الدرس في تعلقات رمضان على أهل الإسلام 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الخطيب بالحديث عن أهمية معرفة محبطات الأعمال التي تفسد الحسنات والأعمال الصالحة، ويشير إلى ثلاث قواعد مهمة في هذا السياق.
يتناول المقطع موضوع محبطات الأعمال، مشيرا إلى أن الوقوع في الشرك والكفر والردة يحبط الأعمال، ويوضح تأثيرها على الحسنات والأعمال الصالحة.
الردة والكفر يحبطان الأعمال، ومن يرتد عن دينه ويموت كافرًا تحبط أعماله، بينما من يرتد ثم يتوب يرجى له أن يعيد الله له حسناته.
أنهى الشيخ درسه بالتطرق إلى أحد عوامل إحباط الأعمال، وتعهد ببقية الموضوع في دروس لاحقة، ثم ختم بالدعاء والصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، بالأمس إخواني في الله كان حديثنا عن المتعلق الثاني مما هو من تبعات رمضان على أهل الإسلام، وهما يكون من الحفاظ على الأجور والحسنات، وحين أشرنا إلى ما يعبر عنه بمحبطات الأعمال، وأن هذا المقام إخواني في الله يستلزم منه ثلاثة أمور أشرنا إليها باختصار، منها عدم الاغترار بما كان منك من أعمال وأحوال، فلربما الذي تركن إليه لن تجده، والأمر الثاني ما يكون من الخوف والوجل عند أهل الإيمان الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، والأمر الثالث ما يكون من العلم أن تعلم هذه المحبطات يا عبد الله حتى تحذر منها. ومن هنا إخواني في الله في هذه الدروس سنحرص على ذكر أهم محبطات الأعمال، والذي ينبغي على أهل الإسلام أن يكون منها بحذر واهتمام. وقبل الدخول في هذه المحبطات أحب كذلك أن أشير إلى ثلاثة مسائل أشير إليها إشارات. المسألة الأولى علينا أن نعلم أن ما يذكر من محبطات الأعمال ينبغي أن تكون مأخوذة من الكتاب أو من السنة، بمعنى أنها توقيفية، فهي لا تعود إلى أهوائنا ولا إلى أذواقنا ولا إلى اشتهاداتنا، وإنما هي تعود إلى أدلة موجودة من الكتاب والسنة، فلا نتوسع في هذا المقام، فلا تأتي إلى أحد ما فعل مخالفة فتحكم على عمله بالبطلان، هذا ليس لك، إذن هذه القاعدة الأولى في محبطات الأعمال أنها توقيفية، لا يحكم على عمل بأنه محبط لما مضى إلا بدليل شرعي. الأمر الثاني ينبغي أن نعلم أن ما يذكر أنه من محبطات الأعمال حكمه عند العلماء أنه من كبار الذنوب والآثام، لأنه لا يمكن للحسنات الكبيرة أن تذهب وأن ترفع إلا بأمر كبير، سيئة عظيمة هي التي استطاعت أن تزحزح هذه الأبواب من الخيرات ومن الحسنات، فلا يتأتى هذا إلا من أمر عظيم، نعبر عنه بكبيرة كبيرة من كبار الذنوب، إذن فيما سنذكره وما يذكره العلماء مستنبطين من الكتاب والسنة أن هذا الأمر الفلاني هو من محبطات الأعمال، إذن احذره يا عبد الله من جهتين: الجهة الأولى في نفسه أنه عظيم وإثمه جسيم لأنه من كبائر الذنوب، والأمر الثاني من الحذر من ما يكون من أثره أنه يعود على عملك بالبطلان وبالإحباط، فوجب الحذر. القاعدة الثالثة مما أمهد له في محبطات الأعمال وهي أن هذه المحبطات أنها تتفاوت في مسألة الإحباط لما كان من الأعمال، فمنها ما يدعو إلى البطلان، ومنها ما يدعو إلى النقصان، من المحبطات ما يعود إلى