باب المسح على الخفين 2

الدرس في باب المسح على الخفين 2، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

مسافة سفر القصر ومسح الخفين في المذهب الشافعي

يشرح المقطع مذهب الشافعية في تحديد مسافة سفر القصر بستة عشر فرسخاً التي يباح فيها المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها. ويناقش الخلاف الفقهي بين القول بالمسافة المحددة والقول بالعرف مع معالجة إشكال تغير العرف في العصر الحديث.

ابتداء مدة المسح على الخفين والخلاف في مناط الحساب

يستعرض المقطع مذهب الشافعية والحنفية والمشهور عند الحنابلة في أن مدة المسح تبدأ من أول حدث بعد اللبس على طهارة. ويناقش القول الثاني القائل بأن المدة تبدأ من أول مسحة ويمتد يوماً وليلة للمقيم وثلاثة للمسافر منسوباً للإمام أحمد وداود الظاهري.

الراجح في بدء مدة المسح وتوجيه النهي عن التقليد

يرجح المقطع أن مدة المسح على الخفين تبدأ من المسح إلى المسح لا من الحدث إلى الحدث وهو قول محققي الشافعية. ويؤكد الشيخ على التمسك بالدليل وترك التقليد مستشهداً بنهي الإمام الشافعي عن تقليده مع إرجاء مسألة مسح مسافر المعصية.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لا زلنا في هذه المنظومة النافعة في فقه الشافعية، وهي المسماة بصفوة الزبد فيما عليه المعتمد، للعلامة الزاهد أحمد بن رسلان رحمه الله تعالى وغفر له. ولا زلنا في أول باب المسح على الخفين، وجرى الكلام أمس على بعض المسائل. يقول الناظم رحمه الله: «باب المسح على الخفين، رخص في وضوء كل حاضري يوماً وليلةً، وللمسافر في سفر القصر إلى ثلاث مع لياليها من الإحداث». وبقي علينا في البيت الثاني بقي الكلام على مسألتين: في قول الناظم رحمه الله: «في سفر القصر»، أي أن مسح الخفين ثلاثة أيام بلياليها إنما يكون في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وهذا هو مذهب الشافعية بلا خلاف. يقول الناظم رحمه الله: «في سفر القصر إلى ثلاث مع لياليها»، أي أن السفر الذي يشرع فيه ويرخص فيه في المسح على الخفين هو سفر القصر الذي تقصر فيه الصلاة وتجمع. والسفر الذي تقصر فيه الصلاة وتجمع ما كان في ستة عشر فرسخاً. السفر الذي تقصر فيه الصلاة هو ما كان بمسافة ستة عشر فرسخاً، والفرسخ ثلاثة أميال. فيكون السفر الذي تقصر فيه الصلاة في ثمانية وأربعين ميلاً، أي في نحو ثمانين كيلو متراً. وهي ثمانية وأربعون ميلاً أو ستة عشر فرسخاً، والفرسخ ثلاثة أميال أو أربعة برد، والبرد أربعة فراسخ. أربعة أبرد أو برد -يقال البريد- هذه مسافة أربعة فراسخ. أربعة ضرب أربعة يساوي ستة عشر فرسخاً. نحولها إلى الأميال: ضرب ثلاثة، يساوي ثمانية وأربعين ميلاً. تقدر هذه المسافة في هذا الزمان بالكيلوات لأن المسافات تتغير، نحو ثمانين كيلو متراً تقريباً. يقول الشافعي في الأم: «إذا سافر الرجل سفراً يكون ستة وأربعين ميلاً هاشمياً فله أن يقصر الصلاة». هكذا في نسخة الأم للإمام الكبير أبي عبد الله الشافعي رحمه الله. وذكر النووي في المجموع أن السفر الذي تقصر فيه الصلاة ثمانية وأربعون ميلاً بالهاشمي، ثم نقل اتفاق الأصحاب -أي أصحابنا الشافعية- على ذلك. هذا المذهب هو مذهب الشافعية. يقول