الدرس في التعليق على الجواب الكافي 133، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الدرس بالحديث عن تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج، ويستدل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يضمن الجنة لمن حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه. كما يشدد على خطورة الزنا والقتل والشرك بالله.
يتطرق المقطع إلى مفسدة الزنا وأثرها على الفرد والمجتمع، حيث يؤدي إلى اختلاط الأنساب وإفساد المرأة وتعريضها للتلف والفساد، ويترتب عليه الفقر وقصر العمر وسوء السمعة بين الناس.
يذكر المقطع عدة عقوبات وأضرار للزنا منها أنه يقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه، ويجلب البغضاء له في قلوب الناس، ويشتت القلب ويمرضه، ويباعد صاحبه من الله ويقربه من الشيطان.
يختتم الدرس بالتأكيد على استكماله في درس لاحق مع شكر الحاضرين، مشيرا إلى أهمية الاستمرار في مناقشة الموضوعات المطروحة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل، وهذا كله ذكرناه مقدمة بين يدي تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج. أنا ذكر هذه المقدمات، ومن ذلك هذه الخطرات واللفظات والنظرات، وكذلك الخطوات؛ لأن هذه أصل المعصية. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن بني آدم مدرك حظه من الزنا لا محالة، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع...» إلخ. فلهذا هذه المقدمات لهذه الفاحشة أو لهذه المعصية. ومن حفظ هذه الأمور فلا شك أنه سيحفظ فرجه. قال: وهذا كله ذكرناه مقدمة بين يدي تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج. وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج»، وهذا قد تقدم معنا، وأنه حديث حسن. وأيضا أصرح منه وأصح منه ما جاء في الصحيحين بحديث سهل بن سعد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة». من ضمن لي ما بين لحييه -أي فمه- وما بين رجليه -أي فرجه- أضمن له الجنة. هذا ضمان من النبي عليه الصلاة والسلام لمن ضمن وحفظ فرجه وفمه -أي لسانه-. قالوا: في الصحيحين عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». هذا الحديث في الصحيحين كما ذكر، خرجه البخاري، المسلم من طرق، من طريق الأعمش، وواصل بن الأحدب، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، وهو حديث عبد الله بن مسعود: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». وجاء كذلك عن عثمان، وعن أبي هريرة، وعن غيره. قالوا: هذا الحديث في اقتران الزنا بالكفر وقتل النفس نظير الآية التي في الفرقان، ونظير حديث عبد الله بن مسعود. أن الآية في الفرقان هي قول عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، أن اقترن الكفر والشرك بالقتل والزنا. وهنا أيضا ترتيب هؤلاء ثلاثة. وأراده نظير حديث عبد الله بن مسعود -أي حديث عبد الله بن مسعود الذي خرجه البخاري، المسلم- أن عبد الله بن مسعود قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». قال: ثم قلت: يا رسول الله، ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك». قال: قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فذكر هذه الثلاث: الشرك، والقتل، والزنا. وفي هذا الحديث أيضا ذكر هذه الثلاث: الكفر، والقتل، والزنا. قال: بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأكثر وقوعا، ثم بالذي يليه. فالزنا أكثر وقوعا من قتل النفس، وقتل النفس أكثر وقوعا من الردة -نعوذ بالله منها-. قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى الثلاث: الثيب الزان». فإنه إذا كان ثيبا وزنا يقتل، أن يرجم حتى يموت. والثيب المراد به الذي قد وطئ وطئا صحيحا -أي قد تزوج-. فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم به لأنه أكثر وقوعا، ثم ثنى بقتل النفس، ثم بعد ذلك بالكفر والردة. وقد يقال أيضا: إنه جعله النبي صلى الله عليه وسلم تصاعديا، فأول الزنا، ثم قتل النفس الذي هو أشد، ثم أشد وهو الكفر بالله عز وجل والردة. والآية جعلها تنازليا -على تنازل-. وهذا تجده في القرآن أحيانا يكون الأمر تنازليا من ناحية الجرم، وكذلك من ناحية أيضا الفضيلة. فتجد أحيانا يكون تنازليا، وحيانا يكون تصاعديا. قول العزيز الحكيم: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فهذا يعتبر تصاعدا. جعل الإثم بعد الفواحش، وجعل البغي بعد الإثم، وجعل الشرك بالله بعد البغي، وجعل القول على الله عز وجل بعد الشرك؛ لأن القول على الله عز وجل يؤدي إلى شرك، ويؤدي إلى ما هو أعظم من الكفر وغيره، فهو أوسع من الشرك بالله. قال رحمه الله: وأيضا فإنه انتقال من الأكبر إلى ما هو أكبر منه مفسدة. ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم. فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وقاربها. مفسدة الزنا ليست فقط هذه المفسدة، تؤثر على الزاني والزانية، بل تؤثر أيضا على المجتمع؛ لأن هذا الزنا يكون منه الولد، فتدخل الزانية ولدا على غير أهله، فأدخلت العار على أهلها وزوجها كذلك، وأقاربها، ونكست رؤوسهم بين الناس. وإن حملت من الزنا فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل، وإن أبقته حملته على الزوج -إذا كانت زوجة- فإنها عار أدخلت العار على أهلها. وكذلك إن حملت من الزنا فإن قتلت ولدها كانت جريمتين؛ أنها ارتكبت جريمتين. وإن كانت مثلاً تركته وجعلته على الزوج، فهذا أيضا جريمة؛ لأنها أدخلت عليه ما ليس منه. قال: وإن أبقته حملته على الزوج، فأدخلت على أهلها وأهله أجنبيا ليس منهم. فوارثهم وليس منهم، ورعاهم وخالطهم وانتسب إليهم وليس منهم، إلى غير ذلك من مفاسد زناها. وأما زنا الرجل فإنه يوجد اختلاط الأنساب أيضا، وإفساد المرأة المصونة وتعريضها للتلف والفساد. ففي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين، وإن عمرت القبور في البرزخ، والنار في الآخرة. فمن مفسدة الزنا من استحلال محرمات، وفوات حقوق، ووقوع مظالم. قال: من خاصية الزنا أنه يوجب الفقر، ويقصر العمر، ويكسو صاحبه سواد الوجه، وثوب المقت بين الناس. هذه الخواص جاءت في حديث ضعيف، ولم يأت في حديث صحيح. لكن عمومات الأدلة تدل عليها؛ لأن الطاعة توجب الغنى -الطاعة توجب الغنى- وإن كان الغنى ليس غنى المال، وإنما غنى النفس. وكما أن المعصية توجب الفقر، حتى وإن كان عنده أموال، لكنه تجده يلهث. كما جاء في الحديث: «ويجعل فقره بين عينيه» -أن لا يفارقه هذا الفقر وإن كان من أغنى الناس-. قالوا: يقصر العمر، كما أن الطاعات تزيد في العمر، فالمعاصي تقصر العمر. ويكسو صاحبه سواد الوجه، فلا شك أن سواد المعصية يعرفه من خبره، ومن كان ألزم الناس به. قالوا: ثوب المقت بين الناس -أن يوضع له البغضاء بين الناس- فتجد الشخص يكرهه أو يكره هذا الزاني، وإن لم يعلم أنه زنى. أن يلقي الله عز وجل البغضاء له في قلوب الناس. قالوا: من خاصية الزنا -كما أنه العكس- يلقي الله عز وجل في قلوب أهل الطاعة المودة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ -أي محبة في قلوب الناس-. قالوا: من خاصيته أيضا أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته، ويجلب الهم والحزن. أن أعظم ما يقتل القلب هو الزنا والمعاصي -هذه الفواحش- فتقتله أو تمرضه، إلا أن يشاء الله عز وجل فيتوب عليه ويرجع عن هذه المعاصي. قالوا: يباعد صاحبه من الملك، ويقربه من الشيطان؛ لأن الإنسان عنده ملك وعنده شيطان، فإذا أقبل على طاعة الله فكان في لمة الملك، وإذا خرج إلى المعصية فكان في لمة الشيطان. وجاء ذلك في بعض الأحاديث. قال: فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته. ولهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه، وهو الرجم. وأفحشها وأصعبها. ولو بلغ العبد أن امرأته أو حرة أو أمته قتلت، كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت. لو بلغ العبد أن امرأته قتلت، فهذا أسهل عليه أن يبلغه أن امرأته زنت. قال: وقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «تعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني. ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن». وهذا في الصالحين -كما مر-. قال: في الصالحين أيضا أن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه. كما قال في خطبة الكسوف: «لا أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن». وقال أيضا: «يا أمة محمد، والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته». فهذا النبي عليه الصلاة والسلام يبين أن أعظم انتهاك لحرمة الله عز وجل أن يزني العبد أو تزني الأمة -أي الرجل أو المرأة-. قال: في الصحيحين عنه: «لا أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر وما بطن. ولا أحد أحب إليه العذر من الله؛ من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين. ولا أحد أحب إليه المدح من الله؛ من أجل ذلك أثنى على نفسه». وفي الصحيحين في خطبته صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الكسوف، أنه قال: «يا أمة محمد، والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا». قال: ثم رفع يديه فقال: «اللهم هل بلغت». طيب إن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق. فنكتب بهذا والله تعالى. شكرا.