الأعمال بالبطلان، ومنها ما يعود بالنقصان، بطلان أي أن العمل كأنك لم تعمل شيئا، تظن أنك عملت عملا صالحا فتأتي يوم القيامة إذ بهذا العمل لا شيء، ما ستجده لأن الله عز وجل قد أحبط عنك هذا العمل، أو يكون بالنقصان أي أن هذا العمل الذي عملته وهو من محبطات الأعمال لربما عاد إلى عملك بالنقصان، والنقصان يتفاوت، لربما هذا العمل الذنب السيء لربما رجع إلى عملك بنقصان الربع أو الثلث أو النصف، الله أعلم على حسب ما كان من جرمك. ويدل على ذلك ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن العبد لا يصلي فما يكتب له في صلاته إلا نصفها أو شطرها أو إلا ربعها أو إلا ثلثها حتى قال نبينا: وما كتب له منها شيء»، أي أن العبد لو ربما يخرج من صلاته لا تخرج كاملة، يحصل نصف الأجر أو ربع الأجر أو ثلث الأجر أو خمس الأجر، إلى أن قال النبي: «وقد يخرج من الصلاة وليس له أجر»، فهو يتفاوت في مسألة النقصان. فهذه القواعد الثلاثة إخواني في الله ينبغي أن تكون في البال، أن نعلم أن المحبطات توقيفية، وأن المحبطات من كبائر الذنوب والآثام، وأن المحبطات تتفاوت في عملية الإحباط، منها ما يدعو إلى البطلان ومنها ما يكون إلى النقصان. إخواني في الله، المحبطات محبطات الأعمال كثيرة التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة، حتى أن من العلماء من أوصل إلى ثلاثين عاملا من عوامل إحباط الأعمال إلى أكثر من ثلاثين. وهنا بإذن الله نحاول باختصار في هذه المجالس أن نبين وأن نشير إلى أهمها وأعظمها خطرا أو ما يكون من أكثرها انتشارا حتى نحرز أعمالنا أن تسلب من بين أيدينا. مما أذكره إخواني في الله من أوائل محبطات الأعمال الوقوع في شيء من مظاهر الشرك، الوقوع في مظهر من مظاهر الشرك، فالشرك هو الظلم العظيم الذي ليس بعده أي ظلم، ومن شر هذا العمل أنه يعود إلى الأعمال السابقة بالإحباط، بل قال العلماء: ما هناك شيء يحبط كل عمل إلا الشرك، كل عمل يصفر الرصيد، ما يبقى لك شيء أبدا من الأعمال، الشرك كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. والشرك معنا كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، أن تجعل لله نظير، أن تجعل لله مثيل، أن تجعل لله ندا مساوي مع الله عز وجل هذا شرك يا عبد الله، أنك تجعل معبودا يعبد من دون الله عز وجل. وللأسف أن نجد أن من الناس من يقع في صور الشرك وهو لا يشعر أنه قد وقع في هذه الطامة العظيمة، ما يكون منه الالتجاء إلى غير الله اعتقاد النفع والضر، الدعاء والنداء والذبح والنذر، تقريب القرابين إلى غير ذلك، أن تصرف للأصنام والأوثان والأموات والأحياء للقبور والقباب، كل ذلك شرك مهما سمي بأي اسم. ويدخل في الشرك يا عبد الله الكفر، الكفر كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، أن تكفر بالإيمان، من ذلك قد جاءت الأدلة على أن الإنسان يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، فمن كفر بمثل هذه المبادئ الإيمانية فهو كافر، كافر يحبط عمله. ومما يدخل أيضا في مسألة الكفر الردة، الردة من كان يوما ما مسلما موحدا مصليا قائما بما أمر