بر الوالدين

الخطبة بعنوان بر الوالدين، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 28 جمادى الأخر 1439هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية بر الوالدين والإحسان إليهما

يؤكد على أهمية بر الوالدين ومعاملتهما باللطف والاحترام، مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يشدد على ضرورة طاعتهما والإحسان إليهما حتى في كبر سنهما.

وجوب طاعة الوالدين والإحسان إليهما

يجب على المرء أن يبر بوالديه ويطيعهما ويحسن إليهما، ويدعو لهما بالرحمة. طاعة الوالدين والإحسان إليهما من القربات العظيمة والطاعات الجليلة.

فضل بر الوالدين وأثره في الدنيا والآخرة

بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله تعالى، ويأتي بأجور عظيمة في الدنيا والآخرة، وهو طريق إلى الجنة. أثر بر الوالدين يظهر في زيادة الأرزاق وتفريج الكروب ودخول الجنة.

ختام الخطبة والدعاء للمسلمين

ختمت الخطبة بالتأكيد على أهمية بر الوالدين لتحقيق دخول الجنة، والصلاة على النبي محمد عليه الصلاة والسلام والدعاء للمسلمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، وأما حق العباد، حق العباد تأذيته ذلك بإعطاء كل ذي حقٍ حقًّ على اختلاف رتبهم وعلى قربهم وبعدهم. عباد الله، وإنه ما من حق أعظم بعد حق الله وأكد وأشهد من حق الوالدين، فحقهما من آكد الحقوق، فلهما المنزلة العلية والرتبة السنية، فما هناك حق يوازي ولا يساوي حق الوالدين. عباد الله، ويكفيك دلالة على عظم حق الوالدين أن الله جل في علا قرن حقه بحقهما، وذلك في مواضع كثيرةٍ من كتابه، قال سبحانه: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾، وقال سبحانه: ﴿واعبدوا الله لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾، وقال سبحانه: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا﴾. تأمل يرعاك الله كيف أن الله جل في علا قرن حق الوالدين بحقه بحق عبوديته وإفراده بوحدانيته، وما ذاك إلا لعلو شأنهما ولرفيع قدرهما، إذ أنهما بعد الله سبب في وجودك في هذه الدنيا، فلولا هما ما كنت شيئًا يا عبد الله. وتأمل حفظك الله في وصف القرآن كيف أنه سبحانه وتعالى وصف التعامل مع الوالدين بقوله: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾، قال العلماء: الإحسان يشمل الأقوال والأفعال والاعتقادات والأحوال في المال وفي الجاه وفي جميع الطرق الإحسان، فما كان يسمى إحسانًا فأنت مطالب به بفعله مع والديك. وإن الله سبحانه وتعالى قد بيَّن لنا كيفية العشرة الحسنة مع الوالدين، فقال سبحانه: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾، قال المفسرون: قضى بمعنى أمر ووصى، ومصداقه في قوله جل في علاه: ﴿وصينا الإنسان بوالديه﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «استوصوا بأمهاتكم خيرا، استوصوا بآبائكم خيرا»، فإن بر الوالدين من الواجبات الشرعية ومن الشعائر التعبدية التي يجب على كل مسلم ومسلمة أن يؤديها إلى والديهم. قال سبحانه: ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف﴾، فالمعاملة تستمر معهما طوال حياتهما، لا تختص بفترة من الفترات أو بزمن من الأزمان، بل إنه كلما تقادم العهد بهما وبلغ من السن عتيًا فإن إحسانك إليهما آكد وأشد؛ لأنه بأمس الحاجة حينها إلى إحسانك. فلا تتذرع يا عبد الله بضعفهما وعجزهما على التمرد عليهما والإعراض عنهما، ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف﴾، يا سبحان الله، انظر يا عبد الله إلى هذه الكلمة ما أحقرها، إذا كانت كلمة «أف» لا تقال لهما احترامًا لجنابهما، فما ظنك يا عبد الله بما هو أعظم من ذلك كرفع الصوت عليهما وسبهما وشتمهما وتسفيه عقولهما أو بتهديدهما؟ فإن الأمر أعظم وأشد. قال سبحانه: ﴿ولا تنهرهما﴾، قال بعض المفسرين: الحكم السابق فيه النهي عن الإساءة إليهم بالأقوال، وهذا الحكم في النهي عن إساءة إليهما بالأفعال، ﴿فلا تنهرهما﴾، قال العلماء: كتحريك الأيدي تهديدًا لهما أو بالإشارة إليهما مهددًا أو بالاعتداء عليهما بضربهما أو بدفعهما، كل ذلك من الأفعال القبيحة. وذهب أهل العلم إلى أن معنى ﴿ولا تنهرهما﴾ أي: لا تقل لهما قولًا غليظًا، وكل ذلك منهي عنه، ثم قال سبحانه: ﴿وقل لهما قولًا كريمًا﴾، أمرك ربك بأن تقول القول الكريم، قال العلماء: القول الكريم هو القول الذي يستطيبه السمع وينشرح له الصدر وتستروح له النفس، هكذا يكون حديثك مع والديك دائمًا وأبدًا، عبارة عن مدح، عبارة عن ثناء، عبارة عن شكر لهما في حضورهما أو في غيبتهما. قال سبحانه: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾، قارن ربنا شكره مع شكر الوالدين، ﴿وإلي المصير﴾، ومن القول الكريم أنك يا عبد الله تختار أحسن العبارات وأفضل الكلمات حتى تتحدث بها معهما. قال ابن عمر رضي الله تعالى عنه لرجل: أتخاف النار وتريد أن تدخل الجنة؟ قال الرجل: إي والله، إي والله، فقال ابن عمر: أحي والدك، فقال الرجل: عندي أمي، فقال ابن عمر: «فوالله إن ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة، فوالله لئن ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة». ثم قال ربنا جل فعلًا مبينًا من تمام المعاملة الحسنة مع الوالدين: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾، وفي ذلك دلالة على ضرورة ووجوب التحلي بخلق الرحمة والتراحم معهما، فلا تكن يا عبد الله فضًا غليظًا ولا عنيفًا شديدًا، وإنما تكون على عظيم الشفقة معهما، يكون في معاملتك معهما الرحمة واللين والرأفة. إن كان من رحمة في قلبك يا عبد الله لا تجعلها لزملائك وأصحابك فتظهر عندهم بحسن خلق ومعاملة وبحسن دعابة وفكاهة، إن كان من رحمة في قلبك فاجعلها لوالديك؛ فإنهم من أحوج الناس إليها، وذلك بإعانتهما ومساعدتهما والمسارعة إلى قضاء حوائجهما والتفقد لأحوالهما والقيام على شؤونهما وإدخال الفرح والسرور على قلبهما. لكل ذلك يا عبد الله من معاني الرحمة التي ينبغي أن تتحلى بها أمام والديك، ثم قال سبحانه: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾، لسانك يا عبد الله لا يفتأ بالدعاء لهما والترحم عليهما في سجودك في صلاتك في كل أحوالك، تدعو الله جل وعلا أن يتغمدهم برحمته ويسكنهم فسيح جناته. أتدري لما يا عبد الله؟ قال سبحانه: ﴿كما ربياني صغيرًا﴾، الجزاء من جنس العمل، كما أنهما قاما بحقك في الصغر، وجب عليك أن توفي ذلك في الكبر، لو أن كل واحد منا تذكر حاله ونفسه في الصغر وما قام به الوالدان في سبيل عنايتك ورعايتك وفي سبيل حفظك ونشأتك وفي سبيل تربيتك ومعاهدتك لعلمت يا عبد الله بعظيم حقهما عليك. قال العلماء: وفي هذه الآية ﴿قل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾، قال: فإن الإبن والولد لعدم قدرته على إيفاء الوالدين وعلى مكافأتهما لما قاما به من تعب وتربية عندما ما استطاع لذلك توجه إلى الله جل في علا أن الله يكافئهما على ما بذلا في خدمتك. يا عبد الله، ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾، قام رجل وطاف حول البيت وأمه على ظهره يحمله عليها حتى أتى لابن عمر بعدما انتهى من طوافه وأمه على ظهره، قال: يا ابن عمر أتراني قد جزيتها؟ قال ابن عمر: «لا، ولا بزفرة، لا، ولا بزفرة»، مهما فعلت، مهما قدمت، مهما أعطيت، فوالله ما أديت حقهما. يا عبد الله، أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، عباد الله، لازم في هذا المقام نبين أن طاعة الوالدين والإحسان إليهما لهي من القربات العظيمة والطاعات الجليلة التي وجب على كل مسلم ومسلمة أن يؤديهما في حق والديهما، وللأسف كم نرى في هذه الأزمان من كثير من الأولاد ذكورًا كانوا أو إناثًا أنه في منتهى عن تأدية حقوق الوالدين، وذلك بعقوقهما والإعراض عنهما والتطاول عليهما وعدم الاهتمام بهما، ولا حول ولا قوة إلا بالله. عباد الله، إن مما يدلل به أيضًا على أهمية طاعة الوالدين والإحسان إليهما أن الله سبحانه وتعالى أبقى لهما هذا الحق ولو مع كفرهم ولو مع شركهم، فهذه أسماء رضي الله تعالى عنها تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أمي قدمت علي وهي مشركة، أفأصلها؟» قال عليه الصلاة والسلام: «صلي أمك، صلي أمك»، ومصداق هذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾. يا سبحان الله، أبوين كافرين يرغمانك على الشرك، يجاهدانك على الكفر، يأمرانك ليلًا ونهارًا أن تكفر بالله وتكفر بمحمد، ومع ذلك يأمر ربنا جل وعلا: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾، فتأمل يا عبد الله كيف ستكون عشرتك معهما إذا كان مع كافرين بمعروف، فكيف مع مسلمين صالحين؟ لا شك يا عبد الله أنهم أحرى وأحرى وأولى بكل خير ومعروف. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى قد جعل من الكرامات العديدة والمقامات الكثيرة في حق من صبر نفسه على طاعة الوالدين وإحسانهما وعلى برهما ومتابعتهما، فمن ذلك يا عبد الله من الفضائل أن بر الوالدين يعتبر من أحب الأعمال إلى الله جل في علاه. سئل نبينا عليه الصلاة والسلام عن أحب الأعمال إلى الله، قال: «الصلاة على وقتها»، قيل: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»، قيل: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، بر الوالدين يا عبد الله يعتبر من أعظم الأعمال التي تأتي عليك بالأجور الكثيرة لا تعد ولا تحصى. قدم رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: يا رسول الله إني أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي بذلك الأجر من الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «ألك من والدين؟» قال الرجل: نعم، كلاهما حي، قال نبينا: «أتبتغي الأجر من الله؟» قال: نعم، قال: «ارجع إليهما فأحسن صحبتهما»، في خدمة الوالدين يا عبد الله تنال من الأجور العظيمة ما لا يخطر على بال، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. عباد الله، الوالدان هما المعيار في معرفة منزلتك عند ربك، روى الإمام الطبراني بإسناد حسن من حديث عبد الله بن عمر قال: قال عليه الصلاة والسلام: «رضى الرب في رضى الوالدين، وسخطه في سخطهما»، ذكره الشيخ الألباني في صحيح الجامع. عباد الله، إذا أردت أن تعرف وتتعرف على منزلتك عند ربك فانظر في منزلتك عند والديك، فهم المعيار وهم المقياس، واعلموا عباد الله أن الأجور التي أعدها الله في حق من بر بوالديه ليست تكمن فقط في أجور الآخرة، بل إن الله سبحانه وتعالى لربما عجل لكل بار بوالديه عجل له الأجر والمثوبة في الدنيا قبل الآخرة. فمن ذلك تفريج الكربات ورفع المدلهمات، أن يجعل لك ربك سبحانه وتعالى من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا، ففي الصحيحين في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار فانسد عليهم الغار بصخرة عظيمة، حينها التجأ الثلاثة بصالح أعمالهم إلى الله، فقام أولهم وذكر عن نفسه وأنه بار بوالديه لدرجة أنه هو وأهله وعياله ما كانوا يأكلون طعامًا إلا بعد أن يأكل الوالدان احترامًا لجنابهما. فقال الرجل: «اللهم إن كنت قد فعلت هذا لوجهك ففرج عنا ما نحن فيه»، قال نبينا: «فتدحرجت الصخرة»، الله أكبر، بر الوالدين يا عبد الله به يفرج به ربنا عنا الكروب والخطوب. عبد الله، ببرك بوالديك تزاد الأرزاق وتطال الأعمار بما لا يخيّر على بال، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب أن يمد له في عمره وأن يزداد له في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه»، من أحب هذا لك يا عبد الله وهذا باختيارك، إن شئت. قال عليه الصلاة والسلام: «فليبر والديه وليصل رحمه»، نعم يا عبد الله، تفتح عليك خيرات السماء والأرض ما دمت بارًا بوالديك، عباد الله، الله الله في الوالدين بطاعتهما والعطف عليهما وبالإحسان إليهما؛ فإنهم يا عبد الله طريق من أوسع الطرق إلى الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فحافظ على أبويك أو دعه»، قال العلماء: بمعنى أنه من أكبرها وأخيرها وأعلاها، أعلى أبواب الجنة، لا يكون سلوكه إلا عن طريق الوالدين، فإن شئت يا عبد الله دخلت من هذا الباب أو دعه يا عبد الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. عباد الله، إن من عظيم إنعام الله على العباد أن جعل لهما والدان تخدمهما وتعينهما، فوالله يا عبد الله إن المحروم كل المحروم إن المحروم كل الحرمان من وفقه الله بوالدين أو أحدهما وما استغلهما في إدخاله الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: «من أدرك أبويه أحدهما أو كليهما فلم يدخلاه الجنة أبعده الله، أبعده الله»، ولا حول ولا قوة إلا بالمه، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.