شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 1

شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 1

الدرس في شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل أذكار الصباح والمساء وأثرها في تحصين المسلم

يوضح المقطع أهمية المواظبة على أذكار الصباح والمساء كحصن للمسلم وتجديد للعهد مع الله. ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله في كل أحيانه داعياً لتدبر معانيها لتحقيق التوحيد والتعظيم.

أذكار الصباح والمساء: فضائلها، توقيتها، ومصادرها العلمية

يستعرض المقطع فضيلة الذكر الكثير ويحدد توقيت أذكار الصباح من بعد الفجر إلى طلوع الشمس والمساء من بعد العصر إلى الغروب. كما يذكر أبرز المؤلفات العلمية التي جمعت هذه الأذكار.

فضل ذكر "بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء" في حفظ المسلم من الأذى

يبيّن المقطع عظمة ذكر "بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء" في حفظ القائل من كل ضرر مستدلاً بتجربة الإمام القرطبي وأبان بن عثمان. ويوضح أن "بسم الله" هنا بمعنى الاستعاذة بالله شاملة الحماية من مصائب السماء والأرض.

خاتمة الدرس والحث على المحافظة على الأذكار

يختتم المتحدث الدرس حاثاً الإخوة على المحافظة على هذا الذكر وغيره من الأذكار القادمة. ويعلن الاكتفاء بهذا القدر مفوضاً العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن أعظم الأعمال الصالحة التي ينبغي أن يحافظ عليها المسلم في جميع أوقاته عموماً، وفي شهر رمضان خصوصاً، الحرص على أذكار المناسبات؛ فإن هذه الأذكار فيها من التحصين للمسلم، وتجديد العهد بالله سبحانه وتعالى، وإذ فيها ذكر لله سبحانه وتعالى، مثل أذكار الصباح والمساء والنوم، وأذكار الصلوات وأدبارها، وأذكار الدخول والخروج والركوب والسفر والطعام والشراب، ونحو ذلك مما وردت به السنة. فإن المواظبة على هذه الأذكار والمحافظة عليها فيها من الخيرات، وفيها من زيادة الإيمان، لا سيما إن وفق المحافظ عليها إلى التأمل في دلالاتها والتفكر في مقاصدها وغاياتها. فهذه الأذكار فيها من توحيد الله سبحانه وتعالى، وفيها كذلك من تعظيم الله عز وجل، وفيها من تقرير التوحيد لله سبحانه وتعالى والخلوص من الشرك، وفيها الإقرار والإعظام بتوحيد الربوبية والألوهية. فلا شك أن من كان ذا عناية واهتمام بأدعية النبي صلى الله عليه وسلم المأثورة، فإنه يحيي قلبه وتسعد حياته. ففي هذه الأذكار اعتراف بأن الله عز وجل وحده هو الذي أمات وأحيى، وهو الذي أطعم وأسقى، وأفقر وأغنى، وألبس وأكسى، وأضل وهدى، وأنه وحده سبحانه وتعالى المستحق للعبادة. فإذا في هذا المقام، وفي هذا الدرس، في هذا الوقت، أحببنا أن نتدارس وإياكم شيئاً من أذكار طرفي النهار: أذكار الصباح والمساء، مع ذكر معانيها وشرح ألفاظها. فإن كثيراً منا لربما يقرأ هذه الأذكار من غير تأمل، ومن غير تدبر، ومن غير تفكر، فيقرأها قراءة لا علاقة لها بمواطأة القلب، ولذلك فإنه لا يشعر بلذتها ولا بمعانيها. فالأذكار هي بمنزلة الحصن الحصين الذي به يتحصن المسلم من شرور شياطين الإنس والجن، بل ويتحصن من كل ذي شر، من كل ذي شر. وأذكار الصباح والمساء هذا كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، منذ أن يفتح عينيه عليه الصلاة والسلام، وبعد قيامه من النوم وهو في ذكر لله عز وجل. إذا استيقظ عليه الصلاة والسلام قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور». ذكر لله عز وجل، واعتراف بنعمة، وهي نعمة إعادة الحياة؛ لأن الإنسان إذا نام فقد مات ميتة صغرى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42] إلى آخر الآية. ولذلك جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله في كل أحيانه. في كل أحيانه، يعني: لو واظب المسلم على أذكار الصباح والمساء والمناسبات من الدخول والخروج والاستيقاظ من النوم والأكل والشرب واللباس وغير ذلك، لصار يومه مليئاً بذكر الله سبحانه وتعالى. لصار يومه مليئاً بذكر الله سبحانه