المحاضرة بعنوان من صفات الأسرة المسلمة، وكانت بمسجد الخير بالخزان - الشحر ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد الخطيب أن صلاح المجتمع مرهون بصلاح الأسر، وأن الاستقرار الأسري أساس لاستقامة الدين والعبادة. ويحث على اختيار الزوجة والزوج الصالحين ذوي الدين والخلق، مستدلاً بالأحاديث النبوية، محذراً من تقديم المال والجمال والنسب على الدين في الزواج لما يؤديه ذلك من فساد في الأرض.
يبيّن المقطع أن الغاية الأسمى من تكوين الأسرة في الإسلام ليست قضاء الشهوة فحسب، بل تربية أفرادها على العقيدة الصحيحة والخلق الفاضل والاستقامة على دين الله. وتجب أن تقوم العلاقة الزوجية على المودة والرحمة والدعاء والبركة منذ أول ليلة، مع التعاون على طاعة الله وإقامة الصلاة، محذراً من قطيعة الرحم التي تُعد من أعظم أسباب الفساد.
يشدد المقطع على وجوب صلة الأرحام وتحذير من يقطعهم بقطيعة الله، ويؤكد مسؤولية الأب كراعٍ لأهله في تربيتهم على العقيدة الصحيحة والاستقامة والسنة. ويحذر من الغش في الرعية بإهمال التربية والتوجيه، مطالباً الولي بأن يكون قدوة حسنة بالأفعال لا بالأقوال فقط.
يوجه المتحدث إلى الاعتدال في تربية الأبناء بالسماح بالمباح من الترفيه وتجنب البيئات الفاسدة، ويؤكد عناية الشريعة بالأسرة منذ الحمل بالإنفاق والإرضاع والتسمية الحسنة. كما يبين أهمية التسمية الحسنة والعقيقة كسنن نبوية، وضرورة تربية الأبناء على الصلاة والصيام منذ الصغر، محذراً من تفريط الآباء الذي يؤدي إلى عقوق الأبناء وفساد الأسرة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إنها لنعمة عظيمة أن يجلس المسلم في بيت من بيوت الله يستمع إلى الذكر ويستمع إلى الخير، فإن المسلم ينتفع بهذه المجالس انتفاعاً عظيماً، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالمؤمن ينتفع بمثل هذه المجالس لأنه بشر ينسى ويغفل ويسهو، فيحتاج إلى من يذكره، ويحتاج إلى من ينبهه، ولا يكون ذلك إلا في مثل هذه المجالس. وعليك أخي المسلم أن تستشعر الأجر والفضائل الجليلة العظيمة فيمن جلس في مجالس الذكر وفي مجالس العلم. يقول عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة في مسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قيل: وما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر». فسماها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رياض الجنة. فعليك أخي المسلم أن تحافظ على مثل هذه المجالس، ما هي إلا لحظات يسيرة تجلسها في بيت الله فتنال هذه الأجور العظيمة. ففي مجالس العلم تتعرف على الحلال من الحرام، في مجالس العلم تتعرف على السنة من البدعة، في مجالس العلم يزداد إيمانك لأنها مواضع نزول السكينة، ونزول السكينة من أعظم أسباب زيادة الإيمان. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾. فكما هو معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. فنعمة عظيمة أن يوفق المسلم إلى مثل هذه المجالس. وكما سمعتم عن موضوع هذه المحاضرة، وأنها عن صفات الأسرة المسلمة، هذا الموضوع أيها المسلمون موضوع مهم جداً، موضوع مهم جداً لأن الأسر من المجتمع كالقلب من الجسد، فكما أنه إذا صلح القلب صلح سائر الجسد، وإذا فسد القلب فسد سائر الجسد، فكذلك إذا صلحت الأسر صلح سائر البلد، وإذا فسدت الأسر فسدت سائر البلد. فالكلام والتذكير بأمر الأسرة المسلمة وصفات الأسرة المسلمة وما ينبغي أن تكون عليه الأسرة المسلمة موضوع مهم جداً؛ لأنه يتعلق باستقرار الإنسان، يتعلق باستقرار الإنسان، فالإنسان إذا استقر قلبه وإذا استقرت حياته استقام دينه، استقام دينه واستقامت عبادته، فخشع في صلاته ونشط في صيامه واطمأن في مهنته وعمله، فيكون مطمئن البال، لأن الوقت الذي يقضيه بين أسرته وقت مليء بالخير وبالراحة وبالرحمة وبالود وبالسكينة وبالسكن. فهذه المعاني لا شك أنها من أعظم أسباب استقرار هذا الإنسان، ومن أعظم كذلك أسباب سعادة هذا الإنسان. أيها المسلمون، عباد الله، إن موضوع الكلام على الأسرة المسلمة يهم كل إنسان، يهم الشاب والشابة، يهم الزوج والزوجة، يهم الولد والبنت، يهم الصغير والكبير، يهم الذكر والأنثى، وباختصار أن الكلام على هذا الموضوع يهم المجتمع كله، يهم المجتمع كله. هذا المجتمع عبارة عن مجموعة من الأسر، عبارة عن مجموعة من الأسر، فيتكون هذا المجتمع، فبصلاح الأسر يصلح المجتمع، وبفساد الأسر يفسد المجتمع، وهذا أمر لا ينكر، ولا كذلك يعني ماذا، ولا يبعد عن خاطر كثير من الناس. ولذلك لما كان صلاح الأسر تابعاً... كان صلاح المجتمع تابعاً لصلاح الأسر، وترابط المجتمع ناتجاً عن ترابط الأسر، اهتم الإسلام بأمر تكوين هذه الأسرة، بأمر تكوين هذه الأسرة قبل نشأتها، وذلك بالزواج الإسلامي، وذلك بالزواج الإسلامي. فحث ديننا الحكيم، ديننا العظيم، على أن يختار القادم على الزواج الزوجة الصالحة، الزوجة المتدينة، الزوجة ذات الخلق. حث الإسلام على ذلك، لماذا؟ حتى تتكون أسرة طيبة صالحة مباركة. فحث الإسلام من أول مبدأ تكوين هذه الأسر على أن يختار المسلم لحياته الأسرية زوجة صالحة، زوجة صالحة، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ول نسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك». أي اختر، وكذلك يعني لتكن زوجتك ذات الدين، ذات الدين، أن تكون زوجة متدينة، زوجة صالحة، لأن الجمال بغير دين لا خير فيه، وهكذا المال بغير دين لا خير فيه، وهكذا الحسب والنسب بغير دين لا خير فيه، فمن حرم الدين فلا خير فيه، من حرم الدين فلا خير فيه. فهذا يدلنا عباد الله على اهتمام الإسلام بتكوين الأسرة المسلمة. وهكذا في المقابل، حتى شرعنا الحكيم على أن الأولياء، وعلى أن المرأة تختار الزوج الصالح، ذات الدين والخلق، كما جاء عند الترمذي وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». هذا حث لأولياء الأمور أن يختاروا لبناتهم ذات الدين وذات الخلق، وأن لا يجعلوا البنات كالسلع التي تعرض في الأسواق، من يعطي أكثر مالاً تعطى له هذه البنت، ومن لم يكن عنده مال كثير لا تعطى له هذه البنت. ليس هذا هو المعيار الشرعي. إن الذي رغب فيه الشرع الحكيم أن تختار يا عبد الله لابنتك الزوج الصالح، ذات الدين وذات الخلق، كما سمعت في الحديث: «إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». لا يكون الإصلاح في المجتمع بأن يزوج ذات المال أو ذات النسب وهو بعيد عن دين الله، وهو بعيد عن شرع الله، وهو بعيد عن الاستقامة. فإذا فعل الأولياء ذلك كان الفساد في الأرض، كان الفساد في الأرض، إلا تفعلوا تكن فتنة وفساد عريض. ذلك الفساد يوم تزوج هذه البنت على مفسد من المفسدين، وعلى كذلك ظالم من الظالمين، فتنشأ هذه الأسرة على الفساد، وعلى الرذيلة، وعلى البعد عن دين الله سبحانه وتعالى. فهذا يدلنا عباد الله على أن تكوين الأسرة ليس مجرد قضاء شهوة، وليس مجرد الاستمتاع فحسب، فهذا شيء من تكوين هذه الأسرة، ولكن المقصد الأسمى والأعلى من تكوين الأسر أن تتربى هذه الأسر على الفضيلة، أن تتربى هذه الأسر على الصلاح، أن تتربى هذه الأسر على العقيدة الصحيحة، أن تتربى هذه الأسر على الأخلاق الفاضلة، أن تتربى هذه الأسر على الاستقامة على دين الله سبحانه وتعالى. هذا الذي حث عليه الشرع، لأنه كما سمعتم بصلاح الأسر صلاح المجتمعات أجمع، لأن هذه المجتمعات إنما هي عبارة عن مجموعة أسر، وأول ما تتكون منه الأسرة ومبدأ نشأة هذه الأسرة الزوج والزوجة. فمن أعظم صفات الأسرة المسلمة أن يكون بينها من التراحم، وأن يكون بينها من المودة، وأن يكون بينها من العطف الصادق المنضبط بدين الله سبحانه وتعالى. فهذا أمر مهم جداً في الأسر المسلمة، وقد ذكر ربنا ذلك في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. لا تكفي المودة وحدها، ولا تكفي الرحمة وحدها بين الزوجين، بل لا بد من اجتماع الأمرين: المودة التي فيها من العطف الصادق، والتي فيها من السكن، يسكن الزوج إلى زوجته، وتسكن الزوجة إلى زوجها. وهذا أمر فطري جبل الله سبحانه وتعالى عليه الخلائق، ألا وهو الميل إلى الرجل إلى المرأة، والمرأة إلى الرجل. وهكذا ينبغي أن تسود هذه المودة والرحمة، فيتراحم الزوجان، فيكون من الترابط، ويكون من التعاون بين الزوج والزوجة، فيكون هذا الترابط، ويكون هذا التعاون عوناً لهم على تربية الأبناء، وعلى المشاركة في بناء المجتمع، بناءً يعني بناءً طيباً قائماً على الصلاح والإصلاح، على الصلاح وعلى الإصلاح. وهكذا مما تبنى عليه ومن صفات الأسرة المسلمة أن تقوم هذه العلاقة الأسرية على طاعة الله سبحانه وتعالى من أول نشأتها ومن مبدأ أمرها. ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما عند البخاري في خلق أفعال العباد، وهكذا عند الترمذي وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا تزوج امرأة أو إذا اشترى خادماً أخذ بناصيتها، أو قال: «فليأخذ أحدكم بناصيتها، وليسم الله، وليدع بالبركة، ثم ليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه». لتعلم أن الحياة الزوجية ليست مجرد قضاء شهوة فحسب، أو مجرد استمتاع فحسب، بل ليبين لك ذلك أن هذه الأسرة ينبغي أن تقوم من مبدأ أمرها ومن أول نشأتها على الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، وعلى طلب البركة من الله عز وجل، وعلى كذلك إصلاح هذه الزوجة وبيئة دعاء ببيئة البركة. فهذه المعاني تدلنا على أنه ينبغي للأسر أن تقوم على هذا الأمر العظيم، ألا وهو الدعاء والالتجاء إلى الله عز وجل بصلاح الأسرة والذرية. وهكذا جاء عن السلف كعبد الله بن مسعود وغيره، أنهم كانوا إذا دخلوا على زوجاتهم في أول ليلة من ليالي عرسهم وقبل البناء كانوا يصلون ويأمرون الزوجة أن تصلي معهم، كما ذكر ذلك العلامة الألباني في كتابه الممتع «آداب الزفاف». ليدل كذلك على أنه ينبغي أن يكون مبدأ هذا الزواج ويستمر على هذا الأمر أيضاً في طيلة هذه العلاقة وهذه الحياة الزوجية، أن تقوم على طاعة الله، أن تقوم على إقامة الصلاة. فكان من السنة أن يصلي الزوج وأن يجعل زوجته تصلي معه قبل أن