التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 73

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 73

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 73، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الغلو في قبور الصالحين وتحذير اتخاذها أوثانًا

يشرح المقطع باب الغلو في قبور الصالحين وأغراضه الأربعة المتمثلة في التحذير من الغلو المؤدي إلى عبادة القبور وتحولها إلى أوثان، والتنبيه على علة النهي عن البناء عليها. كما يقسم الناس تجاه القبور إلى غالين ومفرطين ووسط، مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد».

الفرق بين الصنم والوثن وتحريم اتخاذ القبور مساجد

يبين المقطع الفرق اللغوي والشرعي بين الصنم ذو الصورة والوثن الأعم منه، ويوضح حديث النبي عن شدة غضب الله على من يتخذ القبور مساجد مع إثبات صفة الغضب اللائقة بجلاله. ويذكر استجابة الله لدعاء النبي بحماية قبره بأن حُمي بثلاثة جدران ولم يُتخذ مسجداً، وهو من أعلام نبوته.

الرد على شبهة قبر النبي في المسجد النبوي

يحذر النص من اتخاذ القبور مساجد وأوثان تُعبد من دون الله مستعرضاً صور الغلو كالدعاء والاستغاثة والذبح والنذر والبناء عليها. ثم يرد على شبهة جواز ذلك بقبر النبي في المسجد النبوي موضحاً أن المسجد لم يُبنَ على القبر بل دُفن في بيته وإدخال الحجرات حدث لاحقاً والقبر في حجرة مستقلة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله". ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد من عدة أوجه، كما ذكر ذلك صاحب "تيسير العزيز الحميد". فأراد المصنف بهذه الترجمة أربعة أمور: الأمر الأول: التحذير من الغلو في قبور الصالحين. ومن هنا يتبين لك الفرق بين هذا الباب وبين الأبواب التي قبله، كقوله: "باب ما جاء في أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم الغلو في الصالحين". فذاك فيه ترك الدين وأيضًا سبب الكفر، وهذا فيه التحذير من قبور الصالحين. هذا أمر. الأمر الثاني في هذا الباب: أن الغلو فيها يؤول إلى عبادتها، يعني ينتهي إلى عبادة هذه القبور التي غلا أصحابها فيها. الأمر الثالث: أراد أنها إذا عُبدت صارت أوثانًا، صارت ماذا؟ أوثانًا، ولو كانت قبور الصالحين، ولو كانت قبور الصالحين. الأمر الرابع: التنبيه على العلة في المنع من البناء عليها واتخاذها مساجد. ما هي العلة؟ أنه يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله. ففرق بين هذا الباب والذي قبله: الذي قبله فيه السبب، وهذا فيه العلة. العلة من الغلو في قبور الصالحين خاصة. نعم، يقول ابن عثيمين: هذا السبب الثالث لحدوث الشرك. فيقول: الأمر بالغالين إلى أن يعبدوا هذه القبور أو أصحابها. والغلو: مجاوزة الحد مدحًا أو ذمًا، كما مر معنا. ثم ذكر أقسام الناس تجاه القبور، وأنهم طرفان ووسط. فالطرف الأول والقسم الأول: قسم غلا فيها بالعبادة وبناء القبب ودعاء أصحابها والاستغاثة بهم، فهذا غلو في أصحاب القبور. وقسم ثانٍ: فرط فيما يجب لها من الاحترام، فجلسوا عليها ونبشوها ووضعوا الزبائل عليها وجعلوا الطرق فيها. هذا يعني تفريط، هذا تفريط. وإن كان الأول ليس كالثاني: الغلاة وقعوا في الشرك، وهؤلاء وقعوا في الحرام؛ لأن جاءت النصوص باحترام القبور وعدم الجلوس عليها أو نبشها أو إهانتها أو نحو ذلك. والقسم الثالث: وهم الوسط، وهم الحق بينهما، بأن تحفظ حرمتها، فلا يُغلى فيها حتى تُعبد من دون الله، ولا تُهان، بل تُصان وتحترم، ولا يُغلى فيها ولا تُعبد من دون الله سبحانه وتعالى. هذا هو الوسط. ثم ذكر بعض الأدلة على هذا الباب، فذكر قال: روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». كما سمعت، هذا الحديث جاء في موطأ الإمام مالك، ولكنه جاء غير موصول، وإنما مرسل. ولكن جاء عند الإمام