باب الصدق من رياض الصالحين 5

باب الصدق من رياض الصالحين 5

الدرس في باب الصدق من رياض الصالحين 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل الصدق في طلب الشهادة وأثره على نيل منازل الشهداء

يوضح الحديث أن من سأل الله الشهادة بصدق وإخلاص نال منازل الشهداء حتى لو مات على فراشه، لأن صدقه مع الله يجعله يستحق أجر الشهادة. كما يبين أن الشهادة الحقيقية هي القتال لتكون كلمة الله هي العليا، لا لأغراض دنيوية.

إخلاص النية في الجهاد وقصة الأعرابي الصادق

يبيّن المقطع أهمية تصحيح النية في القتال ليكون في سبيل إعلاء كلمة الله، ويسوق قصة الأعرابي الذي هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم طالباً الشهادة لا الغنيمة. فصدقه الله فاستُشهد بالسهم في الموضع الذي أشار إليه، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن تصدق الله يصدقك».

فضل النية الصادقة في طلب الشهادة وأثرها في نيل الأجر العظيم

يوضح المقطع كيف أن الأعرابي الذي سأل الله الشهادة بصدق نالها بفضل نيته الصادقة، مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء». ويبين أن النية الصادقة سبب لنيل الأجر العظيم حتى مع العجز عن العمل، كما في حال المخلصين الذين حبسهم العذر عن الجهاد.

فضل الصدق وعاقبة الكذب والنفاق

يبيّن المقطع الفرق بين أهل الصدق وأهل الكذب والنفاق، مشيراً إلى أن الكاذبين يحلفون بأعذار باطلة بينما الصدق له منزلة عظيمة كما ورد في الحديث. ويختتم بالتأكيد على أهمية الصدق والدعاء بالسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين": الحديث الرابع في باب الصبر، في باب الصدق، في باب الصدق. قال: عن أبي ثابت، وقيل أبي سعيد، وقيل أبي الوليد سهل بن حنيف، وهو بدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه». رواه مسلم. ومعنى هذا الحديث: أي من دعا الله أن يرزقه الشهادة في سبيله وهو صادق في ذلك، أي دعا الله بصدق فوافق دعاؤه ما في قلبه من نيل الشهادة في سبيل الله عز وجل، فبسبب صدق هذا العبد وإخلاصه في قوله ذلك فإن الله عز وجل يبلغه منازل الشهداء. ومنازل الشهداء منازل عظيمة ورفيعة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية. وهذا العبد الداعي الذي يدعو الله أن يرزقه الشهادة، فإن الله عز وجل يعطيه هذه المنزلة، وإن لم يمت في سبيل الله، وإنما مات على فراشه. وهذا فيه فضل الصدق، فضل الصدق مع الله سبحانه وتعالى، وأن الصادق ينال أجر العمل وإن لم يسر الله عز وجل له ذلك العمل. فانظر إلى هذا: سأل الله الشهادة، حاول أن ينالها، لكن لم يمت ولم يقتل في سبيل الله، لكن مات على فراشه، بمعنى مات وهو مقيم في بيته وهو على فراشه الذي ينام عليه، فنال بهذا الصدق وهذه النية الصادقة منازل الشهداء. وهذا فيه فضل الصدق، فهذا فيه فضل الصدق. والشهادة في سبيل الله لا تكون إلا بالقتال لتكون كلمة الله هي العليا. هذه هي الشهادة. ليست الشهادة أن تقاتل المسلمين الموحدين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله. ليست الشهادة أن تقاتل من أجل المال، أو من أجل الجاه والسلطان والرئاسة والوزارة والرتبة. وإنما الشهادة في سبيل الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». فالمقاتل ينبغي بل يجب عليه أن يصحح النية، وأن يقاتل من أجل دينه، من أجل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. وورد هناك مثال عملي لهذا الحديث: أن من صدق الله في الشهادة فالله سبحانه وتعالى يعطيه هذه الشهادة بصدقه. فقد أخرج الحاكم في مستدركه، وهكذا النسائي في سننه، من حديث شداد بن الهاد رضي الله تعالى عنه، أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فآمن به، آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم واتبعه. ثم قال هذا الأعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «أهاجر معك». فهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه. فلما كانت غزوة خيبر، غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من المال، فقسم لهذا الأعرابي، أعطاه نصيبا من هذا المال الذي فاء الله عز وجل به على نبيه. نعم. فلما جاء هذا الأعرابي إلى الصحابة الذين وكلهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعطائه هذا المال، دفعوه إليه، أعطوه هذا المال، هذا القسم. فقال هذا الأعرابي لهم: «ما هذا؟ أيش هذا المال؟» قالوا: «قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فأخذه هذا الأعرابي، أخذ هذا المال، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للنبي: «ما هذا يا رسول الله؟» قال: «هذا قسمته لك، هذا نصيبك من الغنيمة». فقال هذا الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما على هذا بايعتك، وما على هذا اتبعتك، وإنما اتبعتك على أن أرمى بسهم هاهنا» وأشار إلى حلقه، وأشار إلى حلقه: «أن أرمى بسهم هاهنا، فأموت، أن أرمى في هذا بسهم فأموت، على هذا اتبعتك، فأدخل الجنة، أدخل بسبب هذا العمل الجنة». هذا الذي اتبعتك عليه. فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «إن تصدق الله يصدقك». وهذا موضع الشاهد: «إن تصدق الله يصدقك». قال الله عز وجل - قال الراوي: فلبثوا قليلا، يعني وقتا يسيرا، ثم نهضوا في قتال، غزوة، قتال عدو، فأتي بهذا الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يحمل - هذا الأعرابي بعد المعركة أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحمل - قد أصابه سهم حيث أشار، في نفس الموضع الذي أشار في حلقه، نفس هذا الموضع. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أهو هو؟» أي: هل هو هذا الأعرابي الذي جاءني وقال كذا وكذا؟ قالوا: «نعم يا رسول الله، هو هو». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق الله فصدقه الله». «صدق الله» أي: أنه لما قال هذا القول ما كان كاذبا، وما كان كذلك مترددا، بل قاله عن يقين وعن صدق وعن إخلاص، فالله عز وجل لما علم صدقه رزقه ما أراد وما تمنى، ما أراد وما تمنى، وأصابه السهم في الموضع الذي أشار به عند النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا الحديث يعني عملا تطبيقيا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الشهادة بصدق». فهذا سأل الشهادة بصدق، فأعطاه ورزقه الله سبحانه وتعالى هذه الشهادة. فهكذا المسلم إذا صدق مع الله سبحانه وتعالى فإن الله يعطيه سؤله، ويعطيه على نيته وصدقه، على نيته وصدقه. وفي هذا الحديث فضل النية الصادقة، وأن النية الصادقة سبب لنيل الأجر، وإن لم يوفق، أو وإن لم يستطع هذا الصادق عمل هذا العمل. انظر: من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، أعطاه الله أجر الشهداء ومنزلة الشهداء. ومنزلة الشهداء رفيعة تأتي بعد منزلة الصديقين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾. فالشهداء مرتبتهم بعد الأنبياء والصديقين، فهي مرتبة عظيمة. بماذا نالها هذا العبد؟ بنيته الصادقة، بنيته الصادقة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في المدينة لرجالا ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا شاركوكم الأجر». حبسهم العذر، هم صادقون يريدون الخروج في الجهاد، يريدون أن يجاهدوا في سبيل الله، لكن هناك عندهم أعذار من مرض أو من قلة ذات اليد. فإن الصادقين قد أخبر الله عز وجل عنهم أنهم يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحملهم، فلا يجد النبي صلى الله عليه وسلم ما يحملهم عليه لفقرهم وقلة ذات يدهم، فيتولون عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم يبكون حسرة، وكذلك حرقة أن لا يجدوا ما يحملهم عليه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾. هؤلاء هم الصادقون. بخلاف أهل الكذب وأهل النفاق، فإنهم يحلفون الحلف الكاذب بأعذار ليست بصحيحة، ولا كذلك بصدق، وإنما يحلفون بالكذب والعياذ بالله. فالصدق لا شك أن له منزلة عظيمة، ومن ذلك ما ورد في هذا الحديث. نكتفي بهذا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.