باب الصدق من رياض الصالحين 7

باب الصدق من رياض الصالحين 7

الدرس في باب الصدق من رياض الصالحين 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معجزة حبس الشمس لنبي أثناء الغزو

يشرح المقطع حديثاً عن نبي غزا فدعا الله أن يحبس الشمس عليه ليتمكن من القتال في النهار، فاستجاب الله وأخر غروبها حتى فتح عليه، مما يدل على قدرة الله على تسخير الكون وتغيير سننه الكونية. ثم جمع الغنائم فجاءت النار لتأكلها فلم تطعمها، إشارة إلى كرامة الغنائم في ذلك الزمان.

تحليل الغنائم في الأمم السابقة وإباحتها لأمة محمد ﷺ

كانت الغنائم محرمة على الأمم السابقة حيث تُحرق بالنار، ولم تُحل إلا لنبي الله محمد ﷺ وأمته رحمةً بضعفهم. يروي النص قصة نبيٍّ لم تحترق غنائمه فاكتشف الغلول عبر المبايعة، ثم أُحلت الغنائم للمسلمين قسمةً بينهم بعد الجهاد.

فوائد الحديث: مشروعية الجهاد وقدرة الله وفضح الكذب

يستعرض المقطع فوائد الحديث منها: مشروعية الجهاد في الأمم السابقة، وقدرة الله المطلقة على تدبير الكون كحبس الشمس وانشقاق القمر، وردّ قول من يزعم ثبات الأفلاك، وإباحة الغنائم لهذه الأمة، وأن الأنبياء لا يعلمون الغيب، ونزول النار من السماء لتأكل الغنائم. ثم يبين وجه إيراد الحديث في باب الصدق: أن الغلول والكذب يفضحهما الله، كما حدث حين لصقت أيدي الغالّين بيد النبي، فدل على أن الصدق طمأنينة والكذب ريبة لا بد أن تنكشف.

