التعليق على الجواب الكافي 134

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 134، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

علامات خراب العالم وقيام الساعة

ذكر الإمام ابن القيم أن الزنا من علامات خراب العالم وقيام الساعة، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك في خطبته في صلاة الكسوف. ظهور الزنا وانتشاره من أشراط الساعة.

عقوبة الله تعالى للعصاة

يعاقب الله تعالى على المعاصي خصوصا إذا انتشرت في المجتمع، وقد تكون العقوبة بنزع البركة وزيادة الشر. قد يعجل الله العقوبة للعبد الصالح ليطهره من الذنوب.

حد الزنا وتطبيقه

شرح خصائص حد الزنا وسبب تشديد الله تعالى فيه، ونهى عن الرأفة في إقامة الحد على الزناة. يوجد رأفة في قلوب الناس تجاه الزناة أكثر من غيرهم من مرتكبي الجرائم.

  • 13 جمادى الآخرة 1443هـ - 16/01/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله بعض ما جاء في الزنا أو جريمة الزنا، وأنها جريمة عظيمة، وأنها أيضا من الفواحش التي يغار الله عز وجل إذا فعلت في الأرض، إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه. وفي الصحيحين، في خطبته في صلاة الكسوف، قال: «يا أمة محمد، والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته»، يا أمة محمد، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ثم رفع يديه صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم هل بلغت». قال رحمه الله -أي الإمام ابن القيم- وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله. وظهور الزنا من أمارات خراب العالم، وخراب المجتمعات، فلهذا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف. ويريد الإمام ابن القيم رحمه الله أن يبين أن صلاة الكسوف أو أن الكسوف هو نذير لانتهاء هذا العالم أو لقيام الساعة، فنبه النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف على الزنا لأنه خراب للعالم وخراب للمجتمعات، فلهذا نبه عليه النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الموقف. قال: وهو من أشراط الساعة، كما في الصحيحين عن أنس بن مالك، أخرجه البخاري ومسلم من حديثه، قتادة عن أنس. وذكر الإمام البخاري في تبويبه: من أشراط الساعة ظهور الزنا أو انتشار الزنا. قال أنس رضي الله عنه: «لا، لو حدثنكم حديثا لا يحدثكم به أحد بعدي، سمعته من النبي عليه الصلاة والسلام». وهذا قاله لعله في آخر حياته، أنا قد انقرض أكثر الصحابة، وأنا استأخر من الصحابة الذين ماتوا في آخر الوقت معنا مات بعد المئة. قال: «يقول: من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، إذا رفع العلم ظهر الجهل». ويرفع العلم بذهاب أوعيته، ذهاب العلماء، من الله لا ينزع العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن يذهبه بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فظهر الجهل. إذا مات العلماء ظهر الجهل في الناس، وظهر المتعلمين الذين يفتون الناس بجهل. قال: «ويشرب الخمر، ويظهر الزنا، ويقل الرجال، وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد». وشاهد في هذا الحديث: «ويظهر الزنا»، ومعنى ظهوره، ومعنى ظهوره: أي انتشاره وكثرته، وهذا من قيام الساعة. حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنه قرب قيام الساعة: «يتسافد الناس كتسافد الحمر»، تسافد الناس كتسافد الحمر، معنى أنه مثل الحمار يركب ويزني في الشارع. وهكذا أيضا، فأكثرهم -أيضا- لا أحد ينكر، قال له: «لو ابتعدتم عن هذا الإنكار»، أنه لو ابتعدتم قليلا عن الناس. وهذا يدل على انتشار الزنا، حتى إنه لا ينكر، وأنه مثل في بعض المجتمعات الكافرة، تجد أن الزنا لا ينكر أحيانا حتى في الشوارع، إنه صار مثل الحمر. وهذا أيضا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحصل في هذه الأمة، يحصل عند الظاهر عند العرب، الله أعلم. وهذا الانفتاح في بعض الدول قد يؤدي لمثل هذه الأشياء. قالوا: قد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب الله سبحانه وتعالى، واشتد غضبه، فلابد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة. قال عبد الله بن مسعود: «ما ظهر الربا والزنا في قرية إلا أذن الله باهلاكها». والاذن بالاهلاك ليس المراد أنه يدمرها، لكن قد تنزع البركة منها، تنزع البركة منها، وأيضا يزيد الشر فيها، وهذا هلاك، أن يزيد أهل الشر في هذا المكان، هذا هلاك لهذه القرية. قال: ورأى بعض أحبار بني إسرائيل ابنا له يغمز امرأة، يغمزها -معنى يضربها في مكان لا يجوز له أن يضربها فيه، أو يمس يدها، أو يمس شيء من جسدها- فقال: «مهلا يا ابني». لم ينكر عليه إنكارا شديدا، فصرع الأب عن سريره، إن هذا عقاب له، فانقطع نخاعه، وأسقطت امرأته، أنها أسقطت حملها. وقيل له: «هكذا غضبك لي، لا يكون في نسلك