الدرس في تفسير سورة الطارق من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بتفسير سورة الطارق، حيث يُفسر معنى الطارق وأنه النجم الثاقب، ويشرح القسم الذي أقسم به الله عز وجل. كما يُفسر الآية 'إن كل نفس لما عليها حافظ' ويتناول الخلاف في معنى كلمة حافظ.
يتناول الدرس تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بخلق الإنسان من ماء دافق وإرجاعه بعد الموت، ويشرح معاني الآيات ويبين أقوال المفسرين في ذلك. كما يتطرق إلى يوم القيامة وتبلية السرائر وجزاء الله عز وجل على البواطن.
يفسر الدرس الآيات القرآنية التي تتحدث عن القسم بالسماء والأرض على أن القرآن قول فصل، ويشرح الكيد الذي يمارسه الكفار ضد الإسلام وأهله وكيف يرد الله عليهم بالمثل، ويبين أن الله يمهل الكافرين ولكنه لا يهملهم.
تم اختتام درس تفسير سورة الطارق بالإشارة إلى أهم المباحث التي تمت مناقشتها، والانتقال إلى سورة الأعلى في الدرس القادم. تم تمنية التوفيق للجميع واختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كما اعتدنا إخواني في الله في الدروس السابقات أننا إذا أتممنا ختم تفسير سورة من القرآن فإننا نرجع إليها بشرح موجز، وهذه الإعادة من باب من فاته شيء من المعاني يستدرك في هذا الشرح الإجمالي. وأيضًا، هذا الشرح الإجمالي معين على تثبيت المعلومة والتفسير للآي القرآني. ذكرنا إخواني في الله في قول ربنا عز وجل ﴿والسماء والطارق﴾، أشرنا أنها تسمى بسورة الطارق أو بسورة والسماء والطارق، جاء هذا وجاء هذا. وقلنا أن في قول ربنا عز وجل ﴿والسماء والطارق﴾ أسلوب قسم، فالله عز وجل أقسم بالسماء وأقسم بالطارق. وربنا عز وجل يقسم بما شاء وكيف شاء جل في علا، وليس ذلك لأحد سواه. وأما الإنسان فلا يقسم إلا بالله. قلنا أن المقصود ﴿والسماء والطارق﴾ أن الله عز وجل أقسم بالطارق، والطارق هو كل آتي ليلًا، كل آتي ليلًا يسمى طارق. لكن ما الذي عناه ربنا في هذه الكلمة؟ جاء التفسير بنفس هذه السورة، قال سبحانه ﴿وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب﴾، هذا التفسير لهذا القسم الذي أقسم به ربنا عز وجل. الطارق هو نجم، النجم الثاقب. وهذا النجم اختلف العلماء هل هو نجم محدد كمن أشار إلى السُّمَيَّة أم أنه نجم مطلق؟ وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء أن الأل هنا هي الأل الجنسية، أي بالنجوم. ومن ذلك النجوم التي يرمى بها، فيرمي الله عز وجل بهذه النجوم وبهذه الشهب الشياطين، فهي ساقبة، أي أنها مضيئة في الكون. ثم قال سبحانه وتعالى بعدما أقسم: أقسم على ماذا؟ أقسم على هذا المقسم عليه ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾. أقسم ربنا عز وجل على هذه المسألة. وقلنا أن هذه الآية على قراءتين في لما، إما مشددة كقراءتنا ﴿إن كل نفس لما﴾، وإما على قراءة أخرى وهي قراءة المؤلف أنها بالتخفيف ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾. وعلى قراءتنا فإنا لما مشددة، فيكون إن هنا نافية، ولما تكون استثنائية، إن نافية وإلا استثنائية. فعلى قراءتنا يا عبد الله، إذا قرأت هذه الآية ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾، فالمعنى أي ما كل نفس إلا وعليها حافظ، هكذا سيكون المعنى. ما كل نفس إلا وعليها حافظ. ثم أشرنا إلى الخلاف الحاصل في كلمة حافظ، لمن تعود؟ قيل أن هذه الصفة تعود إلى الله جل في علا، فالله هو الحافظ. لكن أكثر العلماء يرون أن لفظ الحافظ هنا في هذه الآية القرآنية إنما يعود إلى وصف الملائكة، إما أنهم الذين يحفظون أعمال العباد، وهم الذين يكتبون السيئات والحسنات، وإما أنهم الملائكة الذين يحفظون العباد، يحفظونهم من كل سوء ومكروه. ومنهم من جمع بين هذا وذاك. ثم قال سبحانه وتعالى ﴿فلينظر الإنسان مما خلق﴾، أي ينظر نظر اعتبار، ليس فقط النظر المجرد العاري من التدبر والتأمل. لا، اعتبر، اعتبر يا عبد الله في أصل خلقتك، وخاصة من تكبر وتغطرس، ينظر كيف كان في أول نشوءه، مما خلق، مما أي مما. وأشرنا إلى القاعدة البلاغية من حذف الألف الاستفهامية إذا دخل عليها حرف من حروف الجر. قال ﴿خلق من ماء دافق﴾، وهو المني الذي يخرج من الإنسان، فإنه يخرج بتدفق، بتدفق، يخرج من بين الصلب والترائب. وأن خلقة الإنسان هي في الحقيقة مركبة مما أين مما؟ إن يخرج من صلب الرجل، من عموده الظهري الفقري الفقاري، وأيضًا يخرج من ترائب المرأة، أي من عظم الصدر. هذا الذي عليه أكثر العلماء. ومع هذا ذكرنا أن هناك قول يذكر في هذا المقام أن الضمير يعود إلى الرجل فقط، أي أن هذا السائل المدففق يخرج من صلب الرجل ومن ترائب الرجل، لأن هذه المادة هي في الحقيقة تنتشل من جسد الرجل، ولهذا يشعر الرجل بعد الإنزال بالتعب والإنهاك، بالتعب والإنهاك. فمن أهل العلم من يرى أن الضمير في هذا الوصف يعود للرجل. ثم قال سبحانه وتعالى ﴿إنه على رجعه لقادر﴾، أي أن الله عز وجل قادر على أن يرجع الإنسان. وذكرنا الخلاف الحاصل في مسألة الإرجاع، الله قادر على إرجاع الإنسان على أي حال أرادها الله. لكن ما المقصود بهذه الآية؟ قيل أن الله قادر على إرجاع الإنسان، أي إرجاع منيه يرجعه إلى فرجه وإلى صلبه، قيل هذا. وقيل المقصود قادر على رجعه، أي رجع هذا الإنسان الذي بلغ إلى هذا المبتغى وهذا السن من الكبر، أن يرجعه إلى صغره وإلى أول نشوئه، قيل هذا. والقول الأكثر، والذي عليه المؤلف، وهو قول جمهور المفسرين: ﴿إنه على رجعه لقادر﴾، أي أن الله قادر على أن يبعثه بعد موته، يبعثه بعد موته. إنه على رجعه، أي على إعادته لقادر، هكذا المعنى. واستدل لهؤلاء، وهو القول الوجيه والصواب، ما سيأتي من الآية الآتية، فهي تفسر هذه المسألة ﴿يوم تبل السرائر﴾، أي أن هذا الرجوع متى سيكون؟ يكون يوم تبل السرائر. وما المقصود بهذا اليوم؟ هو يوم القيامة، هو اليوم الذي تتضح السرائر والأسرار، فما هناك شيء يخفى على الجبار سبحانه وتعالى. كل ما في الضمائر وما في النيات وما في الاعتقادات يكون مكشوفًا للناس، وقبل ذلك لله جل في علاه، يوم تبلى السرائر. وأشرنا حينها إلى ضرورة أن الإنسان يعتني بسريرته قدر الإمكان، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. الدنيا الأحكام تكون على الظواهر، لكن يوم القيامة الأحكام ستكون على البواطن، يجازي الله عز وجل ما في الصدور جل في علاه. ثم قال سبحانه ﴿فما له من قوة ولا ناصر﴾، والخطاب هنا لمنكري البعث، ممن أنكر وجود هذا اليوم. فما له من قوة ولا ناصر، والسر في بيان هاتين الكلمتين يوم القيامة أن المنكر للبعث والكافر بشكل عام، ليست له قوة حينها، وليست له نصرة. ولماذا ذكر الله هذا وهذا؟ قال العلماء: ليست له قوة ذاتية، أي من عنده هو قادر بقوته أن يدفع العذاب، وليست له كذلك قوة خارجية، وهي نصرة أن تأتي عشيرته أو قبيلته أو عصابته، ومن كان من الأعوان الذين هم معه من حوله، ما هناك أحد سينصره. فليست عنده قوة لا داخلية ولا خارجية، لا محلية ولا أجنبية. فما هناك إلا الله سبحانه وتعالى هو الحكم، وهو القادر، وهو القاهر. قال ﴿والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع﴾، هذا أسلوب قسم. وعلى القاعدة التي سبقت، فالله جل في علاه يقسم بما شاء وكيف شاء. فهنا أقسم ربنا عز وجل بالسماء ذات الرجع. وقلنا الرجع هنا المطر، ووصفت السماء