تعلقات رمضان على أهل الإسلام 8

تعلقات رمضان على أهل الإسلام 8

الدرس في تعلقات رمضان على أهل الإسلام 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في محبطات الأعمال

يتحدث عن الرياء كأحد المحبطات للأعمال الصالحة، حيث يُؤدى العمل بقصد حظ النفس. يُوضح أيضًا خطورة كراهية الدين في إحباط الأعمال.

أمثلة على محبطات الأعمال الصالحة

يستعرض بعض الأفعال التي تحبط الأعمال الصالحة مثل كراهية التعدد، ترك الصلاة، والذهاب إلى الكهنة والعرافين، ويُبين أنها تُعتبر من المحرمات.

تتمة الكلام عن محبطات الأعمال

يُواصل الحديث عن الأعمال التي تحبط الأعمال الصالحة مثل الرياء، التعامل مع الكهان، والشحناء، ويوضح تأثيرها السلبي على العمل الصالح.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

ينتهي المقطع بدعاء الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، معربًا عن الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، بالأمس، إخواني في الله، أشرنا إلى دخولنا في موضوع محبطات الأعمال، إذ أنها من أعظم التعلقات بين رمضان وبين أهل الإسلام، وأشرنا إلى ثلاثة قواعد مهمة في محبطات الأعمال، أولاً أنها توقيفية تعرف من الكتاب والسنة، وثانيًا أن حكمها في ميزان الشرع تعد من كبائر الذنوب، والأمر الثالث أنها تتفاوت، فمحبطات الأعمال منها ما يجر إلى البطلان، ومنها ما يستدعي النقصان. ثم كان دخولنا في المحبط الأول، وهو عن عدة أوجه، وهو الشرك والكفر والردة، نسأل الله عز وجل السلامة والعافية. ثم أيضًا مما أذكره، وكما أشرت على سبيل الإيجاز، من محبطات الأعمال الرياء. الرياء هو أن الإنسان يؤدي طاعة من الطاعات، إنما يريد بذلك حظ النفس، حظ النفس كأن يشار إليه بالبنان. ويؤيد هذا المعنى ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: قال الله: «أنا أغنى شركاء عن الشرك، فمن أشرك معي غيري تركته وشركه». فالله عز وجل لا يرضى أن يكون هناك شريكًا معه، ولو بهذا القصد. وقد جاء في بعض الأحاديث التي يحسنها جماعة من أهل العلم أن الرياء سمي بالشرك الخفي، كما ثبت ذلك مرفوعًا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أن يقوم الرجل فيزين صلاته لما يرى من نظر الناس. وهذا الحكم، حكم الرياء، عام في جميع العبادات، كمن يصلي لأجل الناس، أي مدحهم وثنائهم، أو من يصوم كذلك لمقصد شرعي. يدخل في الرياء أيضًا المصالح الشخصية، صلى وصام لأمر كان يطلبه، فلما انقضى الأمر فلا صلى ولا صام، هذا ما أراد وجه الله، أراد مصلحة. فكل من فعل عبادة وأراد بذلك حظًا من حظوظ الدنيا، حظًا من حظوظ النفس، مصلحة شخصية، منفعة ذاتية، فهذا عمله محبط، لأنه إنما أراد وجه الناس، كما في حديث الثلاثة أول من تسعر بهم النار، ثلاثة، فكل هؤلاء عملوا أعمالاً، وإن كانت ظاهرها لله، لكنهم في بواطنهم أرادوا ما عند الناس، فأحبط الله أعمالهم. أما المحبط الثاني، وهو ما يكون من كراهية الدين. فمن كان كارهًا للدين، فإن عمله يحبط، ولو كان مؤديًا له، تأمل ولو كان مؤديًا له، ذلك لقول ربنا عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، كرهوا ما أنزل الله، فجزاء هذا الكره قابلهم الله عز وجل بإحباط العمل، فأحبط أعمالهم، ولو عمله، ولو عمله. الإنسان، بعض هؤلاء وأكثر ما يصدر من أهل النفاق، قد يصوم، قد يصوم مع الناس، نظرًا للواقع ونظرًا للمراقبة الشديدة، ما يجد فرصة أنه يفطر، فيصوم، لكن كما يقال: يصوم على مضض، على كره، وهو يرى في نفسه عدم الجدوى من هذه العبادة، أو آخر كذلك، ألزم بالحج، قم، قم، يأمره أبوه بالحج، يلزم فاذهب، وهو عن غير قناعة، يرى أن الحج ليس من شرع الله، وإلى غير ذلك ممن قد يؤدي العبادات وهو كاره، هذا إن فعلًا، فعمله محبط. وهنا مسألة أنبه عليها من باب الفائدة، قد يقول قائل: إذا كان كره الشرائع محبطًا للأعمال، يعني بعض الناس، نجد منهم كراهية، مثل ما يقع عند النساء، المرء إذا ذكرت أو ذكر لها التعدد، لو ربما رفضت وأبت وأظهرت صحتها وتسخطها من هذا، هل هذا يدخل في هذا الباب؟ الجواب: لا، لا يدخل في هذا الباب، فرق فرق العلماء بين ما يكون من كراهية هذه المسألة للغيرة، وبين كراهية التشريع. فالمرأة التي تأبى التعدد وترفض التعدد، ليس أنها ترفض تشريع الله، حاشا، هي مسلمة لشرع الله، شرع الله على العين والرأس، لكنها من خلال الطبيعة البشرية ترفض الشريك معها، طبيعة ما تحب أحدًا يزاحمها في هذه المملكة التي هي فيها، فكرهها ليس من باب التشريع، وإنما من باب الغيرة، والغيرة مقصد بشري طبعي، ولهذا لا يدخل هذا في هذا الباب، أو يدخل في إحباط الأعمال، فهذا تنبيه لهذه المسألة. كذلك المحبط الثالث، المحبط الثالث مما أذكره في هذا المقام، ما يكون من ترك الصلاة، وذلك لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». ولعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله»، ما ينفعك عملك بعد ذلك إن لم تكن مصليًا، إن لم تكن مصليًا لله. ولهذا يذكر العلماء أن من محبطات الأعمال ترك الصلاة، فلا تترك الصلاة يا عبد الله. وجاءت أدلة خاصة، كما جاء في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله». صلاة العصر، فهذه الفريضة بخصوصها، وإن كانت هناك بعض الروايات جاءت عامة: «من ترك صلاة فقد حبط عمله»، لكن في الصحيح: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله». وعلى القول الصحيح في شرح هذا الحديث، على أن إحباط العمل لتارك صلاة العصر، إنما يتعلق بحبط عمل يومه، هذا اليوم، يعني من متى؟ من الفجر إلى غروب الشمس. ولماذا صلاة العصر؟ لأن صلاة العصر آخر الصلاة النهارية، لأن بعدها غروب الشمس، بعد العصر غروب الشمس. فما عملته وما تعمله من عمل صالح، من طلوع الفجر مثلاً، من بعد الفجر، أتيت بالنوافل، أتيت بأذكار، أتيت بأوراد، أتيت بورد القرآن، صليت الضحى، فعلت الأعمال إلى الظهر، وأنت على هذه الوتيرة إلى أن جاء وقت العصر، ضيعت، ضيعت العصر، مباراة مثلاً أقيمت في الساعة الثالثة، فذهبت إليها إلى الساعة قبيل العصر، إلى قبيل المغرب، ثم تهونت فيها، خلاص، مغرب الآن، ما في داعي، ترك صلاة العصر، ترك صلاة العصر يحبط هذه الأعمال كلها، من الفجر إلى غروب الشمس، إلى غروب الشمس. والمقصود بترك الصلاة، أي بالكلية، انتبه لكلامي، أعني ترك الصلاة أي بالكلية، فمن مثلاً أضعف الإيمان صلى في بيته، خرج من الحديث لأنه صلى، لأنه صلى، أو من ترك صلاة العصر لعذر لنوم أو نسيان، خرج من هذا الحكم، لقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فكفارة ذلك أن يصليها إذا ذكرها»، خرج، لكن الحديث يتحدث عن من لا يصليها، حذفها من عمل يومه، فما يصلي صلاة العصر، فهذا حبط لجميع عمل يومه. فكذلك رابعًا مما أذكره من محبطات الأعمال الذهاب إلى الكهنة والعرافين، وذلك لما جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام: «أن من أتى كاهنًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا». من أتى عرافًا، ويدخل في العراف الرمال والكاهن وكل ما ينبئك عن أمر الغيب، وأعظم منهم الساحر. تأتي إلى عراف، إلى كاهن، حكمه حكم ذلك عند الله، أن الله يحبط عنك صلاة أربعين يومًا، يدخل في الحرمان والإحباط الفرائض والنوافل، كل ما مضى، احسب أربعين يومًا تذهب عليك هدرًا، هذا فقط في