خيرا أبدا». وهذا ليس حديثا، وإنما هو من أخبار بني إسرائيل، وقد تكون صحيحة، وقد تكون خطأ. لكن المعروف معناه في الشرع: أن الله عز وجل قد يعاقب من هو عالم بعقوبة لا يعاقب بها الجاهل، أن العالم ليس كالجاهل، العالم وأيضا طالب العلم الذي يعلم مثل هذه الأمور ليس هو كالجاهل، ففعل العالم يكون أعظم. ولهذا جاء عن السلف أن بعض السلف كان يرى أثر المعصية في تغير دابته، تغير أمرأته، وأنه يرى هذا الأمر. وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده على الذين هم أطوع الناس له، فإن الله عز وجل ينبههم على هذا الانحراف، فهذا خير لهم، أن كل من حاد أو حصل منهم تقصير، عرفهم الله عز وجل أن عندهم شيء. ولهذا في حديث يبي اليسر، لذاك الرجل الذي جاءته المرأة -صحابي كانت مرأة، وكان يبيع تمرا- فقالت له: اشتري منك تمرا، قال: نعم أشتري، وفي الداخل ما هو أفضل من هذا، فدخلت، فمسها، فقالت: «اتق الله»، هذه المرأة قالت: «اتق الله»، فتندم هذا الصحابي رضي الله عنه، وخرج مهموما، وأراد أن يذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ومن كثرة همه في الطريق ضربه جدار أو حائط، أنه ضرب في رأسه، فمن ثم ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام أخبره بالخبر، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت عبد أراد الله بك خيرا»، أنت عبد أراد الله بك خيرا. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله عز وجل إذا أراد بالعبد خيرا عجل له العقوبة»، إذا أراد بالعبد خيرا عجل له العقوبة، وإذا أراد بالعبد شرا أخر له العقوبة حتى يوافيه يوم القيامة. فلهذا أهل الصلاح يدركون أماكن النقص فيه، أماكن النقص فيه. وهذا الذي يحاسب نفسه يرى أن اليوم مثلا لم يصل الراتب، لماذا قد يكون تقصير منه؟ لم يقم الليل، لماذا قد يكون تقصير منه؟ لهذا كان الحسن رحمه الله يقول -رضي الله عنه- لمن اشتكى أنه لا يقوم الليل، فقال: احفظوه في النهار، يقمكم بالليل، احفظوا الله عز وجل في معنى محارمه، لا تنتهيكم حرماته، فإنه يقمكم بالليل. فهذه من نعمة الله عز وجل على عباده أنه يعجل لهم العقوبة حتى يعرفوا أنه قد أخطأ. فلهذا هذا العبد من بني إسرائيل لم يتمعر وجهه في معصية الله، وإنما فقط قال لابنه: «مهلا يا ابني»، فعاقبه الله عز وجل عن صرعه ومات صرعه من سريري، وانقطع نخاعه. قال: وخص سبحانه حد الزنا من بين سائر الحدود بثلاث خصائص، أنه هناك ثلاث خصائص في حد الزنا، وهذه الثلاث الخصائص ليست موجودة في الجرائم الأخرى، وأيضا المعاصي الأخرى. قال: حدها القتل فيه بأشنع القتلات، أنه يقتل بأشنع القتلات، وهو الرجم إذا كان ثيبا. قال: حيث خففا وجمع فيه بين العقوبة على البدن في الجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة. وهذا هو الصحيح أن الثيب يقتل، والبكر فإنه يجلد مئة ويغرب. وجاء في حديث عبادة: «خذوا عني، خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيل»، الثيب بالثيب الجلد والرجم، والبكر بالبكر جلد مئة والتغريب عام، جلد مئة والتغريب عام، أنه يجلد مئة جلده، ويغرب عن وطنه عن مكانه سنة. قال: الثاني: أنه نهى أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه، بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم، فإنه سبحانه من رأفته بهم ورحمته شرع هذه العقوبة، فهو أرحم بهم منكم بهم، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة، أنه لا ينبغي للمسلم أن تأخذه رأفة لهؤلاء الزناة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فلأنه انتهى بحرمة الله بهذا الزنا فلا ينبغي أن يشفق عليه. وهذا متى إذا افتضح أمره، وليس المراد أن الإنسان يفضح أخاه، وأيضا مثلا يغري به، وأيضا يشتكي به إذا كان رآه مثلا، لا، الأفضل هو الإسرار أو الستر كما تقدم، إلا لمن كان كان يفعل هذا كثيرا وشره مستطير، فمثل هذا لا يتستر عليه. قال: فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره. قال: وهذا وإن كان عاما في سائر الحدود، ولكن ذكر في حد الزنا خاصة بشدة الحاجة إلى ذكره، معنى الله عز وجل لم يذكره إلا في الزنا: «ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله». قال: فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقوة على الزان ما يجدونه على السارق والقادف، والقادف وشارب الخمر، فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم والوقائع. والواقع شاهد بذلك، فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله عز وجل. وغالبا أن هذه الرحمة تنشأ كما ذكر الإمام ابن القيم هنا لأجل أن طبيعة الإنسان تأتي بمثل هذه الأشياء والشهوة موجودة، ولهذا يقع في هذا الذنب الأشراف والأوساط والأراذل وغيرهم، فلهذا تأتي الرحمة بعد ذلك. فقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾.