الدرس في باب الصدق من رياض الصالحين 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
ذكر الحديث شروطاً وضعها نبي سابق لمن يتبعه في الجهاد، مستثنياً من ارتبط بامرأة أو بنى بيتاً أو اشترى حوامل خشية انشغالهم. وأشار الشيخ إلى أن الله أحل الغنائم لهذه الأمة لضعفها وعجزها عن تحمل تلك الشروط.
روى الحديث أن الله حبس الشمس على نبي حتى فتح عليه، ولما امتنعت النار من أكل الغنائم تبين وجود غلول. فبايع القوم فظهر رجل سرق رأس بقرة من ذهب فأكلته النار.
بين الشيخ أن الانشغال بالدنيا كحضور الطعام أو مدافعة الأخبثين يشغل القلب عن الخشوع، لذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذين الحالين. وأمر بتقديم الطعام على الصلاة إذا حضر العشاء ليؤديها المسلم بكمالها وخشوعها.
أكد المتحدث على وجوب تصفية الذهن من المشاغل الدنيوية عند الإقبال على العبادة لتحقيق حضور القلب. وختم الدرس بالإشارة إلى طول الحديث وأن بقيته ستكمل في الدرس القادم إن شاء الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في باب الصدق، الحديث الخامس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غزا نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها، ولا أحد بنى بيوتاً لم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنماً أو خليفات وهو ينتظر أولادها. قال: فغزا، فدنى من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا. فحبست حتى فتح الله عليه، فجمع الغنائم، فجاءت - يعني النار - لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولاً، فليبايعني من كل قبيلة رجل. فلصقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فليبايعني قبيلتك. فلصقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول. فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من ذهب، فوضعها، فجاءت النار فأكلتها. فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا». متفق عليه. هذا حديث عظيم، يخبر فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن نبي من الأنبياء ممن قبله، أنه غزا، بمعنى: خرج للغزو لجهاد أعداء له، فقال لقومه الذين اتبعوه وآمنوا به في هذه الغزوة: "لا يتبعني"، يعني: لا يغزو معي، "رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها"، يعني: رجل عقد على امرأة وهو ينتظر الدخول عليها ولم يدخل عليها بعد، فهذا لا يتبعني. لماذا؟ لأن هذا الرجل سيكون مشغولاً بهذه الزوجة، فهذا الانشغال سيضعفه، وكذلك لربما يصرفه عن الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى. وقال: "فغزا". وقال: "ولا أحد بنى بيوتاً لم يرفع سقوفها"، رجل بنى بيتاً ووقف عند السقف، فهو يريد أن يسقف هذا البيت ولم يسقفه بعد، فهذا أيضاً لم يرَ هذا النبي أن يتبعه. لماذا؟ لأن هذا الرجل سيكون مشغولاً ببيته، فهذا يضعفه ويشغله عن الجهاد في سبيل الله. ثم قال: "ولا أحد اشترى غنماً أو خليفات"، والخليفات: بفتح الخاء وكسر اللام، جمع "خليفة"، وهي الناقة الحامل. فقال: "ولا أحد اشترى غنماً أو خليفات وهو ينتظر أولادها"، يعني: هي حامل وهو ينتظر أن تولد وأن تضع حملها، لأنه سيكون مشغولاً بهذه الغنم أو هذه الخليفات، فيضعفه ويشغله عن الجهاد. وجاء في الشرع أن الإنسان إذا أقبل على عبادة ينبغي عليه أن يبتعد عن كل ما يشغله عنها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان». لماذا لا صلاة بحضرة الطعام؟ لأنه إذا حضر الطعام وأقبل المصلّي في صلاته، لربما أشغله ذلكم الطعام عن أداء هذه الصلاة كما ينبغي، ما يؤديها بخشوعها وبكذلك كمالها. لماذا؟ لأن فكره وشغله في ذلكم الطعام. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء». العشاء بفتح العين: هو الأكل، الطعام. والعشاء بكسرها: هي الصلاة. وهذا ليس معناه أنك تتعمد أن يقرب الطعام وقت الصلاة، لا، وإنما المراد: إذا حصل ذلك أحياناً، فقرب الطعام وأنت تشتهيه وأنت جائع، فهنا ابدأ بالطعام، لأن إذا ذهبت إلى الصلاة أشغلك هذا الطعام عن أداء هذه الصلاة كما ينبغي. وهذا في السنة كثير، بمعنى: أن الإنسان إذا أقبل على أي عبادة ينبغي عليه أن يفرغ ذهنه من كل ما يشغله عنها، أي: عن هذه العبادة. هذا هو معنى قول ذلك النبي لقومه. والحديث طويل، والوقت قد أدركنا، نكمل بقيته إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.