ختم شرح الحديث والاستدلال به

اختتم المتحدث بيانه بذكر أن ما سبق هو وجه الاستدلال بالحديث، مكتفياً بذلك مختتماً بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين. أما بعد، فما زلنا في باب الصدق، وما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في حديث أبي هريرة: أن نبياً من الأنبياء غزا، فقال لقومه: «لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبنِ بها، ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنماً أو خليفات وهو ينتظر أولادها». وأخذنا هذا المقطع وهذا الجزء من هذا الحديث، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فغزا»، أي: هذا النبي، «فدنى من القرية صلاة العصر»، يعني: وقت صلاة العصر، أو قريباً من ذلك، ولا شك أن وقت المغرب قريب. فإذا غزا خشي أن يضيق عليه الوقت، وأن يدخل عليه ظلام الليل، فدعا الله، فقال هذا النبي للشمس، خاطب الشمس، فقال للشمس: «إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا». فالشمس مأمورة من الله عز وجل في أن تشرق في وقت وتغرب في وقت، تشرق في وقت وتغرب في وقت محدد، وقت الغروب تغرب الشمس، فدعا هذا النبي فقال: «اللهم احبسها علينا»، يعني: أخّر غروبها، أخّر غروبها مثلاً: تغرب الساعة السادسة، اجعلها تغرب الساعة الثامنة أو التاسعة أو العاشرة، حتى يتمكن هذا النبي من غزو العدو في ضحى النهار، في ضحى النهار. فحبست حتى فتح الله عليه، وقوله: «وأنا مأمور»، أي: نبي مأمور أن يجاهد في سبيل الله، وأن يغزو من أبى امتثال أمر الله عز وجل. فحبست حتى فتح الله عليه، أي: انتصر على عدوه، وحبس ربنا سبحانه وتعالى هذه الشمس. وهذا فيه -بارك الله فيكم- أن هذا الكون هو خلق من خلق الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى يدبره ويصرفه كيف يشاء، فالذي أمر الشمس أن تغرب فهو سبحانه وتعالى يأمرها أن تتأخر عن الغروب. وكما أن الله عز وجل جعل خلق النار وجعلها تحرق وتؤلم، فهو سبحانه وتعالى أمرها عندما ألقي إبراهيم في النار أن تكون برداً وسلاماً عليه، لأنه الذي خلقها سبحانه وتعالى، وهو الذي يأمرها بما شاء سبحانه وتعالى. وهكذا هذا البحر المترابط الواسع العميق، فلما أراد ربنا عز وجل أن ينفلق قال لنبيه موسى عليه السلام: «اضرب بعصاك البحر»، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. فالله عز وجل على كل شيء قدير، الخلق خلقه والكون كونه، سبحانه وتعالى يأمره بما شاء ويتصرف فيه كيف يشاء. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فجمع الغنائم»، فتح عليه، فغنم غنائم من العدو، فجمع الغنائم، فجاءت يعني النار لتأكلها فلم تطعمها. كان الأنبياء والأمم السابقة لا تحل لهم الغنائم، يعني: ما يجوز لهم أن يأخذوا الغنائم وأن يتمتعوا بها وأن ينتفعوا بها، بل حرمت عليهم، فإذا جمعوا الغنائم أحرقوها بالنار، أحرقوا هذه الغنائم بالنار، هكذا أمرهم الله سبحانه وتعالى. ولم تحل الغنائم إلا لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام ولأمته، كما صح ذلك عنه عليه الصلاة والسلام: «وحلت لي الغنائم ولم تحل أحداً قبلي، ولم تحل أحداً قبلي». فهذا النبي جمع الغنائم فأضرم عليها النار لتأكلها وتحرقها، فلم تطعمها، أي: لم تحرق هذه الغنائم، أبت النار أن تحرق هذه الغنائم، يشعل يشعل فيها النار وهي لا تحرق هذه الغنائم، فلم تطعمها. فقال هذا النبي لقومه: «إن فيكم غلولاً»، أي: أن أحداً منكم أخذ شيئاً من هذه الغنائم. الغلول هو أخذ شيء من الغنائم في هذه الأمة قبل قسمتها، وأما في الأمة السابقة فأخذ شيء من الغنائم قبل حرقها، قبل حرقها. فهذا النبي علم -لأن النار لم تحرق هذه الغنائم- أن أحداً من قومه أخذ شيئاً من هذه الغنائم. فكيف سيعرف هذا النبي؟ وهذا فيه دليل على أن الأنبياء لا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه. فهذا النبي يقول لقومه: «إن فيكم غلولاً»، أي: أحد أخذ شيئاً من هذه الغنائم خفية، «فليبايعني من كل قبيلة رجل»، كل قبيلة يبايعني منها رجل أنه ما أخذ شيء، ولم يأخذ أحد من قومه شيء، نعم. فلصقت يد رجل بيده، بايع الأول مثلاً، الثاني، الثالث، الرابع مثلاً، لصقت يده. ما معنى هذا؟ معنى أن الغلول فيه أو في قومه، فيه أو في قومه. فقال هذا النبي: «فيكم الغلول»، أي: أنتم الذين أخذتم من هذه الغنيمة، «فليبايعني قبيلتك الآن، هيا قبيلتك كلها، هيا ذوي جلدتك كلهم، سأبايع كل واحد». فلصقت، فلصقت يد رجلين أو ثلاث بيده، يعني: من هذه القبيلة، معنى أن هؤلاء هم الذين غلوا، هؤلاء هم الذين غلوا. فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من ذهب، إذن هذا الذي غلوه، فوضعها أي في الغنيمة، فجاءت النار فأكلتها، خلاص الغنيمة الآن كاملة ما فيها شيء نقص، عرفت النار ما أمرت به فأكلت وحرقت هذه الغنائم. قال عليه الصلاة والسلام: «فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا»، وهذه من خصائصنا، من خصائص هذه الأمة، ومن فضل الإسلام على أهله. فافتخر أيها المسلم بهذا الدين، إذا قاتلت وجاهدت في سبيل الله فغنمت من العدو أسلحة وأموالاً وذهباً وأغناماً أو بقراً أو إبلاً أو كذلك خيولاً أو نحو ذلك، فهذا كله ينتفع به المسلمون، ويقسم على المقاتلين الذين قاتلوا في هذه المعركة، فهذا من فضل الله عز وجل على أهل الإسلام، على أهل الإسلام. وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة، ذكر الشيخ ابن العثيمين عدة فوائد منها: أن الجهاد مشروع في الأمم السابقة، بدليل أن هذا النبي غزا، كما أن الجهاد مشروع في هذه الأمة، وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، و«كأين» هذه تفيد التكثير، بمعنى: كثير من الأنبياء قاتل في سبيل الله. وفي هذا الحديث دليل على عظمة الله سبحانه وتعالى وأنه مدبر الكون كما تقدم، فأمر هذه الشمس أن تتأخر في الغروب. ومنها أيضاً: رد على أهل الطبيعة الذين يقولون إن الأفلاك لا تتغير، أهل الطبيعة وأهل الفلك لربما يقولون إن الأفلاك لا تتغير، نعم تتغير بأمر الله، تتغير بأمر الله، فيكسف في الشمس والقمر، ويفعل الله عز وجل في كونه ما شاء مما هو خلاف ما عليه الكون. نعم، ومن ذلك انشقاق القمر، وهي آية أيد الله عز وجل بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، وانشق القمر. وهكذا، من فوائد هذا الحديث: فيه بيان نعمة الله، فيه بيان نعمة الله على هذه الأمة حيث أحل لها المغانم التي تغنمها من الكفار. نعم، ومن فوائد هذا الحديث كما تقدم: أن الأنبياء لا يعلمون الغيب. ومن فوائد هذا الحديث: فيه دليل على قدرة الله من جهة أن هذه النار لا يدرى من أين جاءت، من أين تأتي هذه النار التي تحرق هذه الغنائم؟ قيل: أنها تنزل من السماء، لا هي من أشجار الأرض ولا من حطب الأرض، بل تنزل من السماء، يأمرها الله عز وجل فتنزل فتأكل هذه الغنيمة التي جُمعت، تأكل هذه الغنيمة التي جُمعت. طيب، قد يسأل سائل: ما هو وجه الشاهد من إيراد هذا الحديث في باب الصدق؟ في باب الصدق، الدليل وجه الشاهد هو الغلول الذي وقع في هذه الغنائم، الذي وقع في هذه الغنائم، فإن الكاذب الكاذب يفضحه الله عز وجل، ففضح هؤلاء الذين غلوا من الغنائم وكذبوا. لو لم يفعل النبي ذلك وهو أن يبايع القبائل وأفراد القبائل، لما علم من أخذ من هذه الغنائم، لما عرف. لكن بأمر الله سبحانه وتعالى وبقدرة الله عز وجل أن لصقت أيدي هؤلاء في يد النبي، فعلم أنهم كاذبون وأنهم هم الذين غلوا من هذه الغنائم. فهذا فيه دليل على أن الصدق طمأنينة، وأن الكذب ريبة، وأن الكاذب ينفضح أمره طال الزمن أم قصر، فكما يقال: حبل الكذب قصير، حبل الكذب قصير. مهما كذب الإنسان وأخفى عن الناس ما في باطنه، فإن الله سبحانه وتعالى يفضحه، ويرى الناس ذلك في فلتات لسانه وفي صفحات وجهه، ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم، لا بد أن يعلمها الناس، طال الزمن أم قصر. هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث، والله تعالى أعلم، وبه نكتفي، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.