حق من أتى ويسأل، فسأله. وأدخل العلماء في هذا الباب عدة صور من صور ذلك، مثلاً أن الإنسان يتعنى لشراء جريدة أو مجلة لكي يعرف الأبراج، تعرف النظام الأبراج، أبراج أصبحت هذه من الثقافات عندها في المجتمعات، وهو برج الثور، وبرج الدلو، وبرج الحوت، وانظر أنت في إيش المواليد، وهذا برجك، وهذا برجك، ينبئك عن مستقبلك، أنك ستواجه كذا، وأن مستقبلك زاهر، وأنك كله رجما بالغيب، كهانة، هذه كهانة. فالذي يتعنى مثلاً لشراء جريدة، مجلة، يتعنى لكي يعرف إيش الذي في برجه، هذا كأنك أتيت إلى كاهن، كأنك تسأل كاهن، حكمك حكم أن الله عز وجل يحبط عنك صلاة أربعين يومًا. ومثله المتابع للقنوات التي تنبئك عن ما في غد، ونحو ذلك، يتصل اتصالات مباشرة مع القائم على البرنامج، ويسأله: أنا من نجم كذا، وأنا كذا، وأنا من مواليد كذا، فماذا ترى؟ فماذا يسمع؟ هذا: «لم تقبل له صلاة أربعين يومًا»، الحذر الحذر من هذا الباب يا عبد الله. كذلك خامسًا مما أذكره من محبطات الأعمال ما يكون من التعرض لحقوق المسلمين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فهذا هو المفلس الذي جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: يأتي العبد يوم القيامة بحسنات من صلاة وصيام وزكاة، لكنه لما ضرب هذا، شتم هذا، قذف هذا، سفك مال هذا، وهي معطيات تدل على أن الإنسان تعدى المحارم الثلاث: الدماء والأموال والأعراض، فكان من أمره أن يؤخذ من حسناته، يؤخذ من صيامه، ومن صلاته، ومن زكاته، ومن حجه، ومن تلاوته، ومن قرآنه، قرآنه، حتى تنفذ على حسب الغرماء ممن يطالبونك بحقوقهم، تنفذ، ذهبت أعمالك إلى غيرك، ما استفدت منها. ومما أذكر في هذا المقام مثلاً، إخواني في الله، الدين، الدين من الحقوق المالية الذي يأخذ أموال الناس دينًا ثم يهرب أو يفر أو يجحد أو ينكر، وهي في ذمته، هذا أمر أشد. ويدخل في الحقوق المالية، ومهما كان شأنه، مهما كان مقامه، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشهيد، وهو شهيد من أعلى درجة من الشهادة، بعد الأنبياء والرسل، لا أحد من الشهداء في هذا المقام العالي، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين، إلا الدين. فلا تستهين، عبد الله، بحقوق الغير في الدماء والأموال والأعراض. أخيرًا، إخواني في الله، أختم هذا المقام من محبطات الأعمال أيضًا التهاجر والهجران، التهاجر والهجران، فإن ذلك شؤمه، معنى من كبائر الذنوب، أيضًا شؤمه أنه يفسد عليك عملك، ثبت في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم، رجل أم قومًا وهم له كارهون، وامرأة بات عنها زوجها وهو عليها ساخط، وأخوان متصارمان». فهؤلاء الثلاثة أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أن الله ما يقبل منهم العمل، وخاصة الصلاة، لا ترفع لهم صلاتهم فوق رؤوسهم. رجل أم قومًا وهم له كارهون، وهم له كارهون، أي كراهة دينية، كراهة شرعية. ورجل وامرأة بات زوجها وهو عليها ساخط، وذلك لتفريطها في حقه. وأخوان متصارمان، متصارمان، أي متشاحنان، هؤلاء لا تقبل منهم العمل. ويؤيد هذا المعنى ما ثبت في مسلم: أن الله عز وجل يغفر يوم الاثنين والخميس لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظر هذين حتى يصطلحا. الشاهد، إخواني في الله، هذه بعض المحبطات، وبقي غيرها، ولعل نرجئ الحديث عنها بإذن الله في مقام آخر. فالذي ذكرنا في هذا المقام من محبطات الأعمال: الرياء، وهكذا كراهية الدين، وهكذا ترك الصلاة، والإتيان إلى الكهان والعرافين، وما يكون من التعرض لحقوق المسلمين، وما يكون من الهجران والشحناء والبغضاء. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.