شرح ٣٣ حديثا لأبي القاسم البغوي 12

الدرس في شرح ٣٣ حديثا لأبي القاسم البغوي 12، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

الاقتصاد في المعيشة وفضيلة الكفاف واليد العليا

يستعرض المحور فضيلة الاقتصاد والاعتدال في الإنفاق كما حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم، مبينًا أن الكفاف والقناعة يغنيان عن سؤال الناس، وأن اليد المعطية خير من اليد السائلة، مع الاستدلال بأحاديث صحيحة في الباب.

آداب الإنفاق وأولوياته والحث على الكسب المشروع

يبيّن المحور أولويات الإنفاق في سبيل الله بدءًا بالنفس والعيال ثم الأقارب، مع الحث على القصد في المعيشة والادخار للحاجات والديون، ويؤكد وجوب العمل والاكتساب تعففًا عن السؤال مستشهدًا بعمل الأنبياء، وأن طلب العلم الشرعي سبب للرزق.

مسؤولية المسلم في العمل وعمارة الأرض والدعاء بالتوفيق

يحث المحور على ضرورة اجتهاد المسلم في طلب الرزق الحلال والعمل النافع مستشهدًا بسيرة الأنبياء والصحابة، ويؤكد أن الإسلام ينظم شؤون المعاش داعيًا إلى التكامل المجتمعي لعمارة الأرض، ويختتم بالدعاء بالتوفيق للعاملين في كل المجالات النافعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه من ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن عيسى المخرمي، قال: حدثنا خلاد بن عيسى الصفار، قال: حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الاقتصاد نصف العيش، الاقتصاد نصف العيش». وإسناد هذا الحديث حسن، وقد أخرجه الخطيب في تاريخه، وزاد في آخره: «وحسن الخلق نصف الدين». وهذا الحديث له شاهد ضعيف من حديث ابن عمر، يشهد أيضًا في هذا الباب، وحديث آخر يدل على هذا المعنى المراد، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «الاقتصاد نصف العيش». يعني: من اقتصد في أمره كله فهو بمثابة ذخر له يعيش به في هذه الحياة الدنيا. والنبي عليه الصلاة والسلام قد رغب وحث على الاقتصاد في المعيشة، وترك الإسراف والبذخ. والمسلم تكون حياته الوسط والاعتدال، لا إسراف وتبذير، ولا كذلك تقتير وبخل وشح، وإنما يكون بين بين. وقد جاءت عدة أحاديث في هذا المعنى عن نبينا صلى الله عليه وسلم، منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه». وهذا الحديث أخرجه مسلم. وهنا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «قد أفلح»، يعني: من المفلحين الذي يدخل في دين الإسلام، والذي كذلك يرزق من الله عز وجل كفافًا. قيل في الكفاف: أن تشبع يومًا وتجوع يومًا، وقيل: هو أن يكون عندك قوت يومك، ولا تطمح في الغد، فإن تيسر فلله الحمد، أن يكون عندك قوت ذلك اليوم الذي تعيشه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بات آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». يعني: إذا أنت آمن ومطمئن، وعندك قوت يومك، فهذا كأنما الدنيا كلها عندك، كأنما الدنيا كلها عندك. وهذا حال النبي عليه الصلاة والسلام، أنه ما كان عليه الصلاة والسلام مسرفًا، ولا كذلك عليه الصلاة والسلام عنده المال الوفير الكثير الذي يدخره، وإنما إذا جاء شيء من فضل الله جل وعلا أنفقه في سبيل الله. وقد يبيت عليه الصلاة والسلام طاويًا أيامًا، ويعصب على بطنه الحجر. وربما ادخر شيئًا لأهله، إذا كان شيء عنده في بيت المال يدخر لأهله قوت شهر أو نحوه. والنبي عليه الصلاة والسلام كما تقول عائشة: «يمر الهلال والهلال والهلال، لا يوقد في بيته شيء، لا يوقد في بيته شيء، وما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من بر ولا من خبز ثلاثة أيام انتباعًا»، يعني: متتالية، وإنما يوم هكذا ويوم هكذا. وهذه أيضًا من نعمة الله سبحانه وتعالى وفضله على عباده، والفقر خير له لأنه أقل يوم القيامة في الحساب. وجاء في حديث فضالة بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طوبى لمن هدي للإسلام، وكان عيشه كفافًا، وقنع». رواه الترمذي. وهكذا جاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا»، وفي رواية: «كفافًا، كفافًا». يعني: أن يكفك الله سبحانه وتعالى ويغنيك عن الناس. هذه نعمة من الله أن لا تسأل الناس شيئًا، لأن سؤال الناس مذلة. ومن سأل أموال الناس تكثرًا جاء يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه. والذي أيضًا يأخذ أموال الناس يستكثر بها، إنما يستكثر من جمر جهنم، فليستقل أو ليستكثر، على حسب ذلك الأخذ من الناس. فالشخص لا يأخذ من الناس إلا محتاجًا له، والأفضل له أن يتعفف عما في أيدي الناس. «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس»، كما جاء في حديث سهل بن سعد. والنبي عليه الصلاة والسلام رغب في أن تكون يد المسلم اليد العليا، لا تكون اليد السفلى. اليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي السائلة. وجاء حكيم بن حزام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، قال: ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «يا حكيم، إن هذا المال حلو خضر، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، وكان كالذي يأكل ولا يشبع». يعني: لا تتشرف للمال، إلا إن أعطيت فخذه وتموله. وهذا صدق من الله سبحانه وتعالى، لكن لا تكون دائمًا طماعًا مستشرفًا للمال أو سائلًا له، فإن اليد السائلة هي اليد السفلى، واليد المانحة المعطية هي اليد العليا. وحظ النبي عليه الصلاة والسلام: تكون يد المسلم، ما استطاع، أن تكون يده هي العليا، يعني: يعطي ولا يمنع، يعطي أهله، ويعطي ذويه وأقاربه، ويعطي كذلك جيرانه، ويعطي أصدقاءه وأصحابه، ويعطي من المسلمين من هو محتاج لذلك الفضل الذي عنده. يعني: إذا كان عندك فضل فابذله، إنك إن تبذل الفضل كما قال عليه الصلاة والسلام: «خير لك، وإن تمسكه شر لك». يعني: إذا عندك زيادة، وأتاك الله من فضله، ولا تحتاج لهذه الزيادة، أنفقه في سبيل الله. ووجه الإنفاق كثيرة: على الأرحام، على الأقارب، ابدأ بمن تعول. كل خير، كل خير، كلما أنفقت في سبيل الله، كلما زادك الله سبحانه وتعالى من فضله. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك». يعني: تعطي هؤلاء على حسب الأولوية، بعد أن تنفق على نفسك، وتنفق على كذلك عيالك وزوجك، ثم تبدأ بعد ذلك بمن لهم حق عليك من أرحامك، ومن أقاربك، ومن ذويك، ثم الأبعد فالأبعد، ثم الأبعد فالأبعد. فلهذا ينبغي علينا أن نقتصد في معيشتنا، لا إسراف ولا تبذير، ولا كذلك بخل ولا تقتير، وإنما نكون وسطًا مقتصدين. والإنسان أنه إذا خبأ شيئًا يخبئه لأجل حاجة، يعني: إذا كان عنده مال ويخبئه، يخبئه لأجل حاجة، يعني: يتربص بها لعلها تأتيه، أو من أمور الدين. كما النبي عليه الصلاة والسلام يتدخر بعض المال للغرماء، إذا كان عندك ديون ادخر بعض المال، لا بأس في هذا أن تدخره لأصحاب الديون، أو لحاجياتك المستقبلية التي تأمل أن تنجزها في أسرع وقت، في أقرب وقت. هذا خير، هذا خير لهذا المسلم. والنبي عليه الصلاة والسلام أمر سعدًا أن يمسك ماله لقرابته ولذويه، وأن هذا خير لهم من أن يسألوا الناس: «يسألوا الناس: أعطونا، أعطونا، وأبوهم غني». يعني: أبوهم عنده مال ما يعطيهم شيئًا، أو يحرمهم ذلك المال. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «اجعل هذا المال في قرابتك»، يعني: في بنيك، في أهلك، أن تدخره خير لهم من أن يسألوا الناس. فلا يسأل المؤمن أحدًا من الناس إلا ما كان محتاجًا له، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حض على العمل والكد والتعب، ورغب فيه. والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد كانوا كذلك، قد كانوا يعملون، وكانوا يشتغلون. كان زكريا عليه الصلاة والسلام نجارًا، يعني: من مهنته النجارة. وما من نبي إلا ورعى الغنم، حتى نبينا عليه الصلاة والسلام قد خرج في تجارة لخديجة وغيرها، وأيضًا رعى الغنم على قراريط لأهل مكة. وكان داود عليه الصلاة والسلام لا يأكل إلا من عمل يده. ويقول عمر رضي الله عنه: «إني لا أكره الرجل أن يقعد، لا في حاجة الآخرة، ولا في حاجة الدنيا». يعني: كسلان، نوام، لا يستغل، لا يأتي بشيء له في خير دنيا ولا في خير الآخرة. لا يقوم كما يقال يتعبد، يصلي، يركع، وغير ذلك من أمور الآخرة، ولا جالس في عمل دنيا، جالس يأكل، جالس يشرب، ونائم طول اليوم، من الصباح إلى الظهر، أو من الظهر إلى العصر، وهكذا بعد العشاء نائم. فالإنسان ينبغي عليه أن يجد ويجتهد في هذه الحياة الدنيا، حتى لو تشتغل لنفسك وتعف نفسك عن السؤال، خير لك من أن تنتظر الناس يعطونك. هذا خير لك من أن تنتظر المحسنين، تنتظر أهل الخير يرشون عليك. لا، أن تقوم وتكد وتشتغل وتعمل، ويعطيك الله عز وجل من فضله. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «بارك الله لأمتي في بكورها»، يعني: الذين يخرجون في الصباح ويستغلون ويتعبون لإعفاف أنفسهم. بعض الناس يجلس منتظرًا، منتظرًا أهل الخير أو أهل الإحسان أن ينعموا عليه، وهو لا يريد العمل. وليته في أن يتفرغ مثلاً للعبادة، وليطلب العلم. نقول: ليته يتفرغ فعلًا أن يكون طالب علم، لا يعمل، وينتظر من المحسنين ومن أهل الخير. لكن لا ذا ولا ذا. وهذا معاب، هذا الشخص معاب، لأنه ليس في عمل آخرة، وليس في عمل دنيا، وعف نفسه عن أن ينظر إلى أموال الناس أن يحسنوا إليه، وإنما قام واشتغل لنفسه. فإن كان يريد زواجًا، يسر له الله سبحانه وتعالى من فضله، بعد أن عمل بالأسباب. فيعمل بالأسباب، أما أن تعمل بطلب العلم، فطلب العلم سبب للرزق. طلب العلم الحقيقي سبب للرزق. اطلب العلم، وجد واجتهد فيه، ويؤتيك الله عز وجل من فضله. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «يا عبدي، تفرغ لعبادتي، أملأ يديك رزقًا، وقلبك غنى». إذا أنت متفرغ لطاعة الله، ومن أفضل العبادات العلم، العلم النافع، العلم الشرعي، تتفرغ له تفرغًا كاملًا، بحيث أنك تعبد الله عز وجل على بصيرة، يؤتيك الله عز وجل من فضله. الرجلان الذين كانوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أحدهما يشتغل، والآخر يطلب العلم عند النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء هذا يشتكي أخاه، قال: أنا أصرف عليه، وهو لا يشتغل ولا شيء، يا رسول الله. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لعلّك ترزق به». فأخذ العلماء من هذا أن طلب العلم الشرعي سبب من أسباب زيادة الخير عند الرجل، والرزق كذلك في يديه. فالله يرزق هذا، بسبب طلب هذا للعلم، وهذا ينفق عليه. أما من يجلس، ما يطلب علم، ما هو في عمل آخرة، ولا هو متفرغ للعبادة، وإنما جالس كما يقال: يأكل ويشرب وينام. هذا مذموم، هذا مذموم. لهذا نقول له: اذهب وخذ لك حبلًا إلى الجبل، فاحتطب وتعال بيعه، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل. قال: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيذهب إلى الجبل، فيأتي بحزمة من حطب، فيبيعها، خير له من أن يسأل الناس: أعطوه، أو منعوه». فالرجل لا يقعد هكذا سبهل، فاضي، عطلان، بطال، وإنما يذهب ويكد على نفسه، أو يطلب العلم طلبًا حقيقيًا، أو يشتغل لأهله وعياله. إن كان عنده عيال، كان عنده أسرة، «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت». كفى بالمرء إثما، عندك عيال، الله عز وجل جعلك مسؤولًا عليهم، أنت ولي أمرهم، فينبغي أن تعمل بالأسباب لإعالة هذه الأسرة. ألآن متحمل مصاريف، عندك لهذه الأسرة، فماذا تعمل؟ عليك أن تأخذ به الأسباب، أسباب الرزق. إذا وجدت عملًا، فلست بأفضل من أولئك الذين قد تاجروا، وقد عملوا، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عملوا، الصحابة رضي الله تعالى عنهم عملوا. داود، أقصد: سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، مع أنه كان أميرًا للمدائن، إلا أنه كان يذهب ويعمل، أمير وهو كذلك، يقتدي بالنبي صلى الله عليه وعليه وسلم. وما يقول: خلاص، عندي بيت المال، وآكل منه. لا، يذهب رضي الله تعالى عنه، ويحمل على ظهره. أبو هريرة، حتى كان أيضًا في الكوفة، كان يقول: «أوسعوا للأمير»، ويحمل على ظهره شيئًا من المتاع، متاع التجارة، يقول: «أوسعوا للأمير، أوسعوا للأمير». يذهب يشتغل. أبو هريرة، سلمان، عبد الرحمن بن عوف، وغيرهم من الصحابة كثير، رضي الله عنهم وأرضاهم. ما يجلسون عاطلين، يذهبون الصباح، في أي وقت، عندهم ما تيسر من الأسباب، يعملون بها، يشترون ويبيعون، ويعملون بأجسامهم. وهكذا إذا جاء داعي الجهاد جاهدوا، وإذا جاء وقت الصلاة صلوا، إذا جاء وقت العبادة تعبدوا، جاء وقت العلم تعلموا. حياتهم كلها اجتهاد، ما حياتهم بطالة وفرغة. لأن بعض الناس الآن، تعجم من حاله، فارغ، عنده وقت كثير، لا هو يشتغل، لا هو يطلب علم، لا هو يتعبد، لا هو كذا. إذا، ما هي حياتك يا أخي؟ ما هي حياتك؟ أنت خلقت لهدف عظيم، خلقت لهدف عظيم: عبادة الله. وينبغي أن نكون كما يقال: مجتهدين في كل نواحي الحياة. نكون مجتهدين في العلم، نكون مجتهدين في العبادة، نكون مجتهدين في الأعمال الأخرى. عندنا همة عالية، نشتغل لأنفسنا، نشتغل لأولادنا. ما يمنع هذا؟ هكذا الحياة الدنيا. والنبي عليه الصلاة والسلام علم أصحابه هذه الأمور، علمهم كلها أن يكونوا جادين، جادين. حتى لما كان النبي عليه الصلاة والسلام يصبح، يقول: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا، ورزقًا طيبًا». روى أحمد من حديث أم سلمة. انظروا: عليه الصلاة والسلام يسأل ثلاثة أمور في بداية اليوم، في أذكار الصباح، بعد صلاة الفجر، ربما بعد الصلاة. سمعت أم سلمة تقول: بعد الفجر كان عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا». أول اليوم تتعلم علمًا نافعًا. ثم قال: «عملًا متقبلًا، ورزقًا طيبًا». وكذلك: «عملًا متقبلًا، ورزقًا طيبًا». ثلاثة أمور: «عملًا متقبلًا»، أي أن تعمل وتتعبد الله عز وجل، ويقبل الله عز وجل من كذلك العمل. وكذلك: «رزقًا طيبًا»، يرزقك الله رزقًا طيبًا. والله عز وجل قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾. امشوا الأرض، فسيحة، امشوا في مناكبها، وكلوا من رزقه. الذي يعمل في البحر، يستغل في البحر، الذي يعمل في البناء، يعمل في البناء، الذي يعمل في التجارة، البيع والشراء، يعمل في البيع والشراء. هكذا المسلم. ولهذا قال بعضهم: والناس للناس، من بدو وحاضرة، بعض لبعض، وإن جهلوا، وإن سادوا، سواء كانوا جهالًا أو كانوا أسيادًا في أقوامهم. الناس للناس، بعضها لبعض. هذا عنده شيء، وذاك عنده شيء آخر. أنت تحتاجني، وأنا أحتاجك. ما أحد يستغني عن الآخر. فنحن نحتاج إلى الطبيب مثلاً، إذا مرضنا ذهبنا إلى العيادة. وهكذا الطبيب في أشياء أخرى يحتاج إلى غيره. فما يستغني المسلم عن أخيه المسلم. أنت نجار، يحتاجك الناس. أنت صياد، يحتاجك الناس، تأتي لهم بالسمك من البحر. لو ما في صيادين، ما في سمك يا إخوان، إيش بناكل في الغداء؟ هكذا نشكر الصيادين، جزاهم الله خير، مهنة شاقة، عملوا فيها. لو ما في بنائين، وين نجلس في العراء؟ لو ما في بنائين يبنون لنا البيوت، جزاهم الله خير، اشتغلوا. لو ما في علماء، تعلمنا على أيديهم، وطلبنا علم، جزاهم الله خير، ما تفقهنا في دين الله. وهذا خير، وهذا أفضل. صح ولا لا؟ هؤلاء في الدنيا، وهذا في الآخرة، يفقهنا ويعلمنا في دين الله عز وجل. إذن: الكل، المسلم ينفع إخوانه في جميع مجالات الحياة. فكل ميسر لما خلق له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل ميسر لما خلق له». أنت، الله سبحانه وتعالى يسر لك أمورًا، هذه جد فيها، ويجتهد، وينفع الله عز وجل بك طائفة من المسلمين. كل في مجاله: نحتاج إلى الطبيب، نحتاج إلى المهندس، نحتاج إلى البناء، نحتاج إلى الصياد، نحتاج إلى العالم من باب أولى. نحتاج إلى هؤلاء، الكل. أن نستوردهم من بلاد الغرب، من بلاد الكفار؟ هم برعوا في أمور الدنيا، هذه دنياهم. لكن لماذا المسلمون ما يقومون بهذا، والدين يحضهم على هذا؟ هل الدين يقول لك: اترك العمل واجلس في بيتك؟ ما يقول لك: اترك العمل. الدين يقول لك: اعمل، اشتغل. عندك أسرة، عندك حاجة، اشتغل لها. الدين يأمرك بكثير من الأمور، ليس فقط أمور الآخرة، أمور معاشك أيضًا نظمها هذا الدين. كيف أنت تنظم أمور حياتك الدنيوية، وتكون رجلًا بمعنى الكلمة؟ تعمل في أي مجال سخره الله عز وجل لك، تنفع نفسك، وتنفع إخوانك المسلمين. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا، وأن يسددنا، وأن يهدينا، أنه ولي ذلك والقادر عليه. الحمد لله رب العالمين.