أحمد ما يعضده ويرقيه إلى درجة الاحتجاج، ولذلك حسن هذا الحديث العلامة الألباني كما في كتابه "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد"، فهو حديث حسن بإذن الله سبحانه وتعالى. ومعنى هذا الحديث: فيه دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن لا يجعل قبره وثنًا. والوثن هو أعم من الصنم، هو أعم من الصنم. فالوثن: كل ما عُبد من دون الله، سواء كان له صورة أو ليست له صورة. فالذي له صورة مثل الإنسان أو الحيوان، صورة إنسان أو صورة حيوان أو نحو ذلك، فهذا يسمى وثنًا، ويسمى صنمًا إذا كان على صورة إنسان أو حيوان. أما إذا لم يكن على صورة فهو أعم، فيقال له وثن، يقال له وثن كالأشجار مثلًا والأحجار والقبور ونحو ذلك. فالوثن أعم من الصنم: الوثن ما له صورة وما ليس له صورة، فيقال لما له صورة وثن أيضًا، ويقال لما ليس له صورة وثن أيضًا. وأما الصنم فهو الذي يأتي على صورة، يأتي على صورة إنسان أو حيوان. فيمكن أن نقول: كل صنم وثن، وليس كل وثن صنم، وليس كل صنم وثن. وأيضًا بعضهم ذكر فائدة: أن هذين اللفظين "الصنم" و"الوثن" إذا اجتمع افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. إيش معنى هذا الكلام؟ يعني لو ذُكر الوثن وحده دخل فيه ما له صورة وما ليس له صورة. وإذا اجتمع، إذا اجتمع الوثن مع الصنم، فيكون الصنم ما له صورة، والوثن ما ليس له صورة. لو قلت مثلًا: "اللهم لا تجعلني ممن يعبد الأصنام"، يدخل في ذلك القبور؛ يدخل في ذلك القبور لأنه هنا أفرد لم يقترن بالأوثان، فهو يشمل الصنم الذي له صورة ويشمل الوثن لأنه افترق. وإذا اجتمع افترقا: لو قلت "اللهم لا تجعلني أعبد الأصنام والأوثان"، فالأصنام يكون ما له صورة، والأوثان يكون ما ليس له صورة. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». اشتد غضب الله: أي أن الله عز وجل يغضب لهذا الفعل من عباده، بل ويشتد غضبه. وفيه إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله عز وجل، على ما يليق بجلاله عز وجل. فهي صفة حقيقية ثابتة لله لا تماثل غضب المخلوقين، بخلاف أهل البدع كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية، فإنهم ينفون هذه الصفة ويعطلونها عن الله عز وجل. وأهل السنة يثبتونها كما تليق بجلاله سبحانه وتعالى. وقوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، تقدم معنا: إما بالسجود والصلاة عليها، وإما بالصلاة أمامها، وإما ببناء المساجد عليها، وإما ببناء المساجد عليها. وهل استجيب لدعائه صلى الله عليه وسلم بأن لا يجعل قبره وثنًا يعبد، أم اقتضت حكمة الله غير ذلك؟ يقول ابن القيم رحمه الله: إن الله استجاب لنبيه، فلم يُذكر أن قبره جعل وثنًا، بل إنه حُمي بثلاثة جدران، بثلاثة جدران. فاستجيب لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا يقول ابن القيم في نونيته: ودعا أي النبي صلى الله عليه وسلم ودعا بألا يجعل القبر الذي قد ضمه وثنًا من الأوثان فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة من الجدران حتى أغدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان والأمر كما ذكر، فإن القبر أُحيط بثلاثة جدران، وهذه الجدران مسنمة بحيث لا يستطيع المصلي أن يواجه القبر، أن يواجه القبر. بل الجهة التي هي خلف القبر، قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لم يجعل أحد يصلي فيها، ولم تدخل في توسعة المسجد. نعم، وهذا كله من استجابة الله عز وجل لدعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، عليه الصلاة والسلام. فكما ذكر ابن القيم: وأما الأفعال الفردية، أن بعض الناس ربما يغلون في القبر، ولكن لم يصلوا إلى حد يجعل القبر فيه وثنًا، بحيث مثلًا يعني يسجد له أو كذلك يعني يصلي إليه أو نحو ذلك. فهذا ولله الحمد مصان إلى يومنا هذا، إلى يومنا هذا. وهذا فيه علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، إذ استجاب الله عز وجل لدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث أيضًا التنفير وكذلك التحذير من اتخاذ القبور مساجد، وأن من يفعل ذلك فقد عرض نفسه لغضب الرب سبحانه وتعالى. فمن أسباب غضب الرب على العبد أن يتخذ القبور مساجد. فما أدري ما يقول هؤلاء عباد القبور الذين يصرون على هذا الفعل، أين هم من مثل هذه الأحاديث؟ ولكنه الهوى الذي استولى على قلوبهم والعياذ بالله، وإلا فالأدلة كثيرة بل متكاثرة في التحذير من اتخاذ القبور مساجد، ومنها هذا الحديث. ووجه الشاهد من هذا الحديث للترجمة: أن من الغلو في قبور الصالحين، وفي مقدمة هؤلاء الصالحين الأنبياء، أن تجعل أوثانًا تعبد من دون الله. كيف أوثانًا تعبد من دون الله؟ كأن تُدعى من دون الله، أو يستغاث بها، أو يذبح لها، أو ينذر لها، أو يحلف بها، أو نحو ذلك. هذا كله معنى من معاني اتخاذ القبور أوثانًا، اتخاذ القبور أوثانًا تعبد من دون الله. أيضًا شاهد آخر في هذا الحديث، وهو: أن من الغلو في قبور الصالحين أن تتخذ قبورًا أن تتخذ مساجد، أن تتخذ مساجد. عرفنا كيف تتخذ مساجد: إما بالصلاة عليها أو إليها، أو ببناء المساجد فيها، أو بإدخالها إلى المساجد. هذا كله من معاني اتخاذ القبور مساجد، هذا كله من معاني اتخاذ القبور مساجد. في الحديث فيه التحذير من هذه الأفعال التي هي من الغلو في قبور الصالحين، فلا يجوز في قبور الصالحين أن تُبنى عليها المساجد، أو كذلك تُبنى عليها القباب. أن هذا أيضًا من الغلو: أن تُبنى عليها القباب، أو أن كذلك تُبنى عليها السقائف، سقيفة، أو كذلك تُجصص هذه القبور، تجصص هذه القبور، ونحو ذلك من الغلو في قبور الصالحين. لذلك، لذلك جاء النهي عن تجصيصها، وعن السرج فيها، وعن كذلك الصلاة إليها أو نحو ذلك مما هو فيه معنى الغلو. وأما هذا السؤال فقد أجبنا عليه في دروس ماضية، وهو: ما هو الرد على شبهة من يقول أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم داخل المسجد؟ فذكر الشيخ ابن عثيمين كما قرأناه في دروس ماضية أربعة أو خمسة أوجه. فالرد على هؤلاء منها: أن المسجد لم يُبنَ على القبر، بل بُني المسجد في حياته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا ليس من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولا من فعل أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، بل أنكره من وجد من الصحابة، من وجد من الصحابة. ثم النبي صلى الله عليه وسلم لم يُدفن في المسجد، بل دُفن في بيته، وكان البيت خارج المسجد، كان البيت بيت النبي صلى الله عليه وسلم، بيت عائشة، خارج المسجد. وإدخال الحجرات إلى المسجد ليس باتفاق الصحابة كما مر معنا، بل بعد أن انقرض أكثرهم، وخالف بعض من بقي من الصحابة. ثم يقال: القبر ليس في المسجد، بل في حجرة مستقلة، ليس المسجد مبنيًا عليها، بل هو في حجرة مستقلة مغلقة بالجدران وكذلك الأبواب. فالقبر محفوظ بثلاثة جدران كما مر معنا، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة حتى لا يستقبله المصلي، فلا أحد يستقبل القبر عند الصلاة. ثم يجاب أيضًا: أن المسجد النبوي مع خطأ من أدخل القبر إلى المسجد، فهذا المسجد له مزية في الصلاة وشد الرحل وغيره إلى المسجد، فهذا ليس فيه محظور. ولذلك يقول العلماء: لا تقل "سأزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم"، وإنما قل "سأزور مسجد النبي صلى الله عليه وسلم"، لأنه يجوز أن تُشد الرحال إلى المسجد. فزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إنما تكون تبعًا لزيارة المسجد، وليس استقلالًا. فبهذا يرد على هؤلاء الذين يريدون هذه الشبهة، والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى ترجمة نانسي قنقر