الخطبة بعنوان صفات أهل الإسلام في شهر الصيام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 12 رمضان 1445هـ الموافق 22 مارس 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يجب على المسلمين تغيير أنفسهم في رمضان بالتحلي بالعبادات والطاعات. من أهمها إتمام الصيام وقيام رمضان.
يتميز المسلم في رمضان بعبادته وأخلاقه واستقامته. حقيقة رمضان ليست فقط الكف عن الطعام والشراب.
يجب على المسلم الابتعاد عن الذنوب والمعاصي أثناء صيامه. كما يجب عليه الإكثار من الدعاء والإنفاق في سبيل الله.
يتضمن المقطع ختام الصلاة بالصلاة على النبي ودعاء للمصلين. يُنهي الإمام الصلاة ويدعو للمسلمين بالخير.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، فها هو شهر رمضان أيامه تمضي ولياليه تجري وتنقضي، وها قد مر منه الثلث، والثلث كثير، والله المستعان. عباد الله، إن الله جل وعلا فرض علينا شهر الصيام شهرًا واحدًا في العام، وذلك لكي يكون موسمًا لنا نتزود فيه من الأجور والحسنات، ولكي يكون زمنًا لنا نتربى فيه على عظيم الأخلاق والأعمال والصفات. فمن لم يتزود من هذا ولم يتربى على ذا فهو الذي قد أبعده ربه المولى. قال عليه الصلاة والسلام: «من أدركه رمضان فلم يغفر له أبعده الله». فكان لزامًا على أهل الإسلام أن يغيروا من أنفسهم في شهر الصيام بأن يتحلوا بكثرة الأعمال مع تغييرهم لكثير من الأحوال. قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والباطل والمحارم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء». هذا الذي ينبغي علينا معاشر أهل الإسلام ونحن في شهر الصيام أن لا نجعل يوم صومنا كباقي أيام العام. بل إن المسلم في رمضان ينبغي أن يحدث تغيرًا جذريًا في كافة شؤون حياته في أقواله وأفعاله وفي أخلاقه وآدابه وفي سلوكياته وعاداته. فهذه هي العلة العظمى والمنة الكبرى التي لأجلها شرع لنا رمضان. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. وإن من أعظم الأحوال التي ينبغي أن يتميز به أهل الإسلام وهم في هذا الشهر المفضل في شهر رمضان ما يكون من تميز المسلم بعبادته وتعبده وإقباله على ربه بالطاعات والعبادات والحرص على النوافل والسنن والمستحبات. فاعرض يا عبد الله على عبودية الله بإتمام الصيام، فإنه من فرائض الإسلام ومن مبانيه العظام. ومن فرط في هذه الخسلة فإنه من أهل الحرمان والخسران. قال الإمام الذهبي رحمه الله: «وقد تقرر عند المسلمين أن من أفطر يومًا من رمضان بلا عذر فهو شر من الزاني ومن مدمن الخمر، بل ويشكون في إسلامه ويظنون فيه الإنحلال والزندقة». يا سبحان الله، هذا قولهم في حق من أفطر يومًا واحدًا من رمضان بلا عذر، فما ظنك بالذي لا يصوم رمضان؟ هذا هو الخسران العظيم. كذلك من عبادة المسلم أن يحرص على القيام وصلاة التراويح والتهجد، فإن القيام له مزية في رمضان. قال عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». أيًا معدودات تحرص فيها على صلاة القيام من أول الشهر إلى آخره، فإذا به يغفر لك كل ما كان من ذنب خل الكبائر. وجاء رجل إلى رسول الله فقال: «يا رسول الله، إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته، فممن أنا؟ قال عليه الصلاة والسلام: من الشهداء والصديقين». هذا في حق من استطاع أن ينهض بالصيام والقيام في رمضان، فحرص عبد الله على هذه العبودية. ومن هذه الأنواع من أنواع العبودية ما يكون من انشغالنا بقراءة القرآن، القرآن هو كلام الله تنزيله وحيه نوره. جعله الله جل وعلا بين أيدينا، وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يعتني بالقرآن عناية فائقة. كما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس أن جبريل كان يدارس نبينا القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان. فاستكثر يا عبد الله من قراءة القرآن، فرمضان هو شهر القرآن. كتاب القراءة فيه ليس كالقراءة في أي كتاب، بل فيه عظيم الأجر والثواب، الحرف فيه بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها. عباد الله، هذا مما يتميز به المسلم في رمضان فيما يكون من عبادته وتعبده وحرصه على اغتنام أيامه ولياليه بالطاعات والعبادات. وأيضًا مما يتميز به المسلم في شهر الصيام ما يكون من تميزه في أخلاقه وآدابه وفي سلوكياته وعاداته. فالصائم في رمضان لا يعرف السب والشتم واللعان ولا القطيعة ولا البغضاء ولا الشحناء ولا التطاول على الآخرين ولا استكبار ولا استهزاء ولا استهتار. لعلمه بقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم». نعم، عباد الله، هذه هي أخلاق أهل الإسلام تكون في أيام شهر الصيام لا رفث ولا صخب ولا جهل. أين هذه الأخلاق من بعض الصائمين وهو لم يرفع بهذا رأسًا ولم يلقي لها بالًا؟ بل جعل رمضان شهرًا للإحن والعداوات والبغضاء والاعتداء والأذى لعباد الله. وإن من أعجب العجاب أن سمعنا من بعض الطغام من جعل من شهر رمضان شهرًا للاعتداء والعدوان وإلى سفك الدم الحرام وإلى قتل الأبرياء من أهل الإسلام من النساء والولدان. كما صنع الحوثة قبّحهم الله في مثل هذه الأيام، حيث قاموا بهدم بيوت على ساكنيها وعلى قتل كل من فيها حتى بلغ عدد الضحايا أكثر من أربعين شخصًا من الرجال الآمنين ومن النساء والولدان الصغار. كل ذلك يفعل ونحن في هذه الأيام في شهر الصيام في شهر رمضان الذي أمر فيه المسلم أن يكف شره ولو بكلمة. فما ظنك بهذا العدوان من قتل وتقتيل لدم الأبرياء بدم بارد؟ ويكأن الرافضة والله يضاهئون ويتنافسون ويتسابقون في مشابهة اليهود على ما يفعلونه في إخواننا في فلسطين. فلا عجب ولا غرابة، فالرافضة ما هم إلا أحفاد اليهود. فليعلم هذا علم اليقين، ولا يغرنك يا عبد الله ما يكون من تعلقهم بالإسلام، فهذه الأوضاع وهذه الأحوال تنبيك عن بعدهم من الإسلام. فيا عبد الله، فإن من أعظم ما يتميز به أهل الصيام في شهر رمضان ما يكون من تحليهم بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا العبد هو رسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه. أما بعد، فمما مضى عباد الله علمنا في هذا المقام ما ينبغي به من التحلي من الصفات على جميع المسلمين والمسلمات، وخاصة ونحن في هذا الشهر بالذات، ما يكون من تميز المسلم في هذا الشهر عن باقي الشهور والأزمان. يتميز المسلم بعبادته وتعبده وإقباله على ربه، يتميز المسلم بأخلاقه وآدابه وحسن علاقته مع غيره. وأيضًا مما يتميز به المسلم في هذا الشهر الفضيل ما يكون من تميزه باستقامته وامتثاله لأوامر ربه، وذلك بترك الحرام والابتعاد عن الذنوب والخطايا والآثام. فهذه هي حقيقة رمضان، لا تظن يا عبد الله أن حقيقة رمضان هو الكف عن الشراب والطعام، بل إن حقيقة الصيام هو الكف عن ذلك والكف عن ما هو أعظم من ذلك ألا وهو الكف عن الحرام. قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». من الذي يغنيك يا عبد الله؟ وما الذي تريده من صيامك بعدما كففت عن الطعام والشراب؟ لكنك لازلت بسيئاتك وبذنوبك وخطاياك. فليس لله حاجة في حق من لم يرعوي عن ترك المحرمات. وتأمل يا عبد الله في كتاب الله عندما ذكر ربنا جل وعلا آيات الصيام وما يتعلق بها من أحكام أعقبها بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. قال العلماء: إشارة إلى أن الصوم الصحيح هو الذي يثمر الكف عما حرم الله. وإن من المؤسف أن يدخل علينا رمضان وأن نجد جماعات وأنام من الناس كانوا ولا زالوا قد استمروا على فعل معاصيهم وعلى فعل ذنوبهم وسيئاتهم. وفي الحديث قال عليه الصلاة والسلام: «رب صائم ليس من صيامه إلا الجوع والعطش». بل إن جماعة من أهل العلم جنحوا وذهبوا ورأوا أن المعاصي في نهار رمضان تبطل الصيام لأن فاعلها قد أخلى بالركن الأعظم من الصيام ألا وهي التقوى. فمن لم يكن متقيًا لله باتقاء الذنوب والمعاصي، فوقع في فعل الذنوب والخطايا، فليس له شيء من صيامه. هكذا ذهب جماعة من أهل العلم. وإلا فجمهور العلماء يرون أن المعاصي لا تفطر، لكنها تقلل في الأجر وتؤثر في الفضل. فيا عبد الله، دعنك هذه الذنوب وتب إلى الله توبة نصوحًا، فمن تاب تاب الله عليه. وهكذا عباد الله، مما يتميز به المسلم في شهر رمضان أن يكون داعيًا مناجيًا سائلًا متضرعًا يرفع أكف الضراعة إلى الله جل في علاه. لأن رمضان شهر قد تكفل الله جل وعلا فيه بإجابة دعوة الداعين وبإجابة سؤال المضطرين. فلح يا عبد الله على الله جل وعلا بالدعاء، فتدعو الله في ليلك ونهارك وفي سجودك وقيامك. تدعو الله جل وعلا في خلواتك، تدعو الله بما ينفعك في دينك ودنياك وأولاك وأخراك. ولا تنسى وأنت في خضم الدعاء بأن تدعو لوالديك ولأهلك ولكل من له حق عليك. ولا تنسى أيضًا الدعاء لجماعات من المسلمين قد أصابتهم الكروب وألمت بهم الظروف. وهكذا يا عبد الله، مما يتميز به المسلم في أيام صيامه أن يكون سخيًا كريمًا باذلًا معطاء. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان. تعلم يا عبد الله العطاء والإنفاق لذوي القرب والمساكين والمحتاجين كل بمقدوره. كل بما قدر الله له من مال ومن عطاء. يا ابن آدم أنفق أنفق عليك. الجزاء من جنس العمل، ولا تقتصر النفقة على إخراج زكاة المال، بل تكون بزكاة المال وتكون بزكاة الفطر وتكون بالصدقات وتكون بالنفقات وتكون بإطعام الطعام. فإنه من فطر صائمًا كان له مثل أجره. فبإمكانك يا عبد الله أن تصوم رمضان ليس شهرًا واحدًا بل عدة أشهر، وذلك على قدر من تطعمهم ومن تفطرهم. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أراد بلادنا اليمن بسوء فاجعل فتنته في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. اللهم أعننا على الصيام وعلى القيام وعلى سائر الأعمال، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اجعلنا من عتقاء شهر الصيام بفضلك وكرمك، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين أعداءك أعداء الدين. اللهم احفظ إخواننا المسلمين في بلادنا اليمن وفي سائر بلاد المسلمين وفي أرض فلسطين. اللهم احفظهم بحفظك وأيدهم بتأييدك. اللهم اجعلهم من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا. اللهم تقبل موتاهم وداوي جرحاهم وفك أسراهم. اللهم آمنهم في ديارهم وفي بيوتهم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين والنصارى الصليبيين والرافضة المعتدين. اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم فرق شملهم وشتت جمعهم واجعل الدائرة عليهم واغرس الرعب في قلوبهم، يا ذا الجلال والإكرام. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.