بأنها ذات الأمطار، بأنها رجع، بأنها ترجع بين الفينة والأخرى، كهذه الأيام التي نسأل الله جل وعلا أنه ينعم على البلاد والعباد والدواب بالمطر النافع، وأن يحيي بلده الميت. فالمطر يأتي بين الفينة والأخرى، يرجع، فسمى ربنا السماء بالرجع. والأرض ذات الصدع، أي الأرض التي تتصدع بالنبات والأزهار والأنهار. وهذا التفسير ذكر القرطبي رحمه الله تعالى أنه قول عامة المفسرين، عامة المفسرين على تفسير الرجع والصدع بما سمعت. ثم قال سبحانه: إنه ولابد في أسلوب القسم أن أسلوب القسم يقوم على مقسم به ومقسم عليه. فأقسم ربنا بالسماء وأقسم ربنا بالأرض على ماذا؟ أقسم على هذا: ﴿إنه لقول فصل﴾، أي أنه قول فاصل، هذه من أعظم مزايا كتاب الله، أنه يفصل بين الحق وبين الباطل، بين الهدى وبين الضلال. قال ﴿وما هو بالهزل﴾، حاشا أن يكون كلام الله جل وعلا هزلا. وإنما كما مر معنا، فإن آية القرآن هو عدل في الأحكام، وهو صدق في الأخبار. ﴿وإنهم يكيدون كيدا﴾، أي الكفار، الكفار يكيدون كيدا. وذكرنا أن هذا الأسلوب، أسلوب فعل المضارع والجملة الفعلية بشكل عام، يدل على الاستمرارية، فهم كانوا في زمنه ولا زالوا في أزماننا يكيدون، يكيدون للإسلام وأهله. إنهم يكيدون كيدا، وأكيد كيدا، بمقابل ما يفعله الكفار، فالله عز وجل يقابل فعلهم من جنس فعلهم. وأشرنا عند هذه الآية أن هذه الصفة من صفات الله المقابلة، التي إنما يتصف الله جل وعلا بها أمام من يستحق أن يتصف بهم، فربنا عز وجل يكيد بمن يكيد دينه، ويمكر بمن يمكر بأوليائه. والآيات في هذا الباب كثيرة. وقلنا أن هذه الصفات لا يشتق منها أسماء. وذكرنا أن من كيد الله على الكفار أنه يستدرجهم، أنه يستدرجهم من حيث لا يعلمون. وبهذا يا عبد الله ينجلي الاستغراب والتعجب عند كثير من المسلمين حين يرى أن أهل الكفر الذين ساموا أهل الإسلام أشد العذاب والنكال، مع ذلك ها هم يرتعون ويلعبون، وما أحد صدهم ولا ردهم. قد يقول قائل: أين الله؟ نقول: الله لهم بالمرصاد، لكن الله يمهل ولا يهمل، سبحانه يمهل ولا يهمل. ومن إمهال الله جل وعلا أنه يستدرج الكفار، يعطيهم ويعطيهم حتى إذا بلغوا النشوة وبلغوا إلى الطاقة العظمى القصوى، حينها يأتي ما لا يخطر على بالهم، فيسحب البساط من تحت أرجلهم، كما فعلت بالحضارات السابقة. أين أمم قديمة؟ حضارات أعظم من هذه الحضارة العصرية، ومع ذلك بادوا وأفناهم الله وأفضوا إلى ما قدموا، وسيحاسبهم الله على أعمالهم. فالشاهد يا عبد الله أنك لا تستعجل، وإنما الأمور بيد الله عز وجل. فالكفار مع كيدهم، مع مكرهم، مع استهزائهم بنا، فالله جل وعلا يعاملهم بالمثل، فهو يمكر بهم ويكيد بهم ويستهزئ بهم جل في علاه. ثم قال سبحانه ﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويدا رويدا﴾، أي قليلا، أي لا تستعجل كما مضى، وإنما سيأتيهم من العذاب إما الدنيوي وإما الأخروي، والأخروي ليس عنهم ببعيد. كم عسى الواحد منهم أن يعيش في هذه الدنيا؟ اعطه العشرات، بل اعطه مئات السنين، فإنها تمر عليهم مر السحاب، لكن سرعان ما سيقف بين يدي الجبار عز وجل، حينها سيعذبهم الله عز وجل لابثين فيها أحقابًا، آلاف السنين، وهم يعذبون ويصطلون في نار جهنم، وأهل الإسلام يتفرجون ويضحكون وينشرحون لما يروا من العذاب الأليم الذي يلقيه الله على الكافرين. ﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويدا﴾، هذا خلاصة ما مضى معنا إخواني في الله في تفسير هذه السورة المكية، سورة الطارق. وأشرنا إلى أهم المباحث التي مرت معنا على عجالة. وإن شاء الله في درس غد ننتقل إلى سورة الأعلى، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.