الخطبة بعنوان تذكير المسلم بحديث قد أفلح من أسلم، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 24 جمادى الأولى 1442هـ الموافق 8 يناير 2021م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الخطيب بشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول صفات المفلحين، ويوضح أهمية الإسلام والرضا بما قسمه الله. يُبين أن الإسلام هو أساس الفلاح.
ينبه الخطيب إلى خطورة الاغترار بحضارة الكفار، ويوضح أن رقيهم المادي لا يعني صلاحهم، ويشير إلى أن الدنيا جنة الكافر لكن عاقبته النار.
يُفصّل الخطيب في فضل القناعة وكيف أنها كنز يحقق الإيمان ويجعل المؤمن يعيش عزيزًا مستغنيًا عن الناس، ويحقق مقام الشكر لله.
يختتم الخطيب بخاتمة تتضمن عبارات التسبيح والتحميد والصلاة على النبي، ويؤكد على عظمة الله ووحدانيته.
الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، روى الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، والترمذي، وابن ماجة، والبيهقي، من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه». وجاء عند الترمذي من حديث فضالة بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طوبى لمن هدي إلى الإسلام ورزق كفافًا وقنع». في هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بتحقق الفلاح، «قد أفلح»، كما يقول أهل العربية: «قد» حرف تحقيق، إذا دخل على الفعل الماضي أفاد تحقيق الفعل، «قد أفلح» أي قد تحقق الفلاح، والفلاح هو الفوز والنجاح، الفوز بالمرغوب والنجاة من المرهوب، وأعظم مرغوب يرغب به المسلم هو الفوز بالجنة ونعيمها، وأعظم مرهوب يرغب منه هي النار وجحيمها. قد أفلح، تحقق الفلاح لمن تحققت فيه هذه الصفات وهذه الخلال الثلاث، قد أفلح من أسلم، أسلم لله فكان من أهل الإسلام معتنقًا لهذا الدين العظيم الذي لا يقبل الله جل وعلا دينًا سواه، كما قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، فالدين الذي يرتضيه الله جل وعلا من العباد هو دين الإسلام، من ابتغى دينًا غيره، ومن اعتقد ملة غيره لم يقبل الله ذلك منه، وكان من الخاسرين. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ودينًا نكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أي أي دين يعتقده الإنسان ويدين به غير دين الإسلام، من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو وثنية أو غير ذلك من ملل الكفر، فإنه لن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار»، فلا دين يرضاه الله مما يعتقده العباد ويدينون به إلا دين الإسلام، فهو ناسخ لجميع الأديان السابقة من يهودية ونصرانية وغيرها. قد أفلح من أسلم، من أسلم لله جل وعلا بالتوحيد، وانقاد له بالطاعة، وبرئ من الشرك وأهله، من حقق الإسلام توحيدًا لله جل وعلا، وأتى بمكملات التوحيد من الطاعات والعبادات والفرائض والواجبات، وانتهى عن الشرك بالله جل وعلا وثمراته من المعاصي والذنوب، وكذلك المنهيات والمحرمات، فإنه يكون من المفلحين. هذا الدين، عباد الله، الذي ارتضاه جل وعلا لأهل الإسلام، وامتن به عليهم اليوم: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، ينبغي عليك أيها المسلم أن تحمد الله جل وعلا أن جعلك من أهل هذا الدين، لم يجعلك كافرًا يهوديًا أو نصرانيًا أو غيرها من ملل الكفر، فتكون من الهالكين ومن الخاسرين في الدنيا والآخرة. ألا فلا تغتر أيها المسلم بما عليه أهل الكفر من حضارات زائفة وتقدم ورقي في أمور الدنيا، فهي جنتهم التي يتمتعون فيها، وربنا عز وجل يقول: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾، ويقول: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. نعم، عباد الله، هذا هو حال الكافرين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة، فالدنيا هي جنتهم التي يتمتعون بها، والتي يفعلون فيها ما شاءوا لأنها هي محل متاعهم ومحل ترفهم، ومآلهم وعاقبتهم إلى النار والجحيم، عياذًا بالله. أما المسلم فإنه وإن عاش في الدنيا في سجن وفي ضيق، لا يتحكم إلا بما أمر الشرع، ولا يفعل إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى، فإن العاقبة له في الآخرة بجنة عرضها السماوات والأرض. فاعتز أيها المسلم بهذا الدين الذي أعزك الله جل وعلا به، وانظروا رعاكم الله إلى ما وصل به أولئك الكفار من تلك الحضارات التي يزعمون، ومن تلك الأفعال التي بها يفتخرون، ما وقع منهم في هذه الأيام من حضارة هي انتكاس في الفطر، ويدل كذلك على سخافة في العقول، ما يسمى بالكلاب البشرية. ولعل البعض قد سمع بذلك، إن قومًا من الكفار، وليس بقلة، أحبوا أن يعيشوا حياة الكلاب، أن يعيشوا حياة الكلاب، فيمشون كما تمشي الكلاب، ويأكلون ويشربون كما تفعل الكلاب، بل ويقادون بالسلاسل كما تقاد الكلاب، بل ويوضعون في أقفاص كما يفعل بالكلاب. ولما حصل ذلك منهم وكثر الراغبون في ذلك، أقيمت لهم مصانع تصنع لهم جلودًا وألبسة تشبه جلود الكلاب، بل وجعل لهم مدربون يدربونهم كيف يعيشون وكيف يفعلون وكيف يتحركون كما تفعل الكلاب، حتى بلغ عددهم عشرة آلاف في بريطانيا وحدها. انظر يا عباد الله إلى سخافة عقولهم وانتكاس فطرهم، بل وهم يريدون أن يقيموا مسابقة في أوروبا باسم «مستر أوروبا» لأفضل كلب بشري، أفضل كلب من البشر، كيف يتشبه بالكلاب في حركاته وفي تصرفاته وفي صياحه ونباحه. فانظروا يا عباد الله إلى ما وصل به حالهم، مع ما فيهم من متاع الدنيا وكثرة الأموال، وهكذا ما يعيشون فيه من ترف وإسراف، وكذلك إكثار في الأمور المباحة، ومع ذلك ما وجدوا السعادة ولا وجدوا الراحة حتى آل بهم الأمر أن يعيشوا حياة الكلاب لعلهم يجدون السعادة في ذلك. قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، أي رزقه الله ما يكفيه ويسد حاجته بلا زيادة ولا نقصان، وهو مع ذلك قد قنعه الله بما آتاه، قنعه الله بما آتاه فهو قانع. والقناعة ألا يتشوف إلى ما قد فاته، ويستغني بما عنده، أو أن يرضى بما قسم الله جل وعلا له من الرزق، هذه القناعة، عباد الله، كنز عظيم، إذا حققها المسلم عاش حياة الأغنياء، وفي منازل الملوك والشرفاء. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الغنى بكثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»، رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ليس الغنى بكثرة العرض، أي بكثرة أموال الدنيا ومتاعها، ولكن حقيقة الغنى هي غنى النفس، أن تكون غنيًا في نفسك، قانعًا وراضيًا بما قسم الله لك، فإنك بذلك تعيش حياة الأغنياء. يقول بعض السلف: من باع الحرص بالقناعة حضي بالغنى والمروءة، ويقول ابن الجوزي رحمه الله في كتابه التبصرة: من نزل بساحة القناعة ذاق حلاوة الغنى، أي لذة الغنى التي يجدها في قلبه من اطمئنان القلب ومن راحته وانشراح صدره. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن القناعة كنز عظيم ومقام رفيع وكبير، إذا وفق له العبد فإنه يحقق مقام الزهد والورع، قال بعض السلف: القناعة زهد الأغنياء، وقال بعضهم: منزلة القناعة من الرضا بمنزلة الورع من الزهد. إذا كنت قانعًا أيها المسلم فإنك بذلك تحقق كمال الإيمان وكمال الإسلام، فإن القانع يحقق مقام الإيمان بالقضاء والقدر، ورضاه بما قسم الله جل وعلا له. القانع، عباد الله، يزهد في الدنيا في حطامها وملذاتها وشهواتها، ويرغب فيما عند الله جل وعلا، القانع يبتعد عما حرم الله جل وعلا مما نهى الله عز وجل عنه ورسوله، لرضاه بما قسم الله له. القانع يحب الله جل وعلا، ويحبه الناس، القانع يحقق مقام الشكر لله جل وعلا، فهو شاكر لنعم الله سبحانه، قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة: «كن ورعًا تكن أعبد الناس، وكن قنعًا تكن أشكر الناس»، نعم، القانع يشكر الله على ما أنعم عليه من النعم، لأنه إذا لم يقنع جحد نعمة الله وكفر نعمة الله جل وعلا، ورأى أنه ليس معه شيء ولم يعط شيئًا ولم يتحصل على شيء، فيجحد نعمة الله جل وعلا. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو دونه، فذلك أجدر أن لا يزدري نعمة الله عليه»، أي لا يستحقر نعمة الله، لا تنظر إلى من فوقك، وانظر إلى من هو دونك ومن هو أسفل منك، فبذلك تشكر نعمة الله وتعلم أنك في نعمة عظيمة. ألقى نعم، عباد الله، كما سمعنا، يعيش عزيزًا، يعيش عزيزًا رافع الرأس في مقام الملوك، ولذلك قال الشافعي رحمه الله: إذا ما كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سواء، نعم هذا هو حال القانع. ويقول رحمه الله: رأيت القناعة رأس الغنى فصرت بأذيالها ممتسك، فلا ذا يمر على بابه ولا ذا يران به منهمك، فصرت غنيًا بلا درهم، أمر على الناس مثل الملك، إنها العزة، عزة النفس، يا عباد الله، عزة النفس التي يشرف المؤمن. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث سالم: «عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس»، فإن القانع يكون عزيزًا، يكون عزيزًا لا يذل نفسه، ولا يمد يده إلى الناس، لأنه غني بما أغناه الله جل وعلا به، غني بما أتاه الله سبحانه وتعالى، وما قسم الله جل وعلا له. فهو ينظر إلى ما عند الله، ويريد ما يدخره الله سبحانه وتعالى له، وإذا تعفف واستغنى أغناه الله جل وعلا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي عبد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر»، متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. نعم، عباد الله، من يستغني يغنه الله، إذا استغنيت بما آتاك الله أغناك الله جل وعلا، فلذلك ينبغي عليك أيها المسلم أن تحرص على هذه المقامات العظيمة، وتحقيق ما في هذا الحديث العظيم حتى تكون من المفلحين في الدنيا والآخرة. قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه، أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يوفقنا جل وعلا لما يحب ويرضى. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، اللهم لا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا، اللهم عز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين. اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.