الله عز وجل به ثم ارتكس وارتد ورجع القهقرة وأصبح يهوديا بعد إسلامه أو نصرانيا بعد إيمانه أو كان بلا دين بلا دين ولا ملة ولا نحلة كحال اللادنيين والعلمانيين، هؤلاء من وقع في براثن الردة، حكمه من حكم الكفار ومن حكم المشركين، بمعنى لا يبقى له عمل، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فأخبر ربنا عز وجل أنه من يرتد عن دينه انتكس عن دينه، وظاهرة الردة للأسف أقولها والألم يعتصر القلوب ما نجده من فشوها في مثل هذه الأزماء، حتى أصبح يطل علينا أناس يعلنون بكل جرأة وبجاحة وبقاحة بأنهم لا دين لهم، لا أذهب غربا ولا شرقا، بل أتكلم عن بني جلدتنا من هم من هذه البلاد اليمنية، من يطل علينا في التواصل ويعلن أنه ارتد وأنه كافر بالله وبدينه وبرسوله. هذه أخوان عوالم الردة قد وجدت وتظهر، ومن أضعف ومن أقل صوري الردة التشكيك، التشكيك أن يبقى الواحد يقول: أنا ما أدري، أنا ما أظن، ما أظن أن رمضان فرض، هذا بالأمس أخبرني أحد الأخوة بالأمس عن مقالات خرجت عن أمثال هؤلاء من أخذ يمرر هذه المسألة بأن رمضان في الحقيقة ليس بفرض، إذن ماذا ما هو فرض؟ كفر هذه الثوابت الإسلام التي تظاهرت عليها الأدلة وأجمعت عليها الأمة وأصبح من المعلوم من الدين بالضرورة، من شكك فيها فهو كافر. لكن هذا موجود، أنا أقول عبث هذا موجود، هذا بالأمس أخبر بهذا، نهيك عما قد مضى من صور الردة من التشكيك بمعالم الدين، من صور الردة الفاشية للأسف ما نسمعه من سب الدين، من سب الرب، هذا كفر بإجماع الأمة، كافر، كذلك الاستهزاء بشعائر الدين، التطاول على معالم الدين بالاستهزاء والسخرية والتضاحك والتفكه والفكاهيات، وما وجدت إلا دين الله تتفكه عليه يا عبد الله. كذلكم الذهاب إلى السحر وإلى الكهانة، وصور الكفر والردة والشرك كثيرة، ولعل الله عز وجل إن مد بالأعمار أننا نتباحث في دروس خاصة عن نواقض الإسلام والإيمان. فالشاهد إخواني في الله أن هذه المسألة وهي سواء كانت الشرك أو الكفر أو الردة كلها تقول إلى أصل واحد، أن من أعظم آثارها وآثامها أنها تعود إلى عملك يا عبد الله بالإحباط كلية، تبقى مسألة وقع فيها الخلاف بين العلماء، هل الكفر مباشرة يحبط؟ وقع الخلاف هذا، فمن أهل العلم من يرى أن الإحباط يكون إذا مات إذا مات على الردة، اعلم أن يوم القيامة لن تجد شيئا إذا تاب فإننا نرجو من الله أن ما مضى من أعماله تعود إليه، وهذا مسألة خلافية، وذلك لقول ربنا عز وجل: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فجعل العلماء هذا قيد قيد في الإحباط الردة والموت عليها، يرتد ويموت على الردة، فإذا ارتد ولم يمت بمعنى ارتد ثم أسلم ورجع إلى الإسلام، ويرجى من الله عز وجل أن يعيد له ما كان من حسنات، وهي كما قلنا مسألة خلافية، لكن هذه تعطي بصيص أمل لمن كان وقع في ردة أنه يذكر بأن الأمل مفتوح، ولا زالت رحمات الله تتنزل على عباده، تب وارجع يا عبد الله، سيرجع الله لك ما كان من أعمالك. أقف إلى هذا بهذا العامل من عوامل إحباط الأعمال، ونترك البقية وهي كثيرة في دروس قادمة، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.