الناظم رحمه الله: «رخص في وضوء كل حاضري يوماً وليلة، وللمسافر في سفر القصر إلى ثلاث مع لياليها». في سفر القصر هذا مذهب جمهور العلماء، هذا مذهب جمهور العلماء من الشافعية والمالكية والحنابلة. فعلى هذا السفر عندهم مسافته محدودة. هذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء، ولعل أقوى الأقوال القول بأن السفر ما كان فيه ضرب في الأرض ويكون في العرف سفراً. لعل أقوى الأقوال بين المختلفين في هذه المسألة قول من قال من الفقهاء: إن السفر الذي تقصر فيه الصلاة ما كان بالعرف سفراً، أي في عرف الناس. فيقول القائل منهم: أريد غداً أن أسافر إلى بلد كذا أو مدينة كذا، فيكون في عرف البلد وعرف الناس أن هذا سفر. هكذا هذا هو الأقرب في أدلة هذه المسألة. في صحيح الإمام مسلم حديث أنس بن مالك فيه شيء من الإشارة إلى مثل هذا. في حديث أنس أن يحيى بن يزيد الهنائية سأل أنس بن مالك عن قصر الصلاة. قال: سألت أنساً عن قصر الصلاة، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصر الصلاة، أو متى كان صلى الله عليه وسلم يقصر الصلاة؟ فأجابه أنس بن مالك قائلاً رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ» -الشك أو الشاك شعبة راوي الحديث في الإسناد- «صلى ركعتين». ثلاثة أميال أو شك شعبة قال: ثلاثة فراسخ. قلنا: الفرسخ كم أميال؟ ذكرته قبل قليل. الفرسخ كم أميال في تعريف الفقهاء؟ ثلاثة أميال. إذن هذه الرواية: مسيرة ثلاثة أميال، شك شعبة أو ثلاثة فراسخ. إذن على رواية ثلاثة أميال لو أردنا أن نحولها إلى الفراسخ، فيكون ثلاثة أميال، في كل فرسخ ثلاثة أميال، تصير تسعة فراسخ. في شك شعبة: هل سمعت ثلاثة أميال أو سمعت شيخي يقول ثلاثة فراسخ؟ شعبة الشاك، أي الذي شك في هذه الرواية. على جميع الروايات هذه ليست ثمانين كيلو. وأثبت أنس بن مالك قصر النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة في ثلاثة أميال. وعلى قول الجمهور إنما تقصر في ثمانية وأربعين ميلاً. هل بينهما فرق؟ فرق كبير جداً. فأنس يحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال قصر الصلاة. إذن هذا نقض كما يقول الأصوليون، هذا يسمونه النقض، وهو أن تثبت بواقعة دليل الخصم وتنقضه، فتقول: قلتم بثمانية وأربعين ميلاً، هذا الحديث ينقض أو يضعف أو يخصص قولكم. حاول بعض العلماء الجواب عن هذا الحديث بأجوبة فيها تكلف. وفي هذا الزمان وجدت عندنا مدن المسافة فيها داخلياً أكثر من مائة كيلو متر. مثلاً مدينة الرياض لعلها تزيد طولاً وعرضاً على مائة كيلو متر. حدثني بعض طلبة العلم من أهل المغرب أن بعض المدن عندهم يمشي الماشي من أول النهار إلى ما بعد الظهر في مسافة تزيد على كذا وكذا من الكيلوات، ولم يصل إلى نصف المدينة. مسافة ثمانين كيلو متر تقطع اليوم في السيارة بكم؟ في كم تقطع مسافة ثمانين كيلو متر؟ ساعة، يمكن. طيب، العبارة الأولى في مثل هذا أن يقال: ما كان ضرباً في الأرض وكان في عرف الناس أنه سفر. قد يقول قائل: نجد بعض الناس اليوم يختلفون في أعرافهم. مثلاً كانوا أيام الركاب والإبل يعدون الذهاب إلى مدينة كذا سفراً باتفاق، واليوم وقد تيسرت الوسائل والمواصلات -وهذا من نعمة الله على الناس- صار جماعات من الناس أو كثير من الناس لا يعدونه سفراً. فهمتم الإشكال أو ما فهمتم الإشكال؟ صار اليوم العرف مضطرباً، هكذا يدعي ويقول هذا القائل. والجواب عن هذا أن نسأله: هل يوجد أحد يعمل بالعرف السابق أم لا يوجد؟ هل يوجد أحد يعمل بالعرف السابق أم لا يوجد؟ فإن قال نعم، قلنا: فالعرف باق كما هو، وإنما خالف هؤلاء عرفهم السابق. هذا الجديد يخالف العرف الآن، وليس أنه ليس سفراً فيشرع فيه القصر. بعض هل الريدة الشرقية يذهبون إلى مكة، كانوا قديماً يعدونه سفراً، بعضهم ربما اليوم لا يعده سفراً، وجماعات آخرون يعدونه سفراً. العرف قالوا قديماً هو سفر. قلنا: فليكن الآن كذلك إذا كان العرف باقياً. أما إذا زال فالأمر آخر. ما دام العرف باقياً فنبقى عليه. فهمتموني في هذا الكلام؟ عندك أبو حمزة؟ فهمتني؟ طيب، زاكر الله هاحد لم يفهم هذا. إذن نحن في الراجع في مسألة القصر في قول الناظم: «في سفر القصر إلى ثلاث مع لياليها». أصحابنا الشافعية متفقون على أن القصر إنما يكون محدوداً في مسافة معلومة، وهي ثمانية وأربعون ميلاً، في نحو ثمانين كيلو في هذا الزمان. فإذا كان دون ذلك عندهم لا يمسح... مسح الخفين ثلاثة أيام بلياليها. متقدم أن هذه المذاهب طرق توصل إلى الله تعالى، لا نتعصب لقول أحد إلا لقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكل أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقوله معروض على الكتاب والسنة، مع احترام الأئمة وتعظيمهم ومعرفة منازلهم. فهم عيوننا التي نبصر بها وعقولنا التي نفهم بها. نحترمهم ونحبهم حباً شرعياً كما أمر الله عز وجل في حب المؤمنين ومودتهم، وأخص المؤمنين هم العلماء، فكانت محبتهم وموالاتهم من أعظم الواجبات. لكن لا نتعصب لا للإمام الشافعي ولا للإمام مالك ولا للإمام أحمد ولا لأبي حنيفة ولا لغيرهم من الأئمة. فهذه المسألة تقدمت أن الدليل يعني يضعف قول جماهير الفقهاء، الدليل يضعف ولا يضطرد قولهم في زماننا هذا. يقصر المسلمون أهل مكة في الميناء، والمسافة ليست ثمانية وأربعين ميلاً ولا ثمانين كيلو أبداً. تذهبها بمشي القدم من حرم الله العظيم في مكة المكرمة إلى الميناء في نحو ساعتين ونصف أو ثلاث ساعات بالمشي المرتّب والراحة، وربما بالسيارة في ربع ساعة أو نحوها تصل أو أقل، والمسافة قليلة. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا أهل مكة يقصرون في الميناء، ليست المسافة... هذا نقض آخر. ولسنا في مسألة القصر، فسيأتي الكلام عليها إن شاء الله في كتاب الصلاة. إنما لما ذكر الناظم هذا كان ينبغي التنبيه. فعلى هذا: ما كان في العرف سفر عند الناس، والسفر بالعرف ذلك معمول به باقٍ، يشرع للمسافر إذا لبس خفيه على طهارة في هذا السفر الذي هو في العرف سفر أن يمسح على خفيه ثلاثة أيام بلياليها. يقول الناظم رحمه الله: «في سفر القصر إلى ثلاث مع لياليها من الإحداث». وقوله رحمه الله: «من الإحداث» إشارة إلى مسألة مهمة، وهي: متى تبدأ مدة المسح؟ متى تبدأ مدة المسح على الخفين؟ هذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء. والذي ذكره الناظم رحمه الله في قوله: «من الإحداث»، والإحداث جمع حدث، أحدث أو مصدر حدث، أحدث يحدث إحداثاً، والمراد به ما يكون من الحدث الذي ينقض الوضوء. هذا مراده: بولاً كان أو غائطاً كان. وقد تقدم الكلام على نواقض الوضوء في باب الوضوء السابق. يقول الناظم رحمه الله: «مع لياليها من الإحداث»، أي يبدأ من أول حدث بعد اللبس طاهراً. هذا معنى قول الناظم رحمه الله: «من الإحداث». تبدأ المدة من أول حدث بعد اللبس طاهراً. لو مثلاً لبس، غسل رجليه في صلاة الفجر ثم لبس خفيه، هذا لبس خفيه بعد صلاة الفجر، عند صلاة الفجر. ثم لما جاءت الساعة السادسة ذهب إلى الخلاء فأحدث، بال أو تغوط، بعد الفجر بساعتين، الساعة السادسة. يقول الشافعية: المذهب أن وقت المسح المحسوب عليه بدأ من متى؟ من الساعة كم؟ ستة. من الساعة السادسة. أنتم معي في هذا؟ جاءت صلاة الظهر فمسح، فتوضأ ومسح على خفه. جاءت صلاة العصر فتوضأ ومسح على خفه. جاءت صلاة المغرب فتوضأ ومسح على خفه. جاءت صلاة العشاء فتوضأ ومسح على خفه. جاءت صلاة الفجر فتوضأ ومسح على خفه. أنتم معي الآن؟ إن كان مقيماً فنام، جاءت صلاة الظهر يبغى يمسح، يقول له الشافعية: لا، الوقت انتهى، الساعة ستة الصباح. يوم وليلة تنتهي في السادسة. ثم معي: ستة إلى ستة. كيف حسبتم؟ منين حسبوا؟ حسبوا من أول... من الإحداث. حسبوها من الإحداث إلى الوقت المقابل في اليوم الثاني لساعة الإحداث. فيجب قبلها أن تغسل رجليك إن كنت مقيماً. فإن كانت ثلاثة أيام نفس الشيء، تزيد يوم ويوم، والساعة ستة من اليوم الثالث يقال لك: وقف. هل فهمتم الصورة الآن؟ متى يبدأ المسح عند الشافعية؟ من أول حدث بعد إدخال الخفين طاهرين. يقول الناظم: «مع لياليها من الإحداث». هذا هو القول الأول في هذه المسألة. هذا مذهب الشافعية، وهو مذهب الحنفية أيضاً. إذا فهمنا المذهب... هذا مذهب الشافعية، وهذا مذهب الحنفية أيضاً، وهذا هو المشهور في المذهب عند الحنابلة، وهو أصح الروايتين عند الحنابلة. هل فهمنا القول الأول الآن؟ كيف صورة القول الأول؟ عندك يا أخي: متى يبدأ المسح على الخفين؟ تحسب المدة متى؟ من أول حدث، سواء صليت ما صليت، ما لنا دخل. من أول حدث تحسب لك المدة إلى مقابله في اليوم، بمضي يوم وليلة، يحسب عليك هذا. يقولنا مذهب الشافعية كما ذكر الناظم، ومذهب الحنفية، ومذهب الحنابلة في المشهور وصح الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله. يقول الشافعي: انظروا إلى هذه المسألة الغريبة التي ذكرها الإمام الشافعي في هذا. قال الشافعية: يقولون: «وإذا لم يحدث وبقي يوماً على طهارة اللبس ثم أحدث، استباح بعد الحدث يوماً وليلة إن كان حاضراً، وثلاثة أيام بلياليها إن كان مسافراً». عرفنا هذا صورة هذا الذي ذكره الإمام الشافعي في الأم، ونقله الشافعية. لو أن هذا الشخص الذي توضأ عند صلاة الفجر ولبس خفه بقي على ذلك الوضوء إلى صلاة الفجر الثانية. كنتم معي في هذا؟ صوروا هذا: قبل صلاة الفجر توضأ، غسل رجليه، لبس خفه. وجاءت صلاة الظهر ولم يحدث، جاءت صلاة العصر لم يحدث، صلاة المغرب لم يحدث، صلاة العشاء لم يحدث، بقي ليلته وهو مستيقظ لم يحدث حتى الفجر. أنتم معي؟ أنا كم له؟ أربع وعشرين ساعة. له أربع وعشرون ساعة. قالوا: إن كان حاضراً يستأنف من أول حدث أربع وعشرين ساعة. وإن كان مسافراً يستأنف ثلاثة أيام. على هذا القول: صاحب المقيم في هذه الصورة جلس في الخفين كم جلس؟ يومين. وصاحب السفر جلس في خفه كم؟ أربعة أيام. أنتم معي يا أبا عبد الرحمن؟ أربعة أيام. أنتم معي في هذا؟ جلس أربعة أيام. هذا هو المذهب عند الشافعية رحمهم الله. دليلهم: زيادة في حديث صفوان بن عسال المروي رحمه الله، وهي زيادة غريبة وضعيفة ومنكرة، حتى قال النووي: وهي زيادة غريبة وليست ثابتة. من الذي ضعف هذه الرواية؟ النووي. وهي في حديث صفوان: «يمسح ثلاثة أيام» إلى أن قال صلى الله عليه وسلم: «من الحدث إلى الحدث». هذه الزيادة الحديث ليست في... هذه الزيادة لكن بعض الرواة زادها: «من الحدث إلى الحدث». فأخذوا منها المذهب. وكذلك الحنفية، وكذلك أصح الروايتين عند الحنابلة في المشهور. هذا الحديث... هذه الرواية ضعيفة غريبة، وهي زيادة ليست بثابتة. إذن هذا الدليل ثابت أو ليس بثابت؟ هذا الدليل ليس بثابت. من الذي ضعف هذه الزيادة من علماء الشافعية الكبار؟ بل يعتبر أحد شيخي المذهب، شيخا المذهب عند الشافعية هما: أبو القاسم الرافعي عبد الكريم، وأبو زكريا يحيى بن شرف النووي، المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة، يلقب بشيخ المذهب، بشيخي المذهب أو بالشيخين. بعض المتأخرين يقولون: «واختلف الشيخان واختاره الشيخان، وبهذا قال الشيخان». من يعنون؟ يعنون الرافعي والنووي. فشيخ الإمام النووي رحمه الله يقول عن هذه الزيادة: إنها زيادة غريبة وليست بثابتة. القول الثاني للعلماء: القول الثاني للعلماء أن مدة المسح تبدأ من المسح إلى مضي يوم وليلة من زمن ذلك المسح. يبدأ من المسح إلى مضي يوم وليلة للحاضر من ذلك المسح. صورة المسألة: إذا صلى الفجر، إذا تطهر لصلاة الفجر، غسل قدميه، ثم ألبس خفيه، ثم أحده... ثم أحده... ثم أحده... ثم أحده... ثم أحده... ثم لما جاء إلى صلاة الظهر توضأ فمسح على خفيه. أنتم معي في هذا؟ مسح على خفيه متى؟ عند وقت صلاة الظهر. خلاص، من هنا يبدأ وقت العد. يبدأ وقت العد من أول مسحة. متى أول ما مسح؟ قبل صلاة الظهر في تلك الصورة. أنتم معي في هذا؟ قبل صلاة الظهر. نقول له: امسح العصر، امسح المغرب، امسح العشاء، امسح الفجر، امسح في صلاة النافلة إلى قبل صلاة الظهر. لا بد أن تخلع خفيك وتغسل رجليك في وضوء جديد. إذن بدأ من المسح ظهراً، قبل الظهر، وانتهى في وقته المقابل من اليوم الثاني. هذا في المقيم. وفي المسافر يقس على ذلك ثلاثة أيام بلياليها. هل فهمتم يا إخواني؟ إذن من المسح إلى المسح، وليس من الإحداث كما يقول الناظم. القول الثاني: من المسح إلى المسح. هذا القول رواية عن الإمام أحمد، وهو قول داود الظاهري أيضاً، واختاره من أئمة الشافعية الإمام ابن المنذر، أحد أئمة أصحاب الوجوه عندنا في المذهب. علماء يسمون أصحاب الوجوه، أصحاب الوجوه الذين لهم الاجتهاد. منهم الإمام ابن المنذر، أبو بكر ابن المنذر. تقدم ذكره شيء من أخباره أو شيء من... في المجالس في العام الماضي. أبو بكر ابن المنذر من مجتهدي الشافعية، ومع هذا خرج عن المذهب في هذه المسألة، فقال بهذا القول. إذن هذا القول اختاره من الشافعية من؟ من اختاره من الشافعية عندك يا أخي؟ الله يسلم عندك، نعم: ابن المنذر. وأيضاً اختاره وانتصر له شيخ المذهب أبو زكريا النووي. وهذه إحدى المسائل التي جاوزت العشرين مسألة خرج فيها الإمام النووي عن مذهب الشافعية، كما تقدم ذكره في دروس العام الماضي. الإمام النووي رحمه الله مجتهد صاحب حجة، متبع لها في مثل هذه المسألة، خرج عن المذهب وقال بماذا؟ وقال: إن ابتداء مدة المسح يبدأ بأول مسحة. أنتم معي في هذا؟ فأين المتعصبون الذين يعقدون الولاء والبراء والغضب إذا خرج الإنسان عن قول في مذهب مشهور؟ المقلدة يعتبرون... يعني يعتبرون كالمصيبة في المذاهب الفقهية لشدة تعصبهم، إلا من رحم الله. فالنووي خالف الشافعي، ما خالف فيه أبو زكريا النووي المذهب. هل يعد من المذهب قولان؟ عند الشافعية وهم كثر يقولون: نعم، نعده قولاً في المذهب، لأن النووي من أئمة هذا المذهب، فكيف لا نعد قوله ولا نعتبر رأيه ولا ترجيحه وإن خالف المشهور عندنا في المذهب؟ تقدم ذكر هذا من المسائل التي خالف فيها النووي رحمه الله، تقدم في الكتاب، واختير في عنده في باب الوضوء، واختاره الناظم. قال الناظم: «واختير من أكل للحم الجزور أو الجزري، مع يقين حدث أو طهري». هذا في نواقض الوضوء. أي أن المذهب أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء، والجزور هو البعير، الإبل، ذكر أن كان أو أنثى، الناقة والبعير. في المذهب إذا أكل منه لا ينقض الوضوء. لكن يقول الناظم: «واختير من أكل للحم الجزري»، إشارة إلى خلاف النووي. النووي رحمه الله يقول: أقول في هذه المسألة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول إن أكل لحم الجزور ناقض للوضوء. خرج عن المذهب، وتابعه الناظم في هذه المنظومة، تابعه الناظم في هذه المنظومة، واختير. كما تقدم شرح هذا مفصلاً، هذا من دروس العام الماضي. كذلك في مسألة أخرى تقدمت معنا، أو مسألتين تقدمت معنا. مسألة أخرى أيضاً وهي مسألة: هل يشرع السواك بعد الزوال للصائم؟ هل يشرع السواك بعد الزوال للصائم أم لا يشرع؟ تقدم الكلام على هذه المسألة، تقدم الكلام على هذه المسألة في المذهب. يقول الناظم: «يسن لا بعد زوال الصائم، وأكدوه لانتباه النائم». قدم تفصيل الشرح في هذا البيت وفي البيت الذي بعده في باب السواك مطولاً بفروعه وبمسائل الباب. شاهد مذهب الشافعية: يسن لا بعد زوال الشمس السواك للصائم. يسن لا بعد زوال الصائم. تقدم الكلام عليه. خالف النووي رحمه الله وقال: الحديث أقوى في هذه المسألة، فأرى جواز السواك، سنية السواك، ولو بعد الزوال. وقد نقل الترمذي ذلك عن إمامنا الشافعي، والترمذي ثقة، أو كما قال رحمه الله. وأضع المسألة، رأى ثالثة أخرى نسيتها الآن. وهذه المسألة تضاف أيضاً إلى المسائل التي خالف فيها النووي رحمه الله المذهب. فالنووي رحمه الله يرى أنه تبدأ مدة المسح من المسح إلى المسح. يقول النووي رحمه الله: «وظاهر الأحاديث الصحيحة يدل على ذلك». ظاهر الأحاديث الصحيحة يدل على ذلك. فإن الأحاديث فيها: «يمسح المسافر ثلاثة أيام، يمسح...» إذن الكلام في فعل هو المسح، علق به الحكم. وصف علق به الحكم وهو جواز المسح. الوصف هو السفر، أو الرخصة، أو الرخصة للمشقة في حال الحضر ونحوه في حال الحاضر. فمثل هذا لم يعلق بالحدث، إنما علق بسبب. فإذا وجد السبب وجد الحكم. في الأحاديث يقول الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله: إن الأحاديث الصحيحة جاءت مصرحة بتعليق الحكم بالمسح: «يمسح المسافر، يمسح المقيم». قال: وهذا يدل على أن أول المدة إنما يحسب من المسح. أول المدة يحسب من المسح. يقول النووي أيضاً: وفي كلمة للإمام الشافعي تدل على هذا. يقول الشافعي: «إذا أحدث في الحضر ومسح في السفر». إذا أحدث في الحضر ومسح في السفر. يعني رجل لبس خفه وهو في بلد الإقامة، في بلد الحضر، الحاضرة، مقيم. ثم جاءه ظرف طار فسافر حتى جاوز ثمانين كيلو متراً. ثم توضأ. يقول الشافعي رحمه الله في هذه الحالة: الآن هذا رجل كان حين لبس الخفين حاضراً، وأحدث وهو حاضر. ثم معي في هذا؟ أحدث وهو حاضر، ثم سافر، ثم سافر. يقول الإمام الشافعي رحمه الله: إذا أحدث في الحضر ومسح في السفر، أتم مسح مسافر. الآن بعد أن وصل إلى بلد السفر، أو بعد أن قطع السفر، هل يمسح بناء على الحدث إلى الحدث إقامة، أم يمسح من الحدث إلى الحدث سفراً لأنه مسافر؟ يقول الشافعي: يمسح مسح مسافر. أنتم معي في هذا؟ يمسح مسح مسافر. هكذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. يقول النووي رحمه الله: فعلق... فعلق الحكم بالسفر، ولم يعلقه بغيره. شاهد الراجح في هذه المسألة أن الحكم معلق بوصف هو المسح، فكان المسح ووجوده ووجوده ووجوده وابتداؤه هو حقيقة الحكم، ولا يكون بمجرد الحدث مبتدئاً في زمان الحكم والرخصة التي هي المسح. والله أعلم. فالراجح في هذه المسألة بعد أن ذكر الخلاف: أن مدة المسح إنما تبدأ من المسح إلى المسح، وليست من الحدث إلى الحدث. فهل فهمتم إخواني جزاكم الله خيراً؟ أحد لم يتضح له شيء؟ ذكرنا هذا الخلاف من أجل أن الموجودين طلبة علم وأكثرهم له سابقة في هذا، له سابقة في طلب العلم. ومن يعني كان مبتدئاً فأنصحه أن يقتصر على الراجح. ما يقال أنه راجح يبقى عنه ويكتب دليله، الراجح والدليل. لأننا متعبدون بالدليل، متعبدون بالحجة. والشافعي رحمه الله كما تقدم في عن الإمام المزني في مختصره: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أملاه علي أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، مع إعلامي نهيه عن تقليده». هذا في أول كلمة في كتاب مختصر المزني المشهور: «مع إعلامي نهيه عن تقليده». فأسأل الله جل جلاله أن يبصرنا ويعيننا جميعاً على الفقه في دينه والعمل بما نسمع، إنه جواد كريم. طيب، متى تبدأ مدة المسح عندك أخسعي؟ عند الشافعية ما هو المذهب في ابتداء مدة المسح على الخفين؟ هذا القول الثاني عند الشافعية. عندك أبا حمزة؟ من أول حدث. من الحدث كما قال الناظم: «مع لياليها من الإحداث». من الإحداث، أي من الحدث إلى الحدث. والراجح دليلاً واختاره محقق الشافعية أو بعض محقق الشافعية: هو أن المسح على الخفين يبتدئ من المسح إلى المسح. هذا خلاصة ما قرأناه في مثل هذا. بقيت معنا مسألة: هل يشرع لمن كان في سفر معصية الترخص بالمسح على الخفين أم أن ذلك لا يشرع له؟ ولكن الوقت دخل، فنقرأها إن شاء الله تعالى في غد. إذا كان لكم شيء وإلا وقفناها هنا. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فضل يا محمد، فضل.