الدرس في أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع شرح باب "بيان شيء من أنواع السحر" من كتاب التوحيد، مع التركيز على حديث "إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت"، حيث يُبيّن ضعف إسناده عند الألباني لكن صحة معناه، وسبب ذكر المؤلف للإسناد الكامل لتفسير الراوي عوف.
يشرح المقطع العيافة بأنها زجر الطير للتفاؤل أو التشاؤم، ويبين أنها نوع خاص من الطيرة التي تشمل كل ما يتشاءم منه الإنسان. ويوضح أن العيافة والطيرة والطرق (الخط في الرمل للاستدلال بالغيب) كلها من الجبت أي أعمال السحر، لكونها أموراً خفية تؤثر في النفس فتجعلها تقدم أو تحجم، وقد يستخدم فيها الجن والشياطين.
يبيّن المقطع أن استخدام الخطوط للاستدلال على الغيب يُعد من الكهانة والسحر، وأن حديث معاوية بن الحكم لا يُجيز ذلك لأن النبي علق الإباحة بشرط مستحيل وهو معرفة خط نبيّ مُوحى إليه. كما يشرح معنى "الجبت" بأنه رنة الشيطان أو وحيه الذي يدفع إلى الشرك والمعاصي.
يوضح المقطع أن عبارة «لهم المسند منه» تعني أن روايات أبي داود والنسائي وابن حبان تحتوي على متن الحديث النبوي دون تفسير الراوي، بينما جاء تفسير عوف للعيافة فقط في مسند الإمام أحمد. وبذلك يُميز بين المتن المسند والزيادة التفسيرية الواردة في رواية أحمد.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، بابه: بيان شيء من أنواع السحر. فالمقصود من هذا الباب: لما ذكر المؤلف حكم السحر والساحر وخطورة السحر، أراد أن يبين أنواعاً من الأعمال التي لها شبه بالسحر من أجل التحذير منها، فهي إما أنها سحر، وإما أنها محرمة لما فيها من الخفاء وزعزعة العقيدة، وإما أن تكون مباحة لكن تتفق مع السحر في المعنى اللغوي، وهذا سيأتي بيانه. فذكر في هذا الباب سبعة أنواع من هذه الأعمال التي لها شبه بالسحر، سواء كان للتحذير من بعضها، أو من أجل أن الشرع جاء بلفظ السحر وهي ليست بسحر اصطلاحي، وإنما هو سحر لغوي لما فيها من الخفاء، ولما فيها كذلك من المعنى اللغوي للسحر. فذكر سبعة أنواع: ذكر العيافة، والطرق، والطيرة، والتنجيم، والنميمة، والبيان وهي البلاغة والفصاحة. فذكر أولاً العيافة والطرق وكذلك الطيرة. قال أحمد -أي الإمام أحمد رحمه الله تعالى- في مسنده: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عوف، عن حيان بن العلاء، قال: حدثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت». قال عوف: العيافة زجر الطير، والطرق: الخط يخط بالأرض، والجبت: قال الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد، ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه. لهم المسند منه. نتكلم في هذا الدرس حول هذا الحديث. أولاً: الحكم على هذا الحديث. هذا الحديث ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، فهو من حيث الصناعة الحديثية لا يثبت؛ في إسناده راوٍ فيه كلام، وهو حيان بن العلاء، فيه كلام عند أهل الحديث، فلذلك ضعفه العلامة الألباني عليه رحمة الله. ولكن معناه صحيح، فهذه الأشياء التي ذكرت في هذا الحديث مما لا شك تدخل في معنى السحر كما سيأتي بيانه. والشيخ ابن عبد العباد رحمه الله تعالى أحياناً يدخل بعض الأحاديث التي لم يشتد ضعفها من أجل أن فيها أمراً يخل بالعقيدة ويخدش بتوحيد المسلم، فيذكرها من أجل المعنى الذي فيها. وذكر المؤلف هنا سند الحديث، مع أنه في أكثر الأحاديث لم يذكر أسانيد الأحاديث، لكن هذا الحديث ذكره بإسناده، والسبب في ذلك لأنه سيذكر تفسير أحد الرواة وهو عوف الذي يقال له الأعرابي، فمن أجل ما في هذا الحديث من تفسير لأحد الرواة ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث بإسناده. وأما تعريفه للعيافة فقال هنا: زجر الطير، لأن العيافة من عاف الشيء إذا تركه، إذا ترك الشيء عفت الطعام، عفت شيئاً ما فتركته، فسميت العيافة من الفعل: عاف الشيء إذا تركه. والمراد بها هنا: إرسال الطير للتفاؤل بمسيره أو للتشاؤم، فقد كانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا أمراً -إذا أرادوا أمراً من سفر أو تجارة أو نحو ذلك- يطلقون طيراً فيهيجونه على الطيران، فإن ذهب يميناً تفاءلوا فأقدموا، فمن أراد السفر سافر، ومن أراد التجارة تاجر، وإذا ذهب شمالاً تشاءموا فأحجموا، أي امتنعوا عن فعل ما أرادوا. وهي طبعاً نوع خاص من الطيرة، لأن الطيرة معناها شامل يدخل فيها الطير، ويدخل فيها كل معلوم أو مسموع أو مرئي، فبعض الناس ربما يتشاءم من بعض الصور، أو من بعض الأيام، أو من بعض الشهور، أو نحو ذلك، فالتطير أو الطيرة أعم. وأما العيافة فهي نوع خاص من الطيرة، أي خاصة بزجر الطير. فهذه هي العيافة. وما علاقتها بالسحر؟ ما هي علاقة العيافة بالسحر؟ من جهة أنها شيء خفي، أثر في النفس فجعلها تقدم أو تحجم، فالسحر كذلك هو أمر خفي وله أثر في النفس، فهكذا هذه العيافة، فصاحب زجر الطير يتعلق بهذا السبب وبهذا الأمر، وهل الخير في ذهاب الطير إلى اليمين، وهل الشر في ذهاب الطير إلى الشمال؟ لا، ليس الأمر كذلك، فإذا هذا شيء خفي فأثر في نفس هذا الزاجر للطير، أثر فيه فأقدم وأحجم، أقدم وأحجم، فمن أجل ذلك سمي هذا الشيء من السحر، أو أدخل في السحر من جهة أنه شيء خفي. وأما قوله: «والطيرة من الجبت»، أي من أعمال السحر، من أعمال السحر، فالطيرة وزجر الطير والعيافة هذه كلها، والطرق كما سيأتي معنا، هذا كله من الجبت، أي من أعمال السحر، من أعمال السحر. ثم فسر الراوي عوف الأعرابي العيافة بأنها زجر الطير كما تقدم، هيجان الطير على الطير. وكذلك فسر الطرق: ما هو الطرق؟ قال هنا: الطرق الخط يخط بالأرض، الخط يخط بالأرض، يعني من وضع طرق في الأرض، من وضع طرق بالخطوط في الأرض، فهي وضع خطوط في الأرض، فيقوم هذا الدجال، هذا الرمال، هذا الكاهن، بمسح بعض هذه الخطوط للاستدلال بها على الأمور الغيبية، وقد يستخدم في ذلك الجن والشياطين، وقد يستخدم في ذلك الجن والشياطين، فلذلك الذي يعمل ويقوم بهذه الطريقة يسمى كذلك رمال، نسبه إلى الرمل لأنه يخط الخطوط في الرمل، أي في الطين والتراب. وما علاقة الطرق بالسحر؟ علاقة واضحة، لأن هذه الطريقة نوع من أنواع الكهانة، هذه الطريقة نوع من أنواع الكهانة تستند لأمر خفي، تستند لأمر خفي لا يصح اتخاذه، لا يصح اتخاذه، وكذلك السحر يستند إلى شيء خفي. وورد حديث قد يشتبه على بعض الناس إذا سمعه، وهو حديث معاوية بن الحكم السلمي، أنه قال: قلت يا رسول الله، ومنا رجال يخطون، يعني يفعلون هذا الشيء ليستدلوا به على أمور غيبية، فقال صلى الله عليه وسلم: «كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك». فهل معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر معاوية بن الحكم على قوله هذا؟ لا، ليس هذا معنى الحديث، وإنما معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم علق الإباحة بأمر مستحيل، علق الإباحة بأمر مستحيل. ما هو هذا الأمر المستحيل؟ معرفة تلك الطريقة التي فعلها هذا النبي، وهذا النبي هل فعلها من تلقاء نفسه؟ لا، النبي يوحى إليه، فهي معجزة له، فهي معجزة لهذا النبي، لا يمكن لأحد أن يصل إليها لأن غير هذا النبي لا يوحى إليه، غير هذا النبي لا يوحى إليه، فقوله عليه الصلاة والسلام: «فمن وافق خطه فذاك»، يعني هذا أمر مستحيل، من ذا الذي يعلم خط النبي وهو أمر غيبي اختص به هذا النبي؟ فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الإباحة بأمر مستحيل، والشيء المستحيل ليس له واقع، ليس له واقع، فلا استدلال بهذا الحديث على جواز ذلك، على جواز ذلك، بل استخدام هذه الخطوط من الشعوذة ومن الكهانة، بل وربما تكون من السحر. والآن هناك طرق يستخدمها هؤلاء شبيهة بالطرق، فبدلاً من أن يخط بالأرض، لربما خط بالورق والكتابة، وكذلك الطلاسم ونحو ذلك مما يفعله بعض هؤلاء الدجالين، بعض هؤلاء الدجالين. فإذا عرفنا معنى هذا الحديث، وعرفنا أيضاً معنى العيافة ومعنى الطرق، وعلاقتهما بالسحر. وقوله هنا: وقال الحسن: الجبت رنة الشيطان. ما معنى رنة الشيطان؟ رنة الشيطان أي صوت الشيطان، صوت الشيطان. وقال الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله: قال والظاهر أن رنة الشيطان أي وحي الشيطان، فهذه من وحي الشيطان وإملائه، والشيطان لا يوحي إلى أوليائه إلا الشر، وإلا الشرك، وإلا الكفر، وإلا المعاصي. فإذا قوله: رنة الشيطان، صوت الشيطان أو وحي الشيطان، ولا تعارض بين القولين، فإن صوت الشيطان قد يكون فيه أمر لهذا التابع لهذا الشيطان من الإنس. نعم، وبل فسر رنة الشيطان بالشيطان كما جاء كذلك عن الحسن. وأما قوله في آخر الحديث: «ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيح لهم المسند منه»، يعني بدون ذكر تفسير الراوي، تفسير الراوي جاء عند الإمام أحمد فقط، قال عوف: العيافة زجر الطير إلى آخره، هذا التفسير جاء في مسند الإمام أحمد فقط، وأما ما جاء عند أبي داود والنسائي وابن حبان ففيه ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام دون ذكر تفسير الراوي، هذا معنى قوله: لهم المسند منه. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى عليكم.