باب الصبر من رياض الصالحين 14

باب الصبر من رياض الصالحين 14

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى الصبر والاحتساب عند المصيبة في حديث أسامة بن زيد

يشرح المقطع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى»، مبينًا أن الإيمان بقضاء الله وقدره في الآجال يورث الصبر عن التسخط والاحتساب للأجر. هذا الفهم يهون المصيبة على المؤمن ويجعله راضياً بقضاء ربه محتسباً للأجر.

رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وبكاؤه على المحتضر والفرق بين البكاء والنياحة

زار النبي صلى الله عليه وسلم صبياً محتضراً فبكى، ووضح لسعد بن عبادة أن دمعه رحمة لا تسخط، مبيناً أن البكاء الطبيعي على المصائب دليل رقة القلب. كما فرق بين البكاء الجائز والنياحة المحرمة التي تتضمن رفع الصوت وشق الجيوب، مستشهداً ببكائه على ابنه إبراهيم.

آداب العزاء ومشروعية البكاء وزيارة المصاب

يوضح المقطع أن البكاء جائز للرجال اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأن أفضل صيغة للعزاء هي الدعاء المأثور: «إن لله ما أخذ...»، ويجوز العزاء بغيرها لكن المأثور أكمل. كما بين أن العزاء يكون مرة واحدة في أي مكان، وأن زيارة المصاب ومواساته سنة تخفف عنه.

شعور المرأة بتخفيف المصاب ودوافع الطلب

تذكر المتحدثة أن طلبها كان بدافع شعور المرأة بتخفيف المصاب عليها، مؤكدة أن الله أعلم بمشاعرها. يبرز هذا المحور الجانب النفسي والعاطفي للمرأة عند المصيبة وسعيها للتخفيف من وطأتها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد، فما زلنا في باب الصبر في حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما في احتضار ابن لبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن تقول: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب». وأخذنا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى»، وهي كلمة عظيمة. وقوله صلى الله عليه وسلم: «وكل شيء عنده بأجل مسمى»، أي كل شيء عنده سبحانه وتعالى بمقدار في زمانه ومكانه وذاته وصفته، وكل ما يتعلق به فهو عند الله مقدر، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾. ومن ذلك الآجال، فإنها مقدرة، إذا جاء أجل العبد فإنه لا يستقدم ولا يستأخر، كما قال الله عز وجل: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾. فالإنسان إذا أيقن بهذا واقتنع بهذا، فإنه لا يحزن ولا كذلك يسخط، لأنه يعلم أن الأجل من الله سبحانه وتعالى، فأجله مكتوب، كل شيء عنده بأجل مسمى، قد سمى متى أنت ستموت، هذا في علم الله، فإن الله سبحانه وتعالى يعلمه وأنت لا تعلم. ولدك، زوجتك، أبوك، أخوك، متى سيموت؟ الله عز وجل يعلم بذلك، وقد جعل لآجال هؤلاء وقتا وزمنا. فإذا مات قريب لك، فاعلم أن هذا بقدر الله، بقدر الله عز وجل، وأن هذا أجله الذي أجله الله سبحانه وتعالى له. فإذا هذا دعاء عظيم، وكل شيء عنده بأجل مسمى، ما هو نتيجة الإيمان بما تقدم من أنك لله وأنك راجع إليه، وأن الآجال بقدر الله عز وجل؟ ما هو نتيجة هذا الإيمان؟ الصبر والاحتساب. ولذلك قال بعدها: «فلتصبر ولتحتسب». الصبر هو الحبس، تحبس نفسها عن التسخط، والاحتساب: ترجو الثواب من الله، فإن الاحتساب يهون عليك ألم المصيبة. فاجمع بين الصبر وبين الاحتساب، ولذا قال: «فلتصبر ولتحتسب». فلما وصل الرسول إلى ابنته، طلبت من هذا الرسول أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تحب أن يحضر، أن يحضر. فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم لرغبتها، فقام عليه الصلاة والسلام ومعه جماعة من أصحابه، فوصل إليها، فرفِع إليه الصبي، أي أعطي هذا الصبي، وهو في حال الاحتضار، نفسه تتقع، أي تضطرب وتصعد روحه. نعم، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم، ودمعت عيناه، خرج الدموع عليه الصلاة والسلام من عينيه. وكان معه بعض أصحابه، ومنهم سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يدمع، قال له: «ما هذا؟» يعني ظن سعد بن عبادة أن الرسول صلى الله عليه وسلم بكى تسخطا وجزعا. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «هذه رحمة، ليس تسخطا. إنما التسخط عندما يكون مع البكاء النياحة، أي رفع الصوت، أو ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو نتف الشعر، أو نحو ذلك، فهذا هو المحرم. أما أن ترى مصابا من أهلك، أو أنت أصبت بشيء من المصائب، فدمعت عيناك، فهذا لا يعد من التسخط، بل هذا قد وقع من النبي صلى الله عليه وعليه وسلم، وهي رحمة». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إنما يرحم الله من عبادي الرحماء». رحماء هذا الطفل الصبي وهو في هذه الحال، في حال نزع الروح، مشهد عظيم، ومشهد لا شك أن من في قلبه رقة ورحمة سيتأثر من هذا الموقف، ولا محالة سيتأثر من هذا الموقف. فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء». أي موقف ترى فيه مصيبة لأخيك المسلم، فمن رقة قلبك ومن رحمته أن تتأثر. رأيت مصابا في عقله، مصيبة، كان صحيحا ثم أصيب بشيء في عقله، فتأثرت على هذا، فدمعت عيناك، هذا دليل الرحمة. رأيت مصابا في بدنه، أصيب بمرض يتألم منه، فأنت تتألم لتألمه، فإذا دمعت عيناك، هذا أمر محمود، ويدل على رقة ورحمة في قلبك. وهكذا قس في مثل هذه المصائب. فهكذا قال النبي صلى الله عليه وعليه سلم، كذلك في موقف آخر لما توفي ولده إبراهيم، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». فالشاهد قوله عليه الصلاة والسلام: «وإن العين لتدمع». بعض الناس يظن أن من دمعت عيناه هذا مثل النساء، لا، هذه نظرة خاطئة. قل لك: أنت رجل، لماذا تبكي؟ سبحان الله، أنت رجل، ما في قلب، ما فيك رحمة؟ كما أن المرأة تبكي، وبكاء المرأة يكون أشد، بل ربما المرأة لا تصبر، فيكون بكاؤها نياحة لرفع صوتها. ولذلك ما جاء في الأحاديث فيه الوعيد للنائحة. طيب، والرجل إذا نعح مثل المرأة، هل يشمله هذا الوعيد؟ نعم، يشمله هذا الوعيد. طيب، لماذا ما ذكر في أحاديث النياحة؟ قالوا: لأن الغالب في النياحة إنما يكون من النساء، فخرجت هذه الأحاديث التي ذكر فيها النساء، وصف النياحة لأن نساء دون الرجال، مخرج الغالب. فإن هذا الفعل الغالب يصدر من النساء، البكاء مع رفع الصوت ومع النياحة. لكن ليس معنى هذا أن الرجل ما تدمع عينه، فلقد دمع من هو خير مني ومنك، رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذه نظرة خاطئة لما يقول القائل: كيف أنت رجل وتدمع عينك؟ لا، الرجل يصبر، نعم، هذا من الصبر ومن الرحمة، ومن الرحمة، فلا حرج في ذلك. بارك الله فيكم. ومن فوائد هذا الحديث أن أفضل صيغة في العزاء هي هذه الصيغة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لما اجتمعت عليه من معاني عظيمة في المواساة، وفي كذلك التذكير، تذكير المصاب بالصبر: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب». هذا من أفضل أنواع التعزية. ولا بأس أن يعزى بألفاظ أخرى، ولو كانت دارجة بين الناس، لما يكون فيها من المواساة، لكن الأفضل والأكمل أن تكون التعزية بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم. فمثلا الآن بعضهم يقول: مثلا «عظم الله أجرك»، مثلا، أو كذلك «أحسن الله عزاءك»، أو نحو ذلك، لا بأس بهذا، لكن لو تقال هذه بعد الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا أفضل وأكمل وأجبر لقلب المصاب، والله تعالى أعلم. وكذلك من فوائد هذا الحديث أن المصاب يعزى مرة واحدة، سواء كان وجدته في المسجد، أو في الشارع، أو في المقبرة، أو في الطريق، أو في أي مكان، ولا يخصص العزاء بموضع، إلا إذا كان هذا الموضع ما سترى فيه المصاب، أو ما ستلتقي به، أو ما ستلتقي بأهل الميت الكثر إلا في هذا الموضع، فقد أفتى علماء بجواز ذلك، بجواز ذلك، والله تعالى أعلم. وأيضا من فوائد هذا الحديث أن المصاب يستأنس بحضور أهله عند المصيبة، فهذه البنت للنبي صلى الله عليه وسلم عند هذه المصيبة أحبت أن يحضر أبوها. قال أهل العلم: لأن في حضور الأقرباء عند المصيبة فيه تسلية، وفيه تخفيف عن المصاب، فيه تخفيف عن المصاب. فمن السنة إذا سمعت بأمر وقع لقريب لك أن تهرع إليه، وأن تواسيه، وأن كذلك تقف بجانبه وتصبره، وهكذا تخفف عنه، ونحو ذلك من معاني المواساة. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما طلبت منه ابنته أن يحضر إليها في هذا المصاب، بادر عليه الصلاة والسلام وأسرع إليها. نعم، وما طلبت ذلك إلا لشعورها بتخفيف المصاب عليها، والله تعالى أعلم، لشعورها، لشعورها تخفيف المصاب، لشعورها، لشعورها، لشعورها.