باب الصدق من رياض الصالحين 4

باب الصدق من رياض الصالحين 4

الدرس في باب الصدق من رياض الصالحين 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

انطلاق دعوة التوحيد في حديث هرقل وأبي سفيان

يستعرض المقطع حديث أبي سفيان مع هرقل دليلاً على أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم منذ بدايتها السرية قامت على التوحيد الخالص وعبادة الله وحده لا شريك له. وتؤكد الرواية أن هذا الأصل هو دعوة جميع الأنبياء والمرسلين كما دلت عليه الآيات القرآنية.

شمول النبوة: الأمر بالصلاة والصدق والعفاف

يبين المقطع أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لم تقتصر على التوحيد بل شملت الأمر بترك الشرك وإقامة الصلاة في صورتها الأولى ركعتين. كما أمر بالصبر على الصدق في القول والعمل، والدعوة إلى العفاف عن شهوتي الفرج والبطن.

تفصيل العفاف وصلة الأرحام مع المخالفين

يفصل المقطع مفهوم العفاف شقين: عفاف الفرج بالبعد عن الزنا ومقدماته، وعفاف البطن بالكف عن المحرمات والسؤال مع الترغيب في الاستغناء. ويؤكد وجوب صلة الرحم بدءاً بالوالدين ثم الأقرب فالأقرب حتى مع كفرهم، بشرط عدم طاعتهم في معصية، مع التزام النبي صلى الله عليه وسلم بصلة أرحامه غير المستجيبين امتثالاً لأمر الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين، وفي باب الصدق: قال الحديث الثالث عن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصته مع هرقل، قال: قال هرقل: «فماذا يأمركم؟» يعني النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو سفيان: قلت: يقول: «اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة». في وصله متفق عليه. وهذا الحديث حديث طويل، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، في المرحلة السرية في بداية دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. ذهب أبو سفيان صخر بن حرب قبل إسلامه مع مجموعة من قريش إلى هرقل في الشام، وهرقل كان ملك النصارى في ذلك الوقت، وسمع هرقل أن هناك رجلا خرج في أرض العرب يزعم أنه نبي، وهرقل كان يقرأ في التوراة والإنجيل، وعرف في الكتب السابقة صفة هذا النبي، فدعا هرقل لما علم أن هؤلاء جاءوا وقدموا من أرض الحجاز، دعاهم ليسألهم وليستثبت منهم، فجعل يسألهم عن نسبه، وعن أصحابه، وعن توقيره لهم، وعن وفائه، ومما سأل عنه هرقل هذه الأمور: «فماذا يأمركم؟» سأل هذا السؤال، فأجاب أبو سفيان بالصدق، لأن الكذب كان عند العرب مذموما، حتى وهم كفار كانوا يتحاشون الكذب في القول، فصدق أبو سفيان ونقل الواقع كما هو. فقال أبو سفيان لما سأله هرقل: «فماذا يأمركم؟» فقال له أبو سفيان: يقول: «اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا». وهذا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم من أول أمره وهو يدعو إلى التوحيد، لأنه الأصل الأصيل، فكان يخرج في أسواق الناس وفي مكان اجتماعهم وتواجدهم، ويقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». فكانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم دعوة إلى توحيد الله عز وجل، وهذه هي دعوة جميع الأنبياء والمرسلين، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾. ويقول لهم: «واتركوا ما كان عليه آباؤكم»، لأن آباءهم كانوا على الشرك، كانوا على عبادة الأوثان والأصنام والملائكة والجن ونحو ذلك، فكان يقول لهم: «اتركوا ما كان عليه آباؤكم» أي من الباطل. ثم قال: «وكان يأمرنا بالصلاة»، والمراد بالصلاة هنا الصلاة التي كانت في أول الأمر، وهي ركعتان ركعتان، كما جاء في حديث عائشة، ثم لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم فرضت عليه الصلوات الخمس، أما في أول الأمر فكانت الصلاة ركعتين ركعتين، وقد جاء في حديث كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد، وكان يصلي، وكان يتوضأ ونحو ذلك. نعم، فكان يأمر بالصلاة لأنها صلة بين العبد وربه. وكذلك قال: «وكان يأمرنا بالصدق»، وهذا هو الشاهد من إرادة هذا الحديث في باب الصدق. وهذا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يدعو إلى التوحيد فقط، كان يدعو إلى التوحيد وإلى العبادة وإلى الأخلاق الفاضلة، لكن كان أكثر دعوته إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، نعم، ولم يغفل بقية الأعمال الأخرى في العبادات وفي المعاملات. وهذا يدل على أن خلق الصدق خلق عظيم، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو إليه في أول أمره، كان يدعو إلى الصدق عليه الصلاة والسلام ويأمر به في أول دعوته عليه الصلاة والسلام، فهذا يدل على عظم هذا الخلق، فينبغي للمسلم أن يتأسى بنبيه، وأن يجيب دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي الدعوة إلى الصدق في الأقوال وكذلك في الأفعال. هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الحديث في باب الصدق. وقوله: «العفاف»، أي العفة، والعفة كما ذكر العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله، تكون عفة عن شهوة الفرج، وعفة عن شهوة البطن، فما تخرج العفة عن هذين الأمرين. فالعفة عن شهوة البطن أو عن شهوة الفرج: أولا أن يعف نفسه عن أن يقضي شهوته بالحرام من الزنا أو اللواط أو العادة السرية، أو ما فيه طريق ووسيلة إلى الوقوع في الزنا، فيعف عينيه عن النظر في الحرام، ويعف كذلك سمعه عن سماع الحرام الذي يهيج إلى الزنا أو اللواط أو العادة السرية أو نحو ذلك. فالعفة عن شهوة الفرج تكون بالاجتناب الزنا وبالوسائل التي توصل إليه، ولذلك لما حرم ربنا الزنا ما قال: «حرمت عليكم الزنا» أو «لا تزنوا»، وإنما قال: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾، وهذا أبلغ، وهذا كذلك يشمل الوقوع في الزنا، ويشمل الوقوع في وسائل الزنا، أي الوسائل التي توصل إلى الزنا. ولذلك جاء الإسلام بتحريم النظر لأنه وسيلة إلى الزنا، إلى النساء، وبتحريم التبرج لأنه وسيلة إلى الزنا، وبتحريم الخلوة بالأجنبية، وسفر المرأة من غير محرم، ومصافحة المرأة، والدخول على النساء، والاختلاط، وكذلك رقة المرأة في كلامها مع الرجال، كل هذا حرام ومنهي عنه لأنه وسيلة إلى الزنا، فالعفة عن ذلك الابتعاد عنه. وأما عفة شهوة البطن، فهذا يشمل أن تعف نفسك عما في أيدي الناس، فلا تأخذ المال بغير حق، أو تأخذ المال بذل وتعرض لأموال الناس، فيشمل العفة ما في أيدي الناس، ويشمل العفة كذلك عن سؤال الناس، ويشمل العفة كذلك عن شهوة البطن في أكل المحرم، في أكل المحرم. وقد أثنى الله عز وجل على المتعففين وعلى الصابرين على الفقر ولم يعرضوا أنفسهم لسؤال الناس، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «واستغن عما في أيدي الناس تكن أغنى الناس، تكن أغنى الناس». فهذا هو العفاف الذي كان يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر به في أول أمره. كذلك قوله: «الصلة»، وهو الخامس، الصلة أن تصل ما أمر الله به أن يوصل من الأقارب الأدنى فالأدنى، وأعلاهم الوالدان، فأعظم صلة هي صلة الوالدين، ثم صلة الأرحام، حتى لو كان الوالدان كافرين فقد أمر الإسلام بالإحسان إليهما، ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ﴾، ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾، إنما نهى عن طاعتهما فيما يغضبه سبحانه وتعالى، أما الطاعة في المعروف حتى لو كان كافرين فقد أمر الله عز وجل بصلة الوالدين، وكذلك الأرحام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «غير أني لي أرحم سأبلها ببلالها»، أي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصل أرحامه والذين لم يستجيبوا له، لأن صلة الرحم قد أمر الله بها حتى مع الكافر من ذوي الرحم، ولكن لا يطاع في معصية الله سبحانه وتعالى. هذا من باب تتمة الفائدة في هذا الحديث، وإلا فالحديث وجه الشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالصدق. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.