يفعل شيئاً، وقبل أن يباشر أهله، ليدلنا ذلك على أن هذا الأمر من أعظم ما تؤسس به الأسر، ومن أعظم ما تقوم به الأسر، ألا وهو عبادة الله سبحانه وتعالى. ولذلك ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقيم الصلاة وأن يأمر أهله بها. هذا الذي تقام به الأسر، وهذا الذي تؤسس به الأسر، وهذا الذي ينبغي أن يكون من صفات الأسرة المسلمة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلْتَّقْوَىٰ﴾. فكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حريصاً على أن يوقظ أهله للصلاة، سواء أكانت صلاة آخر الليل أو غيرها من الصلوات. ولذلك جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين: «إذا دخلت العشر أحيا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليله، وأيقظ أهله، وشد مئزره». انظروا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو قدوتنا عليه الصلاة والسلام، يريد لأهله هذه الفضيلة، يريد لأهله أن ينالوا هذه البركة وهذه النفحات التي تقع في تلك الليالي الفاضلة، الليالي العشر، فكان يقوم من الليل ويوقظ أهله حتى يشاركوه في هذا الخير، حتى يشاركوه في هذا الخير. فهكذا ينبغي أن تؤسس الأسر، وأن تقام الأسر على التعاون على طاعة الله، التعاون على إقامة الصلاة. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، ثم أيقظ أهله، ثم أيقظ أهله، فإن لم يقم... أو ثم أيقظ زوجته، فإن لم تقم نضح عليها بالماء، نضح عليها بالماء. ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي فأيقظت زوجها، فإن لم يقم نضحت عليه بالماء». هكذا ينبغي أن تؤسس الأسر على التعاون على الخير، التعاون على طاعة الله سبحانه وتعالى. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام يطرق باب علي وفاطمة رضي الله تعالى عنهما ليلاً فيقول لهما: «ألا تصلون، ألا تصلون» يحثهما على هذه العبادة العظيمة. انظروا إلى أسر الصحابة رضي الله تعالى عنهم كيف كانوا يحيون... يحيون أوقاتهم وبيوتهم بطاعة الله عز وجل، منهم من يجزئ ويقسم الليل هو وأهله، نعم يقسمه هو وأهله، كل واحد منهم يأخذ حظه ويأخذ نصيبه من قيام الليل، من قيام الليل. هكذا ينبغي أن تكون بيوت أهل الإسلام، وهكذا ينبغي أن تكون أسر أهل الإسلام. وهكذا مما ينبغي أن تكون عليه أسر أهل الإسلام، وهي من الصفات العظيمة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلمون، الترابط بين أفراد الأسر، الترابط بين أفراد الأسر، حتى تكون هذه الأسرة أسرة واحدة مترابطة، فلا ينبغي أن يكون بين الأسر من القطيعة، ومن الشحناء، ومن البغضاء. فقد حذر شرعنا الحكيم من هذا الأمر العظيم؛ لأن فيه فساد للمجتمع. إذا صار أهل الأسر في تقاطع، وفي عداوات، وفي بغضاء وشحناء، فإن هذا من أعظم أسباب انتشار الفساد والشر في المجتمعات. ولذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾. فتقطيع الأرحام من أعظم أسباب الفساد في الأرض، من أعظم أسباب الفساد في الأرض. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. فقال الله سبحانه وتعالى لها: «أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟» أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ فإذا تقاطع الأرحام، وتقاطعت الأسر، ذاك يقطع أباه وأمه، وهذا يقطع أخاه وعمه، وذاك يقطع كذلك خالته وخاله، وإلى غير ذلكم، فإن الله سبحانه وتعالى يقطع هؤلاء. ومن قطعه الله، ومن تخلى الله سبحانه وتعالى عنه، فمن له ينصره، ومن له يؤيده، ومن له يرحمه؟ فهذا أمر خطير أيها المسلمون، عباد الله. فينبغي أن تحرص الأسر على الترابط، وعلى المحبة، وعلى المودة فيما بينهم. ولتكن يا من سمعت آيات الله وسمعت أحاديث رسولك صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لتكن أنت القدوة، أنت القدوة الحسنة، لتكن أنت الذي تقضي على هذه الأمور، على هذه المخاصمات والعداوات، وإن جهل عليك، وإن أساء إليك، فإن الله ينصرك، وإن الله يؤيدك. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي أرحاماً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن كنت كما تقول فكأنما تسفهم المل... يعني كأنما تلقمهم الرماد الحار». ثم قال: «ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك، ما دمت على ذلك». فهكذا من أعظم ما ينبغي أن تتصف به الأسر الترابط، وكذلك التزاور فيما بينهم، هذا الذي ينبغي أن يحرص عليه أهل الإسلام. وهكذا مما ينبغي أن يكون من صفات الأسر المسلمة: التربية الحسنة، التربية الحسنة للزوجة، التربية الحسنة للأولاد، التربية الحسنة للبنات. فهذا من أعظم الأمور التي تقوى بها الأسر وتصلح بها الأسر: أن تتربى الأسر على العقيدة الصحيحة، أن تتربى الأسر على الاستقامة، أن تتربى الأسر على الطاعة، أن تتربى الأسر على حب العلم، على حب القرآن، على حب السنة، على حب أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، أن تتربى الأسر على مراقبة الله عز وجل والخوف من الله سبحانه وتعالى، أن تتربى الأسر على المراقبة لله سبحانه وتعالى وحده، أن تتربى الأسر على التقوى، وعلى كذلك تعظيم شرع الله، تعظيم شرع الله سبحانه وتعالى، أن تتربى الأسر على تعظيم السنة، وعلى العمل بالسنة. هذه معاني ينبغي أن تكون عليها، أن تكون عليها أسر أهل الإسلام. وإن الأب، وإن الزوجة... هو المكلف بهذه المهمة العظيمة، بهذه المهمة العظيمة، لأنه قوام على المرأة، ولأنه راعي في بيته، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عبد الله بن عمر، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راعٍ في بيته ومسؤول عن رعيته، ومسؤول... فالرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته». فأنت أخي الأب، يا من ولاك الله سبحانه وتعالى أمر هذه الأسرة، أنت مسؤول عن هذه الرعية بين يدي الله سبحانه وتعالى. فهل أعددت لهذا السؤال جواباً إذا سألك ربك سبحانه وتعالى: أضيعت هذه الرعية أم حفظتها؟ أقمت بحق هذه الرعية أم ضيعتها؟ أربيت هذه الرعية أم أهملتها؟ أحفظت هذه الرعية أم ضيعتها؟ كيف سيكون جوابك؟ كيف سيكون جوابك؟ فالأمر خطير أيها الأولياء، فينبغي للأب أن يكون حازماً، أن يكون كذلك مربياً حكيماً، يسوس من ولاه الله سبحانه وتعالى أمرهم، تارة بالترغيب، وتارة بالترهيب، تارة بالكلمة الطيبة، وتارة كذلك بالهدية، وتارة كذلك بغيرها من الترغيبات التي بها يسوس الولي رعيته، يسوس الولي رعيته. وهكذا الولي إن لم يقم بحق هذه الرعية، فإنه قد جاء الوعيد الشديد فيمن فرط في رعاية وفي تربية أهل بيته، ومن ولاهم الله سبحانه وتعالى أمرهم. جاء في الصحيحين من حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا لم يجد رائحة الجنة». كيف تكون غاشاً لرعيتك أيها الولي؟ يفسر ذلك الرواية الأخرى التي جاءت أيضاً في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية، ثم لم يحطها بنصحه، إلا لم يجد رائحة الجنة». فالمراد بالغش في هذا الحديث: الغش في عدم تربية هؤلاء الرعية، في عدم توجيههم التوجيه الحسن، في عدم نصيحتهم، في عدم توجيههم إلى بيوت الله، إلى حلقات العلم، إلى حلقات الذكر. فهذا أمر خطير أيها المسلمون. ليس الغش أن تضع لهم في الأكل والشرب السم، أو أن تأتي لهم برديء الطعام فحسب، لا، بل الغش للرعية أن تهمل هذه الرعية، وأن تترك هذه الرعية هملاً، تفعل ما تشاء، وتذهب حيث تشاء، وهكذا لا تخلص لهم في النصيحة. فهذا أمر عظيم أيها الأولياء. فينبغي لولي الأمر أن يقوم بهذا الواجب العظيم، وأن يكون قدوة في نفسه، فإن التأثر بالأفعال أعظم من التأثر بالأقوال. احذر أن تقول لولدك أو لزوجتك: لا تنظر إلى التلفاز، وأنت تنظر إليه، أو تقول لولدك: لا تكذب، وأنت تكذب، أو تقول لولدك: لا تذهب إلى المقهى، أو لا تذهب إلى مكان الاختلاط، وأنت ممن يذهب إلى هذه الأماكن. لا تنهى عن خلق وتأتي مثله، عار عليك إذا فعلت، عظيم، عظيم. فينبغي عليك أخي ولي الأمر، ولي الأمر، أن تكون قدوة في نفسك، فإن الأولاد يتأثرون بالأفعال أعظم من تأثرهم بالأقوال. فهذا أمر مهم جداً به تؤسس الأسر، وهو من أعظم ما ينبغي أن يكون من صفات الأسرة المسلمة، من صفات الأسرة المسلمة. انظر الآن إلى كثير من الأسر، كيف تركوا أولادهم للشوارع، تركوا أولادهم لأماكن الفجور والفساد، تركوا أولادهم في الاستراحات، وفي كذلك المقاهي، وهكذا في الضياع، في مجالس القات، وفي مجالس اللواط، وفي مجالس الفساد، وكأن لم يكن له ولي. انظروا إلى كثير من أبناء المسلمين وهم يعني بعيدون عن طاعة الله، ربما يؤذن المؤذن للصلاة وهم في كرة القدم في الملاعب، أو هم في الشوارع، أو هم في كذا وكذا من الملهيات، ومن كذلك المغريات التي تصرفهم عن طاعة الله. أين أولياء أمور هؤلاء؟ إنهم في بعد عن التربية، وفي بعد عن كذلك توجيه هؤلاء الأبناء. فسيسألون عن هذه الرعية يوم القيامة، وسيوقفون أمام الله سبحانه وتعالى: كيف ضيعوا هذه الرعية؟ فهكذا من أعظم ما تؤسس به الأسر: التربية الحسنة. وهكذا من صفات الأسرة المسلمة كما تقدم: أن يسوس الولي أمر هذه الأسرة، لا يشد عليهم في أمر فيه سعة، ولا كذلك يتساهل معهم في أمر محرم، في أمر محرم مخالف لدين الله سبحانه وتعالى. لأن هناك بعض الناس يقول: أنتم ربما تشددون على الناس. نقول له: كيف تفسر لنا التشديد؟ كيف تفسر لنا التشدد؟ أمر فيه سعة، وفيه كذلك يعني عدم مخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى، لا بأس بذلك. ولدك يريد أن يتنزه، يذهب نزهة إلى شاطئ البحر، لا بأس إذا لم يكن هناك اختلاط، أو يكون هناك أغاني. ولدك يريد أن يذهب استراحة بعيدة عن هذه المفاسد، لا بأس بذلك، ما في هناك غناء، ولا مسرحيات، ولا تمثيليات، ولا اختلاط رجال بنساء. أما هذه الاستراحات التي فيها من الأغاني، وفيها من الاختلاط، هذا من الفساد، وهذا يتربى النشأ على الفساد، وعلى العلاقات المحرمة، العلاقات المحرمة بين الشباب والشابات، وعلى كذلك النظر إلى النساء الكاشفات، وإلى غير ذلك. ولدك يريد أن يعني يلعب مثلاً بعض الرياضات التي ما فيها كشف العورات، وما فيها كذلك ضياع للصلوات، فهذا لا بأس به. المهم أن تسوس أهل بيتك مسايسة شرعية. أما أمر فيه يعني فيه مخالفة لدين الله، فيه كذلك أمر حرمه الله سبحانه وتعالى، فهذا لا يتساهل فيه. لا تقول: أنا ما أريد أولادي أن يذهبوا إلى الجيران من أجل أن ينظروا إلى المسلسلات، أو أن ينظروا إلى الأفلام، أنا سآتي لهم بدش في بيتي حتى ما يذهبوا. لا، لأن هذا الجهاز فيه شر كبير، وفيه فساد عريض. ولذلك العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله ذكر في شرحه، أو في بعض فتاويه، أن من أدخل الدش إلى أهل بيته فهو غاش لهم، ويدخل في عموم الحديث المتقدم، حديث معقل بن يسار، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لهم، إلا لم يجد رائحة الجنة». لماذا؟ لأن هذا من الغش للرعية، أن تدخل لهم الفساد إلى بيتك، أن ينظروا إلى النساء الكاشفات العاريات، أن يسمعوا إلى الأغاني المحرمة التي يصحبها... تصحبها الموسيقى، أن ينظروا كذلك إلى الكافرات والفاجرات والفاسقات. هذا من الأمور التي تفسد الذرية وتفسد الأسر. فلذلك ينبغي عليك أن تعتدل في أمرك، من غير إفراط ومن غير تفريط، لأنك لو شددت على أولادك في أمر فيه سعة، ربما سبب ذلك انفلات لهؤلاء الأولاد، ووصفوك بالتشدد، ووصفوك كذلك بأمور أخرى. فعليك يا أخي المسلم أن تعتدل في أمرك، وأن تسوس أمر أسرتك، وأن تحكم في ذلك الشرع، أن تحكم في ذلك دين الله سبحانه وتعالى. والصفات كثيرة من صفات الأسر المسلمة، وقد أخذت وقتاً طويلاً، وفي هذه المحاضرة يشاركنا أخونا الفاضل أبو خالد، حفظه الله تعالى، وليد مقرم، فليتفضل مشكوراً مأجوراً، وجزاكم الله خيراً. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فجزى الله خيراً أخانا الفاضل أبا معاذ على هذه الكلمات النافعات، ونصائح الغاليات، وما تطرق إليه من شعَل صفات الأسرة المسلمة التي ينبغي أن تكون عليها. وقد سمعنا خيراً كثيراً، فجزاه الله خيراً. وكما سمعتم في كلمة أخينا أبي معاذ حفظه الله، أن الشرع قد اهتم بشأن الأسر قبل وجودها وقبل نشأتها، قد اهتم بها. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمر باختيار ذات الدين، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «فاظفر بذات الدين، تربت يداك». هذا الذي ينبغي عليه أن يكون المسلم، لا يحرص على الجمال، ولا يحرص على المال، ولا يحرص على النسب كما يحرص على الدين. وقد ذكروا أن اليهود يحرصون على المال في زواجهم، والنصارى يحرصون على الجمال، والعرب كانوا يحرصون في زواجهم على النسب. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي ينبغي أن يحرص عليه: الحرص على الدين. «فاظفر بذات الدين، تربت يداك». وهذا بالأسف الشديد لا يوجد إلا عند من رحم الله. أكثر الناس اليوم يسأل عن الجمال: ابنة من؟ جميلة؟ ومن معهم فلوس؟ أموال؟ وما هو نسبه؟ الدين ربما لا يسأل عنه إلا في آخر أمره. وساروا على عادات سيئة تخالف الشرع: من كان من آل البيت لا يتزوج إلا من آل البيت، فلا يزوج من كان من آل البيت ابنته لغير آل البيت، ولو كان أتقى الناس، وربما يزوجها لإنسان ضعيف الخلق والدين، عادة يسار عليها. والنبي عليه الصلاة والسلام زوج ابنته رقية وأم كلثوم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، زوجه أولاً رقية، ثم توفيت، ثم أم كلثوم، حتى سمي بذي النورين. وعثمان بن عفان ليس من آل البيت. هذا أفضل الخلق صلى الله عليه وآله وسلم. أما اليوم فهذا من المستحيلات أن يزوج أحد من آل البيت ابنته لغير آل البيت. لماذا؟ لأن العبرة بالدين، إنما هي في آخر المطاف، وفي آخر الأمر يقدمون الحسب والنسب. وهكذا عسكري لا يتزوج إلا عند العسكري: هل هو من العسكر؟ أو ليس من العسكر؟ طبقات، يصنفون الناس طبقات: هذا من آل البيت، وهذا عسكري، أو يتزوج عن عسكري، عسكري ما عسكرية، نعم حضاري ما حضارية. ينظرون إلى هذه العادات، ما يقولون: كيف دينه؟ كيف خلقه؟ وقد سمعتم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، بغض النظر عن نسبه، بغض النظر عن الأمور الأخرى، صاحب دين، صاحب خلق، فزوجه. وما يدلنا على اهتمام الشرع بشان الأسرة قبل وجودها، أن أمر الله جل وعلا بالإنفاق على الجنين وهو في بطن أمه، لأن هذا الجنين سيكون أحد أفراد الأسرة، فأوجب الله جل وعلا الإنفاق على هذا الجنين وهو في بطن أمه: ﴿وَإِن كُنتُمْ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. إذن أمر الله جل وعلا بالإنفاق على الجنين وهو في بطن أمه، أحد أفراد الأسرة. وإذا ولد أمر جل وعلا بإرضاعه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، أوجب الله جل وعلا هذا إرضاع هذا... هذا الولد أحد أفراد الأسرة، لأن هذا له أثر بعد ذلك على الأسرة التي ستمشي. ليس هذا لا دخل له، لا، من البدايات كل هذا له دخل في تكوين الأسرة الصالحة المسلمة. وبقدر التفريط في ذلك يحصل الخلل في الأسرة بعد ذلك. لكن إذا مشت الأسرة من بداية أمرها على أمر الشرع، والتزمت ما جاء في الشرع، كان ذلك من أعظم أسباب نشأة هذه الأسرة على الخير والصلاح. وهكذا أوجب على المولود له رزق هذه المرأة وكسوة هذه المرأة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وهكذا ما يدلنا على اهتمام الشرع بشأن الأسرة: حين يخرج أحد أفراد الأسرة، حس الشرع على تسميته التسمية الحسنة. لماذا؟ لأنه أثر على تنشئة الأسرة فيما بعد. حتى الاسم له أثر على الشخص، هذا... هذا هو قابل ومقبل على أن يكون في أسرة، الاسم الذي يحمله له أثر على الأسرة. إذا كان الاسم حسناً، له الأثر الحسن على هذه الأسرة. إذا كان يحمله اسماً سيئاً، كان له الأثر على هذه الأسرة. ولكن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الأسماء: عبد الله، وعبد الرحمن. وغير النبي صلى الله عليه وسلم أسماء: كان رجل يسمى عبد الحجر، فقال: «أنت عبد الله». وغير اسم رجل اسمه شهاب إلى هشام. غير النبي صلى الله عليه وسلم أسماء: برة إلى زينب، إلى غير ذلك. وهكذا اليوم، نزل الله العافية والسلامة، بعض الأسر حصل عندهم التفريط والتقصير في هذا في بداية الأمر. كيف نتطلع إلى أسر صالحة، لبنات صالحة، تخرج لنا الأبطال، تخرج لنا الدعاة، تخرج لنا العلماء، وقد فرطت في أول أمرها حتى في تسميتها؟ فهذا يسمي شيرين، وهذا يسمي شريهان، وهذا يسمي ديانا، وهذا يسمي زوزو، وهذا يسمي فيفي، والآخر ميمي، ما بقي إلا كيكي وخيخي، إلى آخر ذلك. هكذا، نعم، هذا هذا حاصل في بعض بلاد أهل الإسلام. من أين هذه التسميات؟ ليست عربية. وهذا يسمي... يسمي ولدك لينيد، أو فلاديمير، سبحان الله! ما في سعة في أسماء أهل الإسلام؟ أين أسماء الأنبياء؟ أين أسماء الصحابة؟ أين أسماء الصحابيات؟ ضاع عنك، ما وجدت إلا هذه الