الخطبة بعنوان فضائل الأعمال الصالحة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 10 شوال 1445هـ الموافق 19 أبريل 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُشجع على الاستمرار في الأعمال الصالحة بعد رمضان، ويبين أهمية هذه الأعمال في تحسين الأحوال. الله يجزي العبد في الدنيا والآخرة على أعماله الصالحة.
العمل الصالح يهدي القلب ويجلب القبول والإحترام، ويحفظ الأهل والأبناء، وينال به الأمن والأمان. الإقبال على الله بالعمل الصالح يجعل للعبد منزلة في قلوب الخلق.
يتضمن ختام الصلاة بالصلاة على النبي محمد ودعاء للمصلين بالرعاية الإلهية. يُنهي الإمام الصلاة ويدعو للمسلمين بالخير.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من عظيم الله علينا أن يسر لنا حضور شهر صومنا لا بحولنا ولا بقوتنا، وإنما هو فضل محض من ربنا، يسر لنا حضور رمضان نتقلب بين لياليه وأيامه، فقومنا بشهود تمامه وكماله. كم من أناس كانوا أشد منا حرصا وأكثر منا حبا على أن يكونوا معنا، لكن باغتهم الأجل ووافتهم المنية، بينما نحن قد أطال الله جل وعلا في الأعمار فأدركنا رمضان، فلله الحمد حمدا من بعد حمد. أقبل علينا رمضان والكثير منا قد أقبل على رضى الرحمن، وذلك بالجد والاجتهاد في الأعمال، ذاك بصلاة وقيام، وذلك بذكر الله وقراءة القرآن، وذلك بأنواع البذل والإحسان، فنسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم سائر الأعمال. عباد الله، إلا أنه مما يؤسف له أننا نجد أن الكثير من الناس بعد انقضاء رمضان عزفوا وفرطوا في الإقبال على الله جل وعلا بصالح الأعمال، قل منا من يقرأ القرآن، وقل من يحرص على الصلاة والصيام والقيام، وهكذا قس يا عبد الله سائر الأعمال من الطاعات والعبادات. عباد الله، إن كان من حديث في هذا المقام، فإنه سيكون بضرورة التذكير بفضائل الأعمال. يا عبد الله، لا تظن أن الأعمال الصالحة أنت ملزم بها في شهر رمضان لا، وإنما أنت ملزم بطاعة الرحمن على الدوام مع مرور الليالي والأيام، وعلى تعاقب الأعوام، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. ولا تظن يا عبد الله أن الأعمال الصالحة ما يكون من أجرها وجزائها وثوابها إنما هو مرصود لك فقط في الآخرة، لا يا عبد الله، بل إن الله سبحانه وتعالى سيجعل لك من عملك ما فيه حظك في هذه الدنيا في تحسين أحوالك. قال ربنا جل وعلا: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾. قال المفسرون: والحياة الطيبة الموعود بها تكون في الآخرة وتكون أيضا في الدنيا، إلا أنها مرهونة بالأعمال الصالحة. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يُعطى بها في الدنيا ويُجازى بها في الآخرة». فما من عمل صالح يا عبد الله تعمله إلا وأعطاك الله من الأجر في الدارين، يُعطيك ربك جل وعلا أجرا معجلا في الدنيا وأجرا مؤجلا في الآخرة. ولهذا علينا عباد الله أن نستشعر بعظيم أثر هذه الأعمال، وكيف أنها ستكون من أعظم الأسباب في تغيير أحوالنا في هذه الدنيا. أقبل يا عبد الله على الله جل وعلا بالأعمال الصالحة، فالعمل الصالح من أعظم الأسباب والتي تودي إلى سكون قلبك وراحة نفسك وانشراح صدرك. يقول الله جل وعلا: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾. قال الإمام السعدي رحمه الله: «فأهل الإيمان من أهدى الناس قلوبا، فأهل الصلاح يجدون من الراحة والاسترواح ما لا يجده أهل الفجور والمجون». ومن أعرف فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. أقبل يا عبد الله على العمل الصالح، فإن الله سبحانه وتعالى به يجعل لك من القبول والإحترام ما يكون بين الورى والأنام. ففي صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أحب عبده نادى جبريل: يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «يوضع له القبول في الأرض أي تميل إليه القلوب وترضى عنه». وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه عند قوله ربنا جل وعلا: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾، قال رضي الله تعالى عنه: «يحبهم الله ويحببهم للناس». فأهل الصلاح ومن أقبل على الله بالأعمال الصالحة سيجعل له ربنا جل وعلا في قلوب الخلق منزلة. ليس هم الذين أنزلوا أنفسهم بأنفسهم، لا، ولكنها منزلة أنزلها الله لهم في قلوب الخلق لما كان من عملهم الصالح مع ربهم. عباد الله، العمل الصالح به يكون حفظك لأهلك ولأولادك ولذريتك ولمن هم تحت يدك من بعدك. قال ربنا جل وعلا: ﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا﴾. فلصلاح الأب لما كان مقبلا على الله بصالح الأعمال أرسل ربنا جل وعلا موسى والخضر عليهما السلام ببناء الجدار لكي يحفظوا مال الأيتام، وذلك لصلاح أبيهم. وهكذا يا عبد الله بصلاحك يحفظ الله جل وعلا أبناءك. قال ابن السيرين رحمه الله: «يا بني إني لأطيل في صلاتي رجاء أن أحفظ فيك». فمن أعظم أسباب حفظ الزرار والأهل والعيال والأبناء ما يكون من حرصك يا عبد الله على صالح الأعمال. وهكذا يا عبد الله بالعمل الصالح ننال به الأمن والأمان على مستوى الأفراد وربوع البلدان. ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن﴾. الأمن والأمان يكون من حظنا ومن نصيبنا متى ما أقبلنا على ربنا بإيماننا وبأعمالنا الصالحة. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، مما مضى علمنا في هذا المقام شيئا من فضائل الأعمال التي يجدها صاحبها في هذه الدار. وما ذكرنا والإشارة إليها إلا لكي نعلم ما يكون من أثر الأعمال في تحسين الأحوال. وإن من أثر الأعمال يا عبد الله أنها تعد من أعظم الأسباب في جلب الأرزاق. قال سبحانه: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾. وفي الحديث القدسي قال الله: «يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد فقرك». فالإقبال على الله بما يكون من صالح الأعمال من أعظم الأسباب التي يرزق بها العباد. فعلى قدر استقامتك يا عبد الله يأتيك رزقك، سواء أكان رزقا حسيا أو رزقا معنويا. ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءا غدقا﴾. فأرزاق أهل الإيمان إنما هي إنعام وجزاء، وأما أرزاق الكفار فهي استدراج وابتلاء، فكن على فطنة من ذلك يا عبد الله. وهكذا رعاكم الله، من أثر الأعمال أنها لربما كانت سببا في تغير المجتمعات والبلدان، بل وفي تغير المناخ والأكوان. كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾. وقال ربنا جل وعلا: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾. كل هذه الجوائز تُعطى للأفراد والمجتمعات ويُغير بها البلدان والأكوان متى ما أقبل الناس على صحة الأعمال وعلى صالح الأعمال. عباد الله، ليس فقط بعملك الصالح تستجلب لنفسك ولغيرك خير الدنيا، بل بعملك الصالح تدفع عن نفسك السوء والمكروه والشر والضر. لنا عبرة بالثلاثة الذين خرجوا فانسدت عليهم صخرة باب الغار، فما استطاعوا الخروج منها إلا بما كان من صالح أعمالهم، ذاك ببره بوالديه، وآخر بعفته وعفافه، والثالث بصدقه وأمانته. إن فرجت عنهم الصخرة فجعلهم الله من كل ضيق مخرج ومن كل هم فرج، وذلك يا عبد الله على ما يكون من أعمالك الصالحة. وهكذا قل ما يكون من المشدائد والنكبات ومن المصائب والأزمات، فإنها ما تدفع بمثل ما يكون من إقبالنا على الله بالأعمال الصالحات. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «الدعاء والصدقة والأعمال الصالحة من أعظم الأسباب في دفع البلاء النازل من السماء». فالله الله يا عبد الله على الاستمرار على الأعمال، أن لا ينحصر ذلك في رمضان، وإنما يستمر معنا على الدوام. فالأعمال ينبغي أن تبقى معنا ليل نهار. ولو أنك يا عبد الله تستمر على القليل، قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل». احرص يا عبد الله على أن يكون لك حظا من القيام ولو ببضعة ركعات. قال عليه الصلاة والسلام لابن عمر: «يا ابن عمر لا تكون مثل فلان، كان يقوم من الليل فترك قيام الليل». احرص يا عبد الله على أن يكون لك حظا من الصيام ولو أنك تصوم في الشهر كله بضعة أيام. قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام». تابع يا عبد الله بين الصيام، ولا تقتصر فقط على صوم رمضان. وهكذا يا عبد الله، أقبل على قراءة القرآن ولو قل، ولو بشيء من أحرفه وكلماته. قال عليه الصلاة والسلام: «تعاهد القرآن». فمعاهدته وتلاوته ليست منحصرة في رمضان، وإنما تستمر معنا على الدوام. عباد الله، إن الاستمرار والدوام والإقبال على الله بصالح الأعمال لهو شأن الأولياء والأصفياء. وفي الحديث القدسي قال الله: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». فهو كان ولا يزال إلى أن يلقى الله جل وعلا في هذا المضمار وهو مستمر على صالح الأعمال. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم احفظ بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه. اللهم من أراد بلادنا بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا بسوء وسائر بلاد المسلمين فاجعل نحره في تدبيره واجعل تدبيره في تدميره، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.