أخلاق المسلم في الشدائد 8

أخلاق المسلم في الشدائد 8

وقفة تدبر وتفكر مع فيروس كورونا.

عبادة التفكر والتأمل في خلق الله وآياته

يبرز المقطع مكانة التفكر كعبادة قلبية صامتة دعا إليها القرآن، مستشهداً بآيات تأمر بالنظر في خلق السماوات والأرض وقصص الأمم السابقة. ويؤكد أن هذا التفكر يثمر العبرة والعظة ويقوي الإيمان بالله.

دعوة الكافرين للتفكر في آيات الكون

تعرض الآيات القرآنية التي تحث الكافرين على النظر في ملكوت السماوات والأرض والتدبر في آيات الله، مبينة غفلتهم عنها. كما تنقل أقوال السلف الصالح عن فضيلة التفكر، مشيرة إلى أن الظواهر الكونية كجائحة كورونا تعد باباً واسعاً للعبادة.

التفكر في آيات الله من خلال جائحة الفيروس

يوضح كيف أن فيروساً غير مرئي، رغم صغره، أرهب العالم وعجز العلم عن السيطرة عليه، داعياً للتأمل في عظمة الله وضعف البشر. وتستدعي الأزمة الخشوع، تقوية الإيمان، والتوبة الصادقة بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله.

دعاء وتوجيهات حول الصبر والأخلاق في الشدائد

يبدأ المقطع بدعاء لله بالهداية والخير، ثم يستشهد بآية تؤكد أن المصائب بإذن الله وأن الإيمان يهدئ القلب. ويذكر الشيخ أبي معاذ أبو بكر باصلعه نموذجاً لأخلاق المسلم في مواجهة الشدائد.

التفريغ النصي الكامل

ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أيها المستمعون الأعزاء، إن من العبادات العظيمة والتي تسمى بالعبادة الصامتة: عبادة التفكر والتأمل في خلق الله عز وجل وفي عظمته وقدرته، وهي عبادة قلبية تحدث في باطن الإنسان ولا تظهر على أفعاله أو أقواله، ولكن لها آثارا نافعة لما فيها من العبرة والعظة. وقد دعا ربنا عباده إلى التفكر في آياته ومخلوقاته، وامتدح من أحيا عبادة التأمل والتفكر في آياته ومخلوقاته، فقال تعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾، وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾، ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾: أي رؤية تفكر وتدبر وعبرة وعظة. وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾. وقد دعا ربنا الكافرين في القرآن للتفكر فيما حولهم من أسرار الكون لعلهم يتعظون ويعودون عن الشرك والكفر، فقال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَن لَّعَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾. وبيّن لنا ربنا في كتابه غفلة الكافرين عن التفكر في آيات الله مع كثرتها ووضوحها، فقال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾. أيها المستمعون الأعزاء، إن سلفنا الصالح كانوا يتعبدون لله عز وجل بهذه العبادة العظيمة الجليلة، فهذا أبو سليمان الداراني رحمه الله يقول: «إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة ولي فيه عبرة». وهكذا يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «إن تأمل ساعة في خلق الله عز وجل وسننه في الكون والشر خير من قيام ليلة كاملة». وكان بشر الحافي يقول: «إن الناس لو تفكروا وتأملوا في عظمة الله عز وجل لم يعصوه». أيها المستمعون الأعزاء، إن لعبادة التفكر أبوابا واسعة ومجالات عدة يمكن للإنسان أن يشغل عقله بالنظر فيها، ومما ينبغي أن نتدبره ونعمل عقولنا بالنظر فيه في هذه الأيام: ذلك الفيروس الذي يسمى بفيروس كورونا. فانظروا يا عباد الله نظر تأمل وتفكر في هذا الفيروس الذي لا يرى بالعين المجردة، إنه مخلوق من خلق الله، وفيه آية من آيات الله، على صغره وضعفه ودقته إلا أنه أرهب العالم أجمع، لم يستطيعوا معرفة حقيقته وكنهه، ولم يستطيعوا إيجاد لقاح له وعلاج له، كل ذلك يا عباد الله يدعونا إلى التفكر والتدبر. هذا الفيروس كم قتل من بشر، وكم أمرض من أصحاء، وكم أوقف من أعمال، وكم دمر من اقتصاد، وكم أغلق من بؤرات الفساد، كل ذلك يحتاج منا إلى وقفة تفكر وتدبر. هذا الفيروس كم أذل من عزيز، وأفقر من غني، وأمرض من صحيح، وقصم من جبار، وحطم من ديار، ألا يدعون ذلك يا عباد الله إلى خشية الله وتعظيمه؟ ألا يدعون يا عباد الله إلى أن يقوى الإيمان في قلوبنا وأن نحقق معنى توحيده والتسليم له؟ فكل الخلق ضعفا أمام قدرة الله وخلقه وتدبيره. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾. ألا يدعو الإنسان إلى ترك التكبر والتمرد على أحكام الله سبحانه وتعالى؟ ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾. ألا تدعون هذه الآية إلى الرجوع إلى الله، إلى الإيمان بالله، إلى التوبة والإنابة والرجعة، والرجعة الصادقة إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام؟ فنسأل الله بمنه وكرمه أن يدلنا على الخير وأن يأخذ بنا وإياكم إلى الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم. من أخلاق المسلم في الشدائد، الشيخ الفاضل أبي معاذ أبو بكر باصلعه، المدرس بدار الحديث بالشحر.