمة، أنك تنشر ما يقع بينك وبين زوجتك. هذا لا يجوز، هذا الأمر الذي بينك وبينها يعتبر أمانة، ما يجوز إبداؤه ولا إخبار الناس به. فإذا فعلت هذا فأنت خائن، فأنت خائن. وهكذا العكس، لو أن المرأة كذلك قالت لصواحبها: «فعلت كذا وكذا مع زوجي»، فهي خائنة، هي خائنة، وموعودة بهذا الوعيد الشديد: «إن من شر الناس» أو «أعذب الناس» أو كما قال عليه الصلاة والسلام: «الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها». وربما قد يحصل ذلك بسبب نزاع وشقاق بينه وبين زوجته، فيريد أن ينتقم منها فيبدي ويظهر ما حصل بينه وبينها، وهذا أيضًا لا يجوز، لا يجوز. كذلك حفظ الأمانة: أمانة الأموال والودائع والحقوق، يجب على المسلم أن يكون أمينًا، أن يكون أمينًا. إذا استودع وديعة، وضع عندك إنسان مالًا أو وثيقة أو شيء من الأموال والحقوق، يجب عليك أن تحفظها وأن تؤديها لصاحبها متى ما طلبها منك، متى ما طلبها منك، ولا يجوز لك أن تخونه فيها، لا يجوز لك أن تخونه فيها. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. هذه أمانة يجب عليك أن تؤديها إلى أهلها وأصحابها متى ما طلب صاحبك أو صاحب الأمانة أن تؤديها، عليك أن تؤديها له. واعلم أنك إن حفظت هذه الأمانة لن يضيعك الله سبحانه وتعالى، لن يضيعك الله جل وعلا، بل ربما يعني رجعت هذه الأمانة لك، ربما رجعت هذه الأمانة لك من حيث لا تشعر. ذكر أهل الأدب أن رجلًا كان يعني من أهل الفضل، أهل العفة، وكان قاضيًا، أصابته شدة، أصابته شدة وحاجة، فخرج يبحث عن عمل، فوجد صرة، وجد صرة، ففتحها فإذا فيها عقد ثمين، عقد ثمين. أخذه إلى بيته فرح بذلك، لعلها تكون لقطة لا يعلم صاحبها فينتفع بها. فسمع صاحب هذا العقد وهو ينشد العقد، ينشد وينادي في الناس: «من وجد صرة فيها عقد فله كذا وكذا مكافأة»، في اليوم الأول، ثم اليوم الثاني، ثم اليوم الثالث، وهو يعني بينه وبين نفسه: «هل أسلم هذا العقد، أرجعه لصاحبه، وأنا بحاجة بشدة؟» حتى أخذ هذه الصرة وأتى بها إلى صاحبها، أو قال صاحبها: «تعال هاتي صفات هذه الصرة وصفات هذا العقد»، فأتى بصفاته، قال: «هذه صرتك وهذا عقدك». أراد أن يكافئه ويعطيه كذا وكذا من المال، قال: «أبدًا، لا آخذ شيء»، وهو محتاج، قال: «أبدًا، لا آخذ شيء على حفظ الأمانة». فلم يأخذ شيئًا وتركه وذهب. الرجل إلى بلده، خرج هذا الرجل يبحث عن عمل، ما وجد، اضطر أن يسافر، فصعد سفينة ليسافر إلى بلد أخرى حتى يكتسب شيئًا من المال. وفي أثناء السفر انكفأت السفينة، حصل أن تكسرت أو تحطمت، وغرق من فيها، وسلم هذا الرجل، تعلق بخشبة حتى وصل إلى جزيرة وبلده، بلده، نزل فيها وأتى إلى مسجدها وجلس في المسجد. فلما رآه أهل البلد عنده علم ويحسن القراءة، جعلوه إمامًا، ثم جمعوا أولادهم وجعلوه يدرسهم ويعلمهم، ومكث عندهم فترة، وتيسر لهما، تيسر من المال. ثم قالوا له: «إن عندنا بنتًا يتيمة، فما رأيك لو تزوجت بها وأنت نرى فيك الخير والصلاح وكذا؟» فوافق، تزوج هذه البنت، ودخل عليها، ولما دخل عليها كان ينظر إلى عنقها، ينظر إلى عنقها ولا يلتفت إليها، فرابها ذلك. لما جاء الصباح أخبرت يعني من كان من أهلها أن الرجل ليس له هم إلا أن ينظر بما علق في رقبتها. فلما سألوه عن ذلك: «لماذا كنت تنظر فيما كان معلقًا في رقبة زوجتك؟» ذكر لهم قصة هذا العقد الذي وجده، وإذا به في رقبة زوجته، وأنه قد وجده وأعطاه لصاحبه. فلما سمعوا ذلك كبروا وقالوا: «إن والد هذه المرأة صاحب العقد كان يدعو الله جل وعلا أن يزوج ابنته برجل مثلك، برجل مثلك، لما رأى من أمانتك». فانظروا، ساق الله عز وجل هذا العقد ومالكته له، أصبحت زوجته، وأصبح هذا العقد مع زوجته، ثم رزق منها بأولاد، رزق منها بولدين، ماتت هذه المرأة، وورث هذا الرجل هذا العقد مع ولديه، ثم مات ولداه، ورجع العقد إليه بالورث، بالميراث، وأصبح مالكًا له، أصبح هذا العقد ملكًا له، ثم باعه بعد ذلك بثمن باهظ، وأصبح من الأغنياء. انظروا إلى ماذا، نتيجة حفظ الأمانة. والنبي صلى الله عليه وسلم كذلك أخبرنا بأن من أخذ أموال الناس وهو يريد حفظها ويريد أداءها إلى أصحابها فإن الله يعينه على ذلك: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله». والحديث في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها، يريد أداءها، أمانة وضعت عندك وديعة، قال إنسان: هذه احفظها، أخذتها وأنت في نيتك أنك تريد أن ترجعها لصاحبها، سيؤدي الله عز وجل عنك. أخذت ديونًا من الناس وأنت في نيتك أنك سترجعها لأصحابها، فلا يضيعك الله سبحانه وتعالى، بل يعينك على سداد هذه الديون. ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله». بعض الناس قد يستدين وفي نيته أنه ما يردها، ما سيردها، يريد أن يأكلها ولا يرجعها إلى أصحابها، هذا سيتلفه الله، إما يتلفه في نفسه، يعصر له حادث، مصيبة، مرض، يعاقب على إتلافه لهذا المال، أو ربما كذلك يعني يعاقب بشيء يكون سببًا في ذهاب ماله وخسارته. إذا: من أخذ الأموال يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافًا أتلفه الله. ذكر النبي عليه الصلاة والسلام قصة رجل من بني إسرائيل، وفي البخاري: رجل من بني إسرائيل استدان من رجل دينًا، ألف دينار، ألف دينار من الذهب، يعتبر مبلغًا كبيرًا. طلب هذا الرجل شاهدًا: «ائتني بشاهد». قال: «كفى بالله شهيدًا». قال: «ائتني بكفيل». قال: «كفى بالله كفيلًا». اكفي، إذا الله شاهد وكفيل وضامن في رد هذا الدين، ما أطلب غيره. مرت الأيام وجاء وقت السداد، وقت سداد الدين. خرج الرجل إلى البحر ينظر هل من سفينة يجدها يركبها يذهب إلى صاحب هذا الدين فيعطيه ماله، فلم يجد. خاف أن يتهم بالخيانة، وجد خشبة، أخذها فنقرها، نحت هذه الخشبة، ووضع فيها ألف دينار ورسالة، صحيفة، بعثها إلى صاحب الدين، أنه يعني جهدت أن أجد مركبًا حتى آتيك فلم أجد، ووضع فيها المال، وأحكم إغلاقها، ثم جاء إلى البحر وقال: «اللهم إني كنت استدنت من فلان ألف دينار، فطلب مني شاهدًا فقلت: الله، فرضي بك شهيدًا، ثم طلب مني كفيلًا فقلت: الله، فرضي بك كفيلًا، اللهم إني أستودعك هذه الخشبة»، ورمى بها في البحر. تعرفون البحر كبير وعظيم وواسع، أين طرفه وأين طرف صاحبه؟ المهم، صاحبه كان يخرج كل يوم إلى البحر ينتظر مجيء صاحبه ليسدد له الدين، ما وجد صاحبه. في يوم من الأيام وجد خشبة، أخذها حطبًا لأهله، فقام بشقها، وإذا بالصحيفة والألف دينار، وصلت إلى صاحبها. لن يكتفي صاحب الدين الذي استدان بهذا حتى جاء يوم الأيام، وجد مركبًا، ركبه، وأتى إلى صاحبه الذي استدان منه، ثم اعتذر إليه بأنه كان جاهدًا أن يجد مركبًا حتى يأتيه ويسدد الدين الذي عليه. قال: «هل كنت أرسلت شيئًا؟» قال: «أقول لك، لم أجد مركبًا حتى وجدته وجئت إليك اليوم». فقال: «إن الله قد سدد عنك دينك». انظروا، الخشبة وصلت من ذلك الموضع وخاضت البحار حتى وصلت إلى صاحبها. لهذا صدق النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله». هذه الخصلة الأولى من هذه الخصال العظيمة: حفظ أمانة، أن تكون ممن يحفظ الأمانة. وهذا أمر عظيم، ليس بالأمر الهين، لأن النفوس مجبولة على حب المال والطمع في ذلك، وخاصة إذا كانت الأمانة ثمينة، ثمينة، جواهر أو أموال باهظة أو وثائق أراضي، ربما تضعف النفس فتخون. فإذا حفظت هذه الأمانة دل هذا على إيمانها وعلى خوفها من الله سبحانه وتعالى. الخصلة الثانية: قال عليه الصلاة والسلام: «صدق حديث»، أن تكون ممن يصدق في حديثه. إذا تكلم لا يكذب ولا يتحرى الكذب، بل يتحرى الصدق. الله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، «كونوا مع الصادقين». وقال: ﴿وَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾، الصدق خير لصاحبه. في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». هذا الحديث يحث النبي صلى الله عليه وسلم فيه على الصدق: «عليكم بالصدق»، أي إلزموا، «عليكم» اسم فعل الأمر بمعنى إلزموا، إلزموا الصدق، كونوا من أهله، كونوا من المحافظين عليه، من المتصفين به. «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر». البر اسم جامع لكل خير، اسم جامع لكل خير، يطلق على كل طاعة وكل خير، يقال: هذا من البر. قال الله عز وجل: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. هؤلاء الذين صدقوا، هذه صفاتهم، هذه أخلاقهم، هذا إيمانهم، هذه أعمالهم. انظر: الصدق يهدي إلى البر، يجعلك من أهل البر والطاعة، وإن البر يهدي إلى الجنة، البر يوصلك إلى جنة الله وإلى الفوز بنعيم الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. انظر كيف الصدق يوصلك إلى جنات الله وإلى رضوان الله سبحانه وتعالى. وفي المقابل: الكذب يوصلك إلى الفجور، «وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور». الفجور كلمة جامعة لكل شر، كلمة جامعة لكل شر. «وإن الفجور يهدي إلى النار»، يوصل صاحبه إلى النار والجحيم، عياذًا بالله. «وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». مصيبة عظيمة وخزي وعار أن تكتب عند الله من الكاذبين، تكتب عند الله من الكاذبين. وشرف وعز وكمال أن تكتب عند الله من الصادقين: «وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا». شتان بين الأمرين وبين الصفتين وبين الحالين، أن تكون من الصادقين أو تكون عياذًا بالله من الكاذبين. إذن: تحرص أيها المسلم على لزوم الصدق، عليك بالصدق. كما قال بعض السلف: «عليك بالصدق وإن كنت تظن أنه يضرك فإنه ينفعك، وإياك والكذب وإن كنت تظن أنه ينفعك فإنه يضرك». «عليك بالصدق وإن كنت تظن أنه يضرك فإنه ينفعك، وإياك والكذب وإن كنت تظن أنه ينفعك فإنه يضرك». الصدق نجاة لصاحبه، الصدق نجاة لصاحبه. تعلموا قصة الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. لما صدقوا النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه لم يكن لهم عذر في التخلف، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم، بهجرهم، بهجرهم أربعين يومًا، لا يسلم عليهم، وإذا سلموا ما يرد عليهم السلام، ثم أمرهم بهجر زوجاتهم. أيام عصيبة مرت عليهم بسبب ماذا؟ بسبب صدقهم. ابتلاء وامتحان واختبار من الله. مرت عليهم تلك الأيام، ماذا؟ عصيبة شديدة، حتى نزلت براءتهم بعد ذلك، بعد أربعين يومًا. أنزل الله عز وجل قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. ابتلوا ابتلاءً شديدًا، لكن العاقبة والنهاية أن الله عز وجل أنزل براءتهم، وأنزل فيهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، وجعلهم مثلًا وقدوة يقتدى بهم: «اتقوا الله وكونوا مع الصادقين»، كأمثال هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا في هذه الواقعة، فابتلاهم الله وامتحنهم هذا الامتحان الشديد، ثم كانت لهم الرفعة والمكانة. ذكر الإمام الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء أن جماعة خرجوا على الحجاج بن يوسف، فأمر بالقبض عليهم. تعرفون الحجاج كان شديدًا، يعني كثيرًا سفك الدماء، ما عنده يعني شفق ورحمة في بعض الأحيان. وممن قبض عليهم أو أراد القبض عليهم ابن رجل معروف بالصدق، رجل معروف أنه ما يكذب. فلما أراد القبض عليه قال: «سلوا أباه». قيل له: «إن فلان هذا ما يكذب». فجاءوا إليه، قالوا: «أين ولدك؟» هو يعرف أن الحجاج إذا قبض عليه سيقتله. قال: «ولدي في البيت، ولدي في البيت موجود». فاستغربوا: كيف يدل على موضع ولده وهو يعلم أنه سيذبح، ما سيرحمه الحجاج؟ فلما جيء بأبي إلى الحجاج سأله: «ما حملك على هذا؟» قال: «الصدق، أنا رجل، أنا رجل ما أحب الكذب». فقال الحجاج: «لقد عفوت عنه لصدقك، لقد عفوت عنه». عفى عن ولده لما رأى من صدق أبيه. وكان الحجاج يحب، يحب الأدب والشعر، يعني حسن الأخلاق، ولو في هذا قصص كثيرة، وإن كان أسرف في الدماء، وإن كان قد أسرف في الدماء، عفى الله عنه وتجاوز عنه. فالصدق منجاة لصاحبه في الدنيا وفي الآخرة. فالمسلم يتحرى، يتحرى الصدق، ويعلم أن الصدق سينجيه. أبو جعفر المنصور في زمان الإمام مالك، وكان الخليفة، أراد أن يحمل الناس على موطأ الإمام مالك، أن ينظمهم به ويجعله قانونًا في الدولة. فدعا الإمام مالك، قال: «أريد أن ألزم الناس بكتابك الموطأ، وأجعله قانونًا يلزمون به وبالأخذ بما فيه». ينظر ما هو رأي الإمام مالك. قال إمام مالك: «يا أمير المؤمنين، إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا، ولكل أهل بلد علمهم، فدع الناس وما اختاروا لأنفسهم، لا تلزمهم بكتابي، دع الناس وما اختاروا من العلم». فغضب أبو جعفر المنصور، ثم قال: «ما أردت إلا الحق، وصدقني مالك، ما أردت إلا الحق، وصدقني مالك». فترك ذلك، ولم يعاتب الإمام مالك رحمه الله على ذلك. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الخصلة الثالثة، وهي: «حسن خليقة»، أن تكون عندك أخلاق حسنة. وذلك أن هذا الدين هو دين الأخلاق، هذا الدين دين الأخلاق. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب مدارج السالكين: «الدين كله خلق، الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الدين». كيف لا وربنا عز وجل يقول في نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». رواه أهل السنن عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فما من خلق حسن إلا وجاء الإسلام بالأمر به وفي الترغيب فيه. انظر كم هي الأخلاق التي أمر بها الإسلام: الصدق، الأمانة، صلة الرحم، العفو، الحلم، الأناة، الشجاعة، الكرم. كم ستعدد من الأخلاق مما أمرت به الشريعة؟ ستجد أن الدين كله خلق، الدين كله أخلاق ومعاملة. إذن: حسن الخليقة شأنها عظيم، معناه هو التمسك بالدين والعمل به. معنى ذلك أن تكون متمسكًا بالدين. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا، أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا، الموطؤون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون، ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف». الحديث رواه الطبراني وصحه العلامة الألباني رحمه الله. انظر: «أكمل المؤمنين إيمانًا، أحسنهم أخلاقًا». إذن كلما كان المسلم ذا خلق حسن كلما كان أكمل في الإيمان. «الموطؤون أكنافًا» يعني متواضعون، المتذللون، الذين يألفون ويؤلفون، يألفون الناس ويألفهم الناس، يستطيع أن يتعايش مع الناس بسبب ماذا؟ تواضعه، حسن أخلاقه، حلمه، عنده حلم وأناة وعفو والصفح. «ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف»، الذي ما يألفه الناس ولا يألف الناس، هذا ما في خير، ولو كان صوامًا قوامًا، ولو كان صوامًا قوامًا. لماذا؟ لأن ما عنده أخلاق حسنة، ربما عنده كبر، عنده عجب، عنده غرور، عنده يعني ترفع، ما يعفو ولا يصفح، وإلى آخره، ما يتواضع للناس، هذا صعب أن يعيش الناس معه، هذا سوء الخلق أدى إلى ضعف إيمانه، أدى إلى ضعف إيمانه. وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن المسلم ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم، إن المسلم ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم». الصائم الذي يصوم النهار ويقوم الليل، يبلغ منزلته صاحب الأخلاق الحسنة. قال ابن القيم رحمه الله: «وذلك لأنه يعايش الناس والناس تختلف طبائعهم، فهو يجاهدهم في التعامل معهم، فبلغ درجة الصائم القائم الذي يجاهد نفسه في الصيام وفي القيام». هذه منزلة عظيمة ينالها المسلم بحسن خلقه، أن يبلغ درجة الصائم القائم. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أكثر ما يدخل الناس الجنة حسن الخلق، من أكثر ما يدخل الناس الجنة حسن الخلق، ومن أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج. انظر: حسن الخلق كيف يبلغ بصاحبه أن يكون من أهل الجنان، أن يكون من أهل الجنان، لأنه يتخلق بأخلاق هذا الدين، فيكون عنده من الأخلاق الكريمة ما ربما يكون الواحد منها سببًا لدخوله الجنة، فكيف إذا اجتمعت فيه أخلاق الإسلام كلها: الكرم، الشجاعة، الحلم، الأناة، العفو، الصفح، التواضع، إلى آخر ذلك من أخلاق هذا الدين العظيمة. إذن: حسن الخليقة صفة عظيمة، إذا تحلى بها المسلم لا يضره ما فاته من الدنيا، ما يضره ما فاته من الدنيا، وهو يفعل هذا لله ويريد ما عند الله سبحانه وتعالى. هذا الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، ذكر أن غلامًا له كان يصب له الماء ليتوضأ، يصب له الماء ليتوضأ، فانسكب عليه الماء على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز. فقال من كان حوله: «نعاقبه، نعاقبه على ما فعل». فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «أحسنتم الوضوء»، ثم قال لهذا الغلام: «اذهب فأنت حر لوجه الله»، أعتقه، أعتقه، وعفى عنه وسامحه على ما حصل منه. هذه أخلاق الإسلام. هارون الرشيد ذكر أيضًا عنه: كان أحد غلمانه يصب له الوضوء، فلما انسكب عليه الماء عليه غضب هارون الرشيد، فلما نظر إليه قال له: «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين». ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال: «قد عفونا وأعرضنا عنك، وأنت حر لوجه الله». «خذ العفو»، قال: «عفونا»، «وأمر بالعرف»، قال: «أمرنا بذلك»، «وأعرض عن الجاهلين»، قال: «أنت حر لوجه الله»، وأعتقه لوجه الله. هذه الأخلاق الكريمة والأخلاق الفاضلة التي ينبغي أن يحرص المسلم أن يتخلق بها. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهلها. بل إن نبينا عليه الصلاة والسلام كما أخبر الله عز وجل أنه كان على خلق عظيم، ولو لم يكن من ذلك إلا ما أخبر به أنس بن مالك رضي الله عنه، الذي قال: «خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته: لِمَ