الدرس في أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يثبت هذا المحور حقيقة السحر وتأثيره الحقيقي على بدن الإنسان وعقله مستدلاً بالقرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويرد على منكريه كالمعتزلة. كما يبين أنواعه كالتخييلي الذي يوهم الناظرين، محذراً من خطره على العقيدة وحرمته الشديدة.
يستعرض الخلاف العلمي في حكم الساحر مرجحاً قول الجمهور بكفره استناداً إلى نصوص الوحي وكلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام. ويؤكد أن السحر له تأثير حقيقي مادي ومعنوي وفق عقيدة أهل السنة والجماعة.
يوضح أن السحر من الكبائر الموبقات التي قرنها النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك لعظم خطرها واستخدامها للشياطين. ويوجب على المسلم اجتنابه والبراءة من أهله ومحاربتهم والإبلاغ عنهم تعاوناً على البر والتقوى، مختتماً بأن العلم لله تعالى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فقد تقدم معنا أن شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى أورد ما جاء في السحر في كتاب التوحيد، ليبين في هذا الباب خطر السحر، وليبين في هذا الكتاب خطر السحر وحكم السحر وحكم الساحر. وقد تقدم معنا بيان حكم السحر وخطر السحر على الأفراد والمجتمعات وعلى الأسر ونحو ذلك. واستدل شيخ الإسلام على أن السحر كفر بالآية: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، وعرفنا ما معنى الجبت وما معنى الطاغوت. بقي مسألة أخرى وهي حكم الساحر. تبين في الدرس الماضي أن حكم السحر أنه كفر، لا سيما إذا كان باستخدام الشياطين، وهذا مما لا خلاف فيه. وإنما الخلاف في السحر الذي يكون باستخدام الأدوية والعقاقير ونحو ذلك، فجمهور أهل العلم كذلك على كفر صاحبه لورود الأدلة في ذلك، ولضرره وخطورته على عقيدة المسلمين. بقي الآن حكم الساحر، كذلك اختلف العلماء في حكم الساحر. فالقول الأول هو قول الجمهور: أنه كافر، أنه كافر. واستدلوا على كفر الساحر بالآية المتقدمة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، يعلمون الناس السحر. ولأن السحر ناقض من نواقض الإسلام، كما قرر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "نواقض الإسلام"، قال رحمه الله تعالى: "من نواقض الإسلام السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر". قال: "والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾". فلا تكفر، فلخطورة السحر وفساد الساحر، فلا شك أن هذا الفعل يعد كفراً وناقضاً من نواقض الإسلام، لا سيما كما تقدم إذا كان هذا الساحر يستخدم الشياطين، فإنه لا محالة يوقعونه في الكفر، يوقعونه في الكفر ويأمرونه بالكفر، فإذا لم ينقد لهم فلا يتركونه، بل لربما قتلوه، ولربما آذوه. ولذلك فإن القول بكفر الساحر هو الأقرب لأدلة القرآن الكريم، وكذلك السنة، وكذلك سيأتي معنا أن حكم الساحر القتل، كما سيأتي في الآثار الكثيرة الواردة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما سيأتي معنا إن شاء الله. وبعد قراءتنا لكلام المؤلف رحمه الله تعالى، بقي أيضاً مسألة أخرى تتعلق بالسحر، وهي مسألة تأثير السحر: هل السحر له تأثير؟ لا شك ولا ريب، وهذا هو قول أهل السنة: أن السحر له تأثير حقيقي على بدن الإنسان وعقله. لماذا؟ لأن الواقع يشهد بذلك، الواقع يشهد بذلك، مع ما ورد من أدلة في كتاب الله. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. هل التفريق بين المرء وزوجه أليس هذا أثر وتأثير لهذا السحر؟ نعم، فالسحر له حقيقة وله تأثير على المسحور، فقد يفرق بين الزوجين، وله تأثير كذلك في إيلام الجسد، فقد يتألم الإنسان، بل قد يصاب بالمرض، قد يصاب بالسرطان، قد يصاب بتلف الكبد، قد يصاب بآلام المثانة، قد يصاب بآلام الرأس، قد يصاب بل بالموت. وكم من ساحر عند قبضه وعند اكتشافه اعترف أنه قتل فلاناً وفلاناً وفلاناً بسحره. بل قد كذلك يؤثر على عقل هذا المسحور، فيصير هذا المسحور كالمجنون، أو يصير هذا المسحور قد فقد الذاكرة بسبب هذا السحر. فلا شك أن من السحر ما له حقيقة وتأثير على بدن الإنسان وعلى عقله. والمعتزلة لسوء معتقدهم ولتقديمهم العقل على النقل أنكروا حقيقة السحر، أنكروا حقيقة السحر، ويرد عليهم بأدلة الكتاب