الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
التوراة نزلت على موسى عليه السلام وتضمنت أحكامًا شرعية، وقد وردت فيها البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. كما تناولت بعض الأحكام المتعلقة بالصلاة والزكاة والإحسان إلى الوالدين واليتامى والمساكين.
نزلت التوراة على موسى عليه السلام في وادي طوى، وحدثت عدة أحداث مع بني إسرائيل، بما في ذلك طلبهم رؤية الله عز وجل وتحاكمهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيما بعد.
عبد بنو إسرائيل العجل أثناء غياب موسى عليه السلام، وعند عودته عاتبهم ووبخ هارون عليه السلام، ثم أمر بمعاقبة عبدة العجل، فتوبوا عن طريق قتل بعضهم البعض.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كانت المراجعة السريعة بدءًا بإبراهيم عليه السلام، ثم عروجًا لذريته وأحفاده حتى وصلنا إلى موسى عليه السلام. ومما ذكرناه مؤخرًا في درس أمس من أحداث قصة موسى مع بني إسرائيل أن الله عز وجل عندما أنعم على هذه الأمة بهذه النعم - النجاة من فرعون وما كان من سلامتهم، ومن عليهم بالغمام والمن والسلوى، وبالحجر الذي تنبع منه المياه - حينها توجه موسى عليه السلام بقومه إلى الطور. فلما شارف موسى عليه السلام أن يصل إلى الطور، هنا فارق قومه متوجهًا إلى لقاء ربه جل وعلا في وادي طوى، حيث أن الله جل وعلا وعده بعد الثلاثين ليلة أن يلتقي به، أن يأتي موسى لهذا الموعد. ثم كان تم التأخير عشرة أيام، فأصبح الميقات المضروب لموسى أربعين ليلة. فذهب هارون ببني إسرائيل إلى جبل الطور، وهناك وقعت الحادثة الفضيعة العظيمة، وهي الفتنة الشديدة التي افتتن بها جماعات من بني إسرائيل، وهي فتنة العجل الذي صنعه لهم السامري. حينما نبذ بالقبضة التي في يده، فتشكل هذا الحلي إلى عجل جسد له خوار، له صوت، فكان من فتنة بعضهم أنهم عبدوه، وظنوا أن هذا هو الرب المنعم الخالق الرازق. حرص هارون على منعهم، لكنهم استطاعوا أن يهددوه بالقتل إن كرر المحاولة مرة أخرى، فإنهم لن يمتنعوا من سفك دمه، فآثر هارون أن يبتعد عنهم، وأن لا يفارقهم، لكن يبتعد عنهم حتى يسلم بالبقية. ثم انتقلنا إلى الأحداث الجارية في وادي طوى بعد أربعين ليلة، حينما أتم موسى عليه السلام الموعد، كان الوحي من ربه جل وعلا، وكان هذا الوحي فيه أن الله جل وعلا أنزل عليه أعظم كتاب مقدس، وهو يعتبر ثاني كتاب مقدس عظيم في دين الأنبياء والرسل، ألا وهو التوراة. كفاها شرفًا أن الله جل وعلا كتبها بيده الشريفة، سبحانه وتعالى، ما هناك كتاب إلا هذا الكتاب التوراة، إخواني في الله، أنزلت كاملة على موسى عليه السلام. هذه التوراة المنزلة على موسى فيها شرائع وأحكام، من هذه الشرائع التي أنزلها الله جل وعلا على موسى، منها على سبيل المثال تحويل القبلة. القبلة التي كان عليها إبراهيم عليه السلام حينما بنى الكعبة هي مكة، فكان إبراهيم ومن كان من ذريته من إسماعيل في أرض الحجاز، وإسحاق في أرض الشام، ويعقوب ويوسف في أرض مصر، كانت هذه الأمم والأجيال تصلي لله إلى جهة الكعبة في مكة. وهكذا جاء الأسباط، نبي بعد نبي، نبي بعد نبي، قد توجه جميعًا إلى الكعبة، إلى أن نزلت التوراة على موسى، ففيها النسخ أن القبلة تتغير، ليست الكعبة، وإنما تتحول إلى بيت المقدس، إلى بيت المقدس. ومن بعدها موسى، ومن كان بعده من الأنبياء والرسل من بعده، سليمان وداود وعيسى، كل الأنبياء يصلون إلى بيت المقدس. حتى جاء نبينا عليه الصلاة والسلام، وصل إلى بيت المقدس في العهد المكي، كل صلاته كانت إلى بيت المقدس، حتى هاجر إلى المدينة، جلس بضعة أشهر وهو يصلي إلى بيت المقدس، حتى جاء بعد ذلك منسوخ، فنسخت مرة ثانية القبلة، وتحول الناس وأهل الإسلام إلى الكعبة، إلى مكة المشرفة، واستدامت القبلة إلى الآن، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هذه مراحل القبلة. فالشاهد أن القبلة في شريعة التوراة نسخت من مكة، وتحولت إلى بيت المقدس. مما جاء كذلك في التوراة من الأحكام، ما كان فيه البشارة ببعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، كان هذا في التوراة مصطرًا بأدق التفاصيل. بل أنظر لوصف ربنا جل وعلا واصفًا اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، يعني ما يلتبس صفة نبينا عليه الصلاة والسلام بصفة غيره. هل أحد منا يضيع أولاده؟ ما أحد يضيع أبناء؛ لأنه من أعلم الناس بحركاتهم وتقاسيم وجوههم وأشكالهم. وهكذا اليهود كانوا من أعلم الناس برسول الله، من أين عرفوا ذلك؟ من التوراة؛ إذ أن التوراة كان فيها من هذا الباب الشيء الكثير، البشارة ببعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، وأن الله سبحانه وتعالى سيبعث هذا النبي الأمي، وأن الله أمرهم باتباعه، لكنهم كفروا وجحدوا وأنكروا كما وقع ذلك في سيرته عليه الصلاة والسلام. وهكذا إخواني في الله، من الأحكام أو من الآيات التي أنزلها الله عز وجل في التوراة، ما جاء في كتاب ربنا عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، هذا في التوراة، أمرهم الله جل وعلا بالعقائد، بوحدانية الله جل وعلا، أمرهم الله عز وجل بالأحكام والشرائع، إقامة الصلاة، يصلون، إيتاء الزكاة، فكانوا يزكون. وهكذا سائر المعاملات، الأمر بالإحسان إلى الوالدين، وبذي القربى، واليتامى، والمساكين، وعاشر الناس بالحسنى، هذا مما كان قد سطر لهم في التوراة. وهكذا مما جاء في التوراة، ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْدُمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى إِخْرَاجِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ مِنْ بَيْتِهِ﴾، لا تأتي قبيلة فتسطو على قبيلة أخرى وتخرجهم من ديارهم، تجليهم، فما يجوز هذا، محرم في التوراة، ومحرم في كل الشرائع والأديان. وقاربوا ولا تسفكون دماءكم، نهوا عن القتل، القتل محرم في شريعتهم. وهكذا من الآيات ما جاء ذكرها في كتاب الله جل وعلا، ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، هذا كان موجودًا في التوراة، هذه الآيات كانت موجودة في التوراة، يكلونها، قرأها موسى عليهم، يقرؤونها. قد أفلح من تزكى وذكر ربه فصلى، هذا موجود لهذا قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. وهكذا مما جاء ذكره مما في التوراة من الآيات، ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَى﴾، أتدرون ما الذي فيها؟ فيها هذه الآيات: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾، إلى آخر السورة، هذه الآيات قد تليت وكتبت لموسى في التوراة. فكان أهل يهود يعلمون كما نعلم ما كان من أحوال الأمم السالفة، ما وقع لإبليس، ما وقع لآدم، ما كان من خروج آدم، من تتابع الأنبياء من قوم نوح عليه السلام، وتتابع الرسل، هذا قد وجد عندهم؛ لأن في آخر السورة قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾، من المؤتفكة؟ قوم لوط، قد مر معنا. فكانت أحوال الأمم القديمة قد علم بها اليهود؛ لأنها مسطرة عندهم، أين؟ في التوراة. كذلكم كان في التوراة، فيها الحدود، فيها الحدود الشرعية، قد ألزموا بها، وذكر ربنا جل وعلا شيئًا من هذه الحدود، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، كتبنا عليهم هذا، موجود في التوراة عندهم، الحدود عندهم. ولما وقع في العهد المدني حادثة عند بني إسرائيل، وقد حدثت زنا، فأرادوا أن لا يتحاكمون بالتوراة التي عندهم، أغلقوها، وقالوا لتحاكم إلى محمد بن عبد الله، تحاكم إلى رسول الله، فأخبروا أن حادثة زنا قد وقعت فيهم، فما ترى يا محمد من الحكم الذي ترى في شرعك؟ فنزل ربنا عز وجل فيهم هذه الآيات، قال سبحانه: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾، ما الحاجة أن يأتون إليك وهم يعلمون بحكم الله الموجود في التوراة؟ حينها دعا نبينا بالتوراة، دعا بالتوراة، ثم جئت بها، فأخذ عن طريق عبد الله يقرأ فيها، حتى وصل إلى آية الرجم، آية الرجم، ما أخذها نبينا من القرآن، لا، فتح التوراة، فتح التوراة، فيها آية الرجم، قال: هذا حكم الله، لكنهم أبوا، أبوا ورفضوا أن يتنازلوا، لا أخذوا بحكم التوراة، ولا أخذوا بحكم رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالشاهد أن التوراة، إخواني في الله، كان كتابًا معظمًا مقدسًا شريفًا عظيمًا. ولهذا، كما أسلفنا، قال بعض العلماء: إن أكثر ما يذكر من كتب الله القرآن والتوراة؛ لأنها مشبعة بالأحكام والشرائع. حتى ستأتي معنا هذا، إذا أطال الله بالأعمار، قصة عيسى، ونزول عيسى، وما أتى بالإنجيل، إنجيل لا يعتبر ناسخًا للتوراة، ما نسخ التوراة الإنجيل، وإنما أهل الإنجيل يعملون بأحكام التوراة. التوراة في اللغة العبرية بمعنى الشريعة، كانت مثل القرآن، شرائع، عبادات، أحكام، أخلاق، مواعظ، أخبار، قصص، مليئة. ولهذا عيسى عليه السلام لما ينزل، لما أوحى الله إليه، أمره الله أن يعمل بماذا؟ بما في التوراة، ثم أتى بالإنجيل، إضافة لبعض الأشياء. حتى الآن في بني إسرائيل، عنده ماذا يسمى بالعهد القديم والعهد الجديد، العهد القديم التوراة، والعهد الجديد الإنجيل. وسأتي معنا معنى الخصومة التي حصلت بين اليهود وبين النصارى. الشاهد، إخواني في الله، أن هذا مما جرى لموسى عليه السلام عندما وصل إلى وادي طوى، أن الله سبحانه وتعالى أنزل عليه التوراة، وفيها هذه الأحكام. ثم جاءت مسألة، لما جرى الكلام، وموسى هو كليم الرحمن، كليم الله، يخاطبه من غير وحي، لما استمع موسى إلى كلام الرب، وسمع الخطاب، هنا جاءت مسألة في باب الفائدة، في باب الأسماء والصفات. عندما تدرسون هذا الفن، وتقرؤون ما يذكر العلماء من أسماء وصفات، إذا وصلوا إلى صفة الكلام، من الذي يتبعونه؟ صفة الرؤية، تمعنًا في العقيدة الواسطية، في أي كتب من كتب الاعتقاد؟ بعد صفة الكلام، صفة الرؤية، للتلازم بين الكلام والرؤية، ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حجاب، رؤية. وهذا الذي صار مع موسى، موسى عندما استمع لكلام ربه جل وعلا، واستمع إلى الخطاب، طمعًا أن يرفع عنه الحجاب، فماذا؟ فيرى ربه. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، طلب هذا، كما قلنا، صفة الكلام، تكملها بصفة الرؤية. فأخبره ربه عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَرَانِي﴾، وهذه العبارة لن تراني، لا على مفهوم المبتدع من نفي الرؤية مطلقًا، من أن الله جل وعلا لا يرى مطلقًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، هذا قوله للضلال. بل إن أهل السنة والجماعة، بأدلة الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، والأحاديث المتواترة، بأن الله يرى في الآخرة، لكن في الدنيا، هذه الآية: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، أي أنك يا موسى بهذه الخلقة البشرية لن تستطيع، ولن تقدر على رؤية الله، ما تستطيع. ولهذا علق الله عز وجل هذا الأمر بقيد: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، طب ما المقصد بالجبل هنا؟ هل يقصد بجبل الطور؟ لا، كما قلنا، انتبهوا للأحداث، جبل الطور هناك في جهة الغرب، عند هارون، عند بني إسرائيل، هؤلاء مكثوا هناك عند جبل طور، هنا لا. موسى الآن في هذا الوادي، وادي طوى، وهو يعتبر جنوب سيناء، في جهة الجنوبية، هنا جهة الجنوب سيناء، مشهورة إلى الآن بأنها فيها جبال شاهقة، جبال شاهقة، بل فيها سلسلة جبلية. فهذا المشار إليه، أي أنك انظر، وألهمه ربه جل وعلا إلى جبل معين، انظر لهذا الجبل، إن استقر مكانه، فسوف تراني. فقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾، الجبل الأصم ما استطاع أن يثبت أمام تجلي الرب سبحانه وتعالى. مع الاختلاف الذي كان بين العلماء، ما مقدار التجلي؟ الله أعلم، ما مقدار التجلي؟ إلا أن الجبل ما استطاع، فماذا؟ فأصبح رمادًا، تزلزل، سقط، وعلى إثره سقط موسى، وخر موسى صعقًا. هل كانت هذا السقوط من موسى موتًا؟ كما يقول بعضهم أنه مات، ثم بعثه الله، أو أغشي عليه؟ ولهذا نبينا كما في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة»، قال: «فإذا بموسى»، قال: «فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش»، فما أدري، أجوزي بالصعقة، أو أنه ممن صعق؟ فما أدري. فالشاهد، لكن تمام الآية، قال فيها ربنا عز وجل عن موسى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾، الإفاقة تدل على ما هناك موت، وإنما كان غشيًا، أغمي عليه، وهذا الأقرب أنه أغمي عليه، فأفاق. لو كان مات، لكان التعبير بالبعث، لكن قال ربنا: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. بعد ذلك خاطب الله موسى عليه السلام قائلًا له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾، لماذا تعجلت؟ هنا السؤال، ما العجلة التي أراد الله جل وعلا أن يخاطب عنها موسى؟ العجل، أخوانكم لا تذكرون، لما قدم موسى مع هارون مع بني إسرائيل، فلما كادوا أن يصلوا إلى جبل الطور، ماذا فعل موسى؟ تعجل إلى الميقات، ثم أمر هارون أن يستكمل ماذا؟ قد مر هارون يستكمل الطريق. ﴿قَدْ قُمْتُ بِهِمْ وَأَصْلَحْتُ﴾، أخلفني في قومي وأصلح، ولا تتبع سبيل المفسدين، هنا اختصر هذه عجلة من موسى عليه السلام، لهذا قال له ربنا عز وجل: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾، لماذا تعجلت؟ كان تبقيهم، ترتب أمورهم، ثم تأتي. فقال موسى عليه السلام ملتمسًا للعذر: ﴿قَالُوا هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾، أنا ما فعلت هذا إلا لتنو رضاك، أن أكون مسارعًا، مسابقًا إلى أوامرك، والأواني. فكان هذا عذر موسى عليه السلام، وقال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾، فقال سبحانه وتعالى مبينًا ما الذي صار: ﴿إِنَّا فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾، إلى هذه اللحظة، موسى لا يدري عما صار في قومه، فأخبره ربه جل وعلا بما صار، أن كان من هذه العجلة أن وقع هذا الذي وقع، أنها قد وقعت فتنة عظيمة في بني إسرائيل، وأضلهم هذا المدعو بالسامري. فحينها أخذ موسى الألواح، وهي التوراة التي أنزلها الله عليه، ورجع إلى غربًا، إلى جهة جبل الطور، ما سألت كما قلنا كم ستين كيلو تقدر؟ رجع بهذا الوصف الذي وصفه ربنا، وصفه القرآن، غضبان، أسفا، غضبان، شديد الغضب والحنق، عما بلغه عن قومه، وما صار من هذه الفتنة العظيمة الذي ابتلي به قومه من بعده. فلما وصل موسى عليه السلام، رأى الأمر على حقيقته، رأى أن قومًا من بني إسرائيل عاكفون على عبادة العجل، فحينها صاح فيهم قائلًا: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾، ألم تسمعوا الوعد الذي وعدكم الله؟ ألم يجعلكم الله عز وجل على هذه الحالة من نعم، فضلكم على كل خلقه؟ ألم ننجكم من عدوكم؟ ألم يعيدكم الله بأن الأرض ستكون لكم؟ لكم الملك، لكم الخلافة، أنتم الوارثون، فيكم الأنبياء، فيكم كل شيء. ألم يعدكم يعني هذا تقابل نعمة الله بهذه الفعل الخسيسة الدنيئة، أن تجعلون مع الله شريكًا. قال: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾، أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم؟ فأخلفتم موعدي، أنا ما أتأخرت عليكم، هي عجلة ثلاثين، أربعين يوم، وقعتم في هذه الداهية العظيمة. فلما وقع موسى في عتاب القوم، إذ بهم يعتذرون له بالعذر الذي قد مر معنا في درس أمس، وهي مسألة الحلي الذي كان بحوزتهم، وقد تأثموا منه، تأثموا من هذا الحلي الذي أخذوه من غير حل، فرمياه. فقالوا: ﴿وَيَكُنْ حُمِلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾، وكذلك السامري، فلما انتهى موسى عليه السلام من الخطاب مع قومه، التفت للطائفة الثانية، والخطاب بالثاني كان مع هارون عليه السلام. التفت إلى هارون عليه السلام، وقيل أن موسى طبعًا لما رأى هذا الأمر على أرض الواقع، ألقى الألواح، ألقى الألواح من شدة غضبه، من غير الشعور، حمية لدينه، لهذه العقيدة الذي ما هي خط أحمر، الشرك والكفر، ما يسكت عنه، غضب موسى غضًا حتى أن الألواح ألقاها، كما بعضهم يعبر: ليس الخبر كالمعاينة، موسى سمع بالخبر، لكن ما صدق إلا لما رأى. هنا ألقى الألواح، ثم توجه إلى أخيه هارون، وأخذ يجره من لحيته، يجره من لحيته، وأخذ يعاتبه: ﴿يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾، حين رأيتهم ضلوا، حين وقعوا في الشرك، ألا تتبعني؟ تتبعني أنا، عندك بالقرب، عند وادي طوى، تأتي تخبرني، تجري جري. ألا تتبعني؟ فعصيت أمري، قد أمره من أوامر موسى لهارون: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَتَّبِعَ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، وهذا الذي أمامي، عبادة العجل من دون الله عز وجل. فكان هذا خطاب غضب شديد من موسى عليه السلام لهارون. لكن بالمقابل أخذ هارون يدافع عن نفسه: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، عذري يا أخي، يا رسول الله، عذري أني ما جئت إليك، خشيت أني إن جئت، ستقع فرقة عظيمة بين الإسرائيليين. هذا الذي عبد، وهذا الذي ما عبد، ستقع بينهم من المهاترات، سيقع بينهم من المقاتل، سيقع بينهم من المجازر، ما سيقع شيء عظيم، مهول، فرقة عظيمة ستكون بين بني إسرائيل. وحينها ستلومني على هذا، إن جئت إليك، ستلومني: كيف جئت إليك؟ هذا الذي خشيته، ولم ترقب قولي. فأخذ موسى، وأخذهم يأتي بالأعذار: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَشْمَتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ثم التفت موسى عليه السلام للفئة الثالثة، وهو السامري، قال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾، ما خطبك؟ ما الذي فعلت؟ ما الذي صنعت؟ ما الذي أوصلك إلى هذا؟ ما خطبك؟ فحين أتى السامري بعلته: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾، جاء في حديث الفتون أن هارون عليه السلام لما سمع هذا الكلام من السامري، قال: وقبضت قبضة من أثر الرسول، هارون قال: من هذا الرسول؟ فقال السامري: الذي جاز بكم البحر، الذي جاز بكم البحر؛ لأن كما قلنا من هذا المعنى، هو جبريل عليه السلام، جبريل كان حاضرًا حينما مر بنو إسرائيل في مجرى البحر اليبس. وأكثر العلماء على أن جبريل كان على فرس، وكان على شكل الآدمي، وأن سامري شد انتباهه إلى ما كان من إعطاء الأوامر من هذا الرجل لموسى، فعلم أن هذا هو مبعوث، وأن موسى إنما يتتبع ويتبع كلام هذا، هذا أعلى، وهذا هو الرسول الذي طمع سامري أن يأخذ قبضة من أثرة. فأخذها، فقال: ﴿فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾، هذا الذي فعلته، هذه القبضة، نعم كانت فيها سر. فأمر من الجماعة أن يفعل ما فعله، ثم ألقيت هذه القبضة، فصار الذي صار. فكان هذا العذر السامري، فقاله موسى: ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَلَكَ مَوْعِدٌ لَنْ تُخْلَفَهُ﴾، معنى فاذهب، أي لا تبقى معي، ولا تسير معنا، ارحل، انصرف عنا، ابتعد عن بني إسرائيل. فقال: ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾، معنى لا مساس، أي لا لمس من أي جانب من الجانبين، أنا لا أمس، ولا تمس، لا أمس، ولا تمس. وكان يكرر، إن دعا عند أحد من البشر، قال: لا أمس، ولا تمس، لا أمس، ولا تمس، لماذا؟ لأن أي أدنى مس يتم معه مع غيره، قيل أنه تأتيه آلام، يكاد أن يموت منها، ومنها قال: من تتساقط منه أعضاؤه، عقوبة عاقبه الله في هذه الدنيا. فكان يكرر هذا الكلام: لا مساس، لا أمس، ولا تمس. وبقي كذلك منبوذًا حتى مات. فقط لا، وإن لك موعدًا لن تخلف، أي يوم القيامة، هذا موعد آخر، عقوبتك عند الله. ثم انظر إلى إلهك، بقي كذلك الإله هذا العجل، لنحرقنه، لماذا أمر موسى بإحراقه؟ ثم قال: ﴿وَلْنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾، سيحرق، يذاب، يصهر، ثم بعد ذلك ما تبقى منه يرمى في البحر. لماذا هذه الأفعال فعلها موسى؟ لأن الذين فتنوا بالعجل، ماذا وصفهم الله؟ وصفهم بقول: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾، يعني: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ الْعِجْلِ﴾، تخيل يعني أصبح القلب مثل الشراب، يكب، يعني أصبح القلب مسكوبًا، سكب بحب ماذا؟ بحب العجل، يعني أصبح القلب ينبض بالعجل، العجل، العجل، فتنة عظيمة في قلوبهم. فهذا الفتنة إزالتها يكون بحسم. ولهذا تفنن موسى عليه السلام في القضاء على هذه الآلية، يحرق أمام الأعين، أنتم تعالوا، هذا إلهكم، احرقوه، ما الذي عسى أن يفعل هذا الإله؟ ذاب، أصبح رمادًا، وبعد ذلك اذروه في البحر، يرمى. وانظر إله، إلهكم هذا الذي عبدتموه، ما أغنى عنكم شيئًا. فتمأفى موسى عليه السلام عامل هذا العجل حتى يزيل حب العجل ممن قد تعلق به. حينها علم بنو إسرائيل بعظيم ما وقعوا فيه من الشرك والكفر المبين. حينها قال ربنا جل وعلا: ﴿فَلَمَّا سَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾، هذه الآية سقط في أيديهم، أصبح من العبارات الشهيرة عند الأدباء، وعند الفصحاء، ولا زال الناس يعبرون بهذه الجملة: فلما سقط في أيديهم، يقال هذا في حق الرجل إذا تورط بورطة، ما ينفع فيها الندم، هذه العبارة، أو هذه الجملة، أول من أتى بها القرآن، أول من أتى بهذه الجملة القرآن، ثم انتشرت، ولا زالت تنتشر على أفواه الفصحاء والأدباء. فلما اعترفوا بذنبهم، أرادوا التوبة، التوبة خاصة ممن وقع في عبادة العجل. فأخبرهم موسى بحكم الله: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، هذا الذنب، توبته ما يكون إلا بإزهاق النفس، بقتلكم، قتل، توبة. فحينها سن لهم القتل، لأجل أي شيء؟ لأجل يتوبوا، القتل أليس صار؟ طبعًا القتل وقع للذي عبد العجل. من صوره الذي يذكرها المفسرون، الصورة الأولى: أن هؤلاء العابدين يجمعون، ويعطى لهم الأسلحة، ويبدأون بماذا؟ بقتل بعضهم بعضًا، هذا يقتل هذا، فإذا يقتل هذا، هذا يقتل، يرمى، يأتي الثاني ويقتل هذا، يقتل، قتل ذريع فيما بينهم، فاقتلوا أنفسكم، هذا حكم الله. فشرع بعضهم، أي العابدين، يقتل بعضهم، الصورة الثانية الذي قيلت من قبل المفسرين: أن القتل تولى من كان من الموحدين، أخذوا الأسلحة، وصفة الذين عبدوا العجل. وأخذوا يقتلونهم، الواحد والآخر يقتلونهم قتلًا، وهؤلاء ما يردون هذا، عقوبة الله لأجل التوبة، إن أردتم التوبة، استسلموا للقتل، فهذا الوجه الثاني، إما أن بعضهم العابدين قتل البعض، أو أن من كان من الموحدين ممن لم يتلوث بعبادة العجل قتل العابدين. في اليوم الأول قتل منهم سبعون ألفًا، سبعون ألفًا، هذا الذي قتل من عبدة العجل. طبعًا بقي اليوم الثاني واليوم الثالث؛ لأن طائفة كبيرة حازت فتنة عظيمة، عبادة العجل، فتنة عظيمة. ولهذا نشير أن العجل بنفسه كان