وتعالى. فإن من يتأمل السنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم يجد أن هناك أذكاراً للصباح والمساء، وأذكاراً للنوم والانتباه، وأذكاراً للصلوات وأعقابها، وأذكاراً للطعام والشراب، وأذكاراً لركوب الدابة والسفر، وأذكاراً تتعلق بطرد الهم والغم والحزن، وأذكاراً تقال عند رؤية المسلم لما يحب أو لما يكره، وإلى غير ذلك. لو أحصيت مواطن الأذكار الشرعية لوجدتها تملأ يومك، لوجدتها تملأ يومك. فينبغي للمسلم أن يحرص على مثل هذه الأذكار. ونحن في هذا المقام سنذكر بعضاً من هذه الأذكار لما يتيسر، مع ذكر شرحها ومعانيها. واخترنا في ذلك «فقه الأدعية والأذكار» للشيخ عبد الرزاق البدر، حفظه الله تعالى ونفع به. وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على الذاكرين الله كثيراً والذاكرات؛ لأن من حافظ على هذه الأذكار في صباحه ومساءه عد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. قال الله عز وجل: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في معنى هذه الآية أنه قال: المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدوا وعشية، يعني أذكار الصباح والمساء، وفي المضاجع، يعني عند إتيان الرجل إلى فراشه للنوم أو عند إتيان الرجل لأهله، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى. فمن حافظ على هذه الأذكار، أذكار المناسبات، الأذكار الخاصة، عد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. وقد سئل الشيخ أبو عمر بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به المسلم من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في كتاب «عمل اليوم والليلة»، كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات؛ لأن هذه الأذكار تملأ غالب وقتك. وأهل العلم أولوا هذا الجانب عناية خاصة واهتماماً بالغاً، فألفوا في أذكار الصباح والمساء وأذكار كذلك المناسبات الأخرى مؤلفات كثيرة. منهم من ألف المؤلفات المطولة، ومنهم من ألف المؤلفات المتوسطة، ومنهم من ألف المؤلفات المختصرة. فمثلاً: كتاب «عمل اليوم والليلة» للإمام النسائي صاحب السنن، وهكذا «عمل اليوم والليلة» لتلميذه ابن السني، وكذلك كتاب «الدعاء الكبير» للبيهقي، وكذلك «الأذكار» للإمام أبي زكريا النووي، وكذلك كتاب «الكلم الطيب» لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكتاب «الوابل الصيب» لتلميذه العلامة ابن القيم، وكتاب «تحفة الذاكرين» للإمام الشافعي. ومن المعاصرين أيضاً كتاب «تحفة الأخيار» للشيخ عبد العزيز بن باز، وغيرها من المؤلفات التي أُلِّفت في هذا الباب. وما هذا إلا لأهميته، ولحاجة المسلمين إليه، ولحاجة المسلمين إليه. وقد حث ربنا سبحانه وتعالى على الذكر طرفَي الليل والنهار، وهي ما تسمى بأذكار الصباح والمساء، أو بأذكار طرفي الليل والنهار. فمن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42]. والأصيل هو ما بين العصر وغروب الشمس، والبكرة هي الصباح. فحث ربنا سبحانه وتعالى على ذكره بتسبيحه في البكرة وفي الأصيل، أي في الصباح والمساء. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: 55]. العشي أي المساء، والإبكار أي الصباح، فالإبكار أول النهار، والعشي آخر النهار. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39]. وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. متى قبل طلوع الشمس؟ أي في الصباح، وقبل الغروب أي في المساء. ويقول الله عز وجل: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]. والآيات في هذا المعنى كثيرة. ومحل هذه الأوراد: الصباح والمساء. الصباح الباكر بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، والمساء ويقال كذلك العشي والآصال من بعد صلاة العصر إلى قبيل الغروب، أو إلى قبل الغروب. ومن نسي فالأمر في ذلك واسع. من نسي أذكار الصباح فلم يذكرها إلا بعد طلوع الشمس، لا بأس أن يأتي بها ولو بعد طلوع الشمس. ومن نسي أو غفل عن أذكار المساء فلم يقلها فغربت الشمس، فلا بأس أن يأتي بها بعد غروب الشمس. لكن الأفضل أن يأتي بأذكار الصباح بعد صلاة الصبح، وأذكار المساء بعد صلاة العصر. هذا هو الأفضل، والله تعالى أعلم. وهذا ما قرره العلماء. وأما عن الأذكار المشروعة، فنشرع في أول ذكر من هذه الأذكار، وهو ما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل يوم، أو ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم يضره شيء». انتبه إلى قوله: «لم يضره شيء». «شيء» هنا نكرة في سياق النفي، فيفيد العموم: لم يضره شيء مما هو ضرر عليه. فهذا من الأذكار العظيمة الذي ينبغي أن يحافظ عليها المسلم في صباحه ومساءه. فإذا فعل ذلك يكون محفوظاً بحفظ الله عز وجل من أن يصيبه فجأة بلاء أو ضر أو مصيبة أو نحو ذلك. يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى عن هذا الحديث: قال: هذا خبر صحيح، وقول صادق. علمنا دليله دليلاً وتجربة. علمنا دليله دليلاً وتجربة. فإني منذ سمعته عملت به فلم يضرني شيء، إلى أن تركته، يعني في يوم الأيام ترك الإتيان بهذا الذكر. قال: فلدغتني عقرب بالمدينة ليلاً. فلدغتني عقرب بالمدينة ليلاً. قال: فتفكرت، إيش سبب هذه المصيبة التي حلت بي؟ قال: فإذا أنا قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات، نسي أن يأتي بهذه الكلمات. فانظر إلى معرفة السلف لسبب المصائب التي تحل بهم. فعلم أن سبب ذلك أنه لم يأتِ بهذا الذكر. وجاء في سنن الترمذي عن أبان بن عثمان رحمه الله، وهو راوي الحديث عن عثمان، هذا الحديث المتقدم، أنه قد أصابه طرف فالج، وهو شلل يصيب أحد شقي الجسم، يسميه جلطة أو شلل أو نحو ذلك. فأصيب بهذا المرض، فجعل رجل منهم ينظر إليه: كيف أنت تروي لنا هذا الحديث عن عثمان، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لم يضره شيء»، وأنت الآن أصبت بهذا الأمر، بهذا الشلل؟ كأن هذا الرجل دخله شيء من الظن أو الشك. فجعل هذا الرجل ينظر إلى أبان بن عثمان، فقال له أبان: ما تنظر؟ أما إن الحديث كما حدثتك، أما إن الحديث كما حدثت، ولكني لم أقله يومئذ، ليمضي الله علي قدر هذا اليوم. نسيت ما أتيت به. فهذا هو بسبب نسياني لهذا الذكر. كم نحن ننسى يا إخوة هذه الأذكار! كم نحن نغفل عنها! فانظر إلى أثر هذا الدعاء في حفظ الإنسان، وفي كذلك تحصينه. وكما ورد في السنة في هذا الذكر أن يقال ثلاث مرات: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم»، ثلاث مرات، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: «بسم الله»، أي: بسم الله أستعيذ. بسم الله أستعيذ. فكل فاعل يقدر فعلاً مناسباً لحاله عندما يبسمل. فأنت لما تأكل تقول: بسم الله، أيش التقدير؟ التقدير: بسم الله آكل. عندما تشرب تقول: بسم الله، ما هو التقدير؟ التقدير: بسم الله أشرب. عندما تأتي أهلك تقول: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا. ماذا مقصود «بسم الله»؟ أي: بسم الله أجامع. وهكذا يقدر فعلاً مناسباً لحاله. فقولك: «بسم الله»، أي: أستعيذ بالله. استشعر هذا كأنك تقول: أستعيذ بالله. وقوله: «الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء»، أي: من تعوذ بسم الله فإنه لا تضره مصيبة، لا من جهة الأرض ولا من جهة السماء. لا من جهة الأرض ولا من جهة السماء. «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء». قد المصيبة تأتي الإنسان من السماء، يأتي شيء من أعلى فيسقط عليه، يأتي ثلج من السماء فيقع على رأسه، وهكذا. وقد يكون من الأرض، من شياطين الإنس أو الجن، أو أي مصيبة تحل بالعباد. فقولك: «الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء»، لا من جهة الأرض ولا من جهة السماء، ما تضره مصيبة. وقوله: «هو السميع العليم»، أي: السميع لأقوال العباد، العليم بأفعالهم، الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. فهذا هو معنى هذا الذكر. فلنحافظ عليه أيها الإخوة، مع غيره من الأذكار التي ستأتي معنا إن شاء الله في دروس قادمة. اليوم نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.