والسنة. وأما السنة فما جاء في سحر النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم سحر، سحره رجل يقال له لبيد بن أعصم، سحره في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذي أروان، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وما يفعله. فهذا يدل على أن السحر له حقيقة، مع التنبيه على أن سحر النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان في أهله وليس له أثر في الرسالة. قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: "ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سحر، قال: لكنه لم يؤثر عليه شيئاً في أمور الرسالة، في أمور الرسالة، وإنما كان فيما يتعلق بينه وبين أهله، كما هو في الصحيحين"، يشير إلى الحديث المتقدم في سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نعم، هناك نوع آخر من أنواع السحر يقال له السحر التخييلي، فهو تأثيره وهم على نظر العين. ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى في قصة سحرة فرعون: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، يخيل، فهذا قد يوجد إلى زماننا هذا. بعض الناس اليوم مثلاً يأتي بحركات سريعة، يوهم بحركاته الناس أنه يفعل أشياء يعني خارقة وأشياء عجيبة، فهذا من هذا النوع: السحر التخيلي، السحر التخيلي، وهو أن يعني يوهم المشاهد بأشياء ليست لها حقيقة، ليست لها حقيقة، بل هي وهمية، لعلم ما أو لحركات سريعة أو نحو ذلك. فهذا أيضاً النوع محرم لا يجوز، لماذا؟ لأن فيه خطر على الدين وعلى العقيدة، ولأن فيه ضرر كذلك، فحرمه كذلك أهل العلم. فالشاهد أن السحر له تأثير حقيقي على بدن الإنسان وعقله، والأدلة الشرعية قد دلت على ذلك. ثم ذكر المؤلف تحت هذا الباب حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس...» إلى آخر الحديث. الشاهد من هذا الحديث أن السحر من الكبائر التي تهلك صاحبها، التي تهلك صاحبها، وقد قرنه صلى الله عليه وسلم بالشرك. والصحيح أن هذا العطف إنما هو من عطف الخاص على العام، فالسحر من الشرك كما تقدم معنا، لأن فيه استخدام الشياطين، من الاستنجاد بهم والاستغاثة بهم، ومن كذلك الاستجابة لأمرهم، وقد يكون الشياطين يأمرون بالكفر والشرك والعياذ بالله. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا» هذا أبلغ من قوله: «اتركوا»، لأن الاجتناب معناه أن تكون في جانب وهي في جانب آخر، وهذا يستلزم البعد عنها، يستلزم البعد عنها. ولذلك ينبغي للمسلم أن يحذر من السحر وأن يبتعد عنه، وأن لا يقرب منه ولا من أهله. فلذلك كما تقدم معنا من كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى أن فاعل السحر وأن طالب السحر كلاهما في الحكم سواء، كلاهما في الحكم سواء، وإن لم يكن ساحراً. فمن ذهب عند ساحر ليطلب السحر بأن يسحر هذا الساحر فلاناً أو فلاناً بصرف، عطف، أو بسحر عطف أو صرف، أو أذى، أو نحو ذلك، فحكمه حكم الساحر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا»، قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها السحر، فاجتنبوا كل سبب يؤدي إلى فعل السحر، يؤدي إلى فعل السحر. فلا يجوز للمسلم أن يتعاون مع السحرة ومع أهل السحرة بأي وجه من الوجوه، لا أن يأخذهم بسيارته، ولا أن يعينهم في بيت أو في مال أو نحو ذلك. فإذا فعل هذا فهو مشارك لهم في هذا الذنب الكبير، وفي هذه الموبقة من الموبقات. ولذلك ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب ليستدل به على وجوب البعد عن السحر والسحرة، عن السحر والسحرة. بل الواجب على المسلم أن يحارب السحرة، وأن كذلك يبلغ عنهم إذا اكتشفهم أو إذا علم بحالهم، فهذا من باب التعاون على البر والتقوى. وفي هذا الحديث قدم النبي صلى الله عليه وسلم الشرك لأنه من أعظم الموبقات، الشرك من أظلم الظلم، ومن أكبر الكبائر، ومن أبشع البوائق، فلذلك قدم في هذا الحديث وفي غيرها من الأدلة الشرعية. وكما تقدم عطف السحر على الشرك، هذا من باب عطف الخاص على العام. وعرفنا الشاهد من إيراد هذا الحديث أن السحر من الكبائر التي قد تصل بصاحبها إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى، كما تقدم معنا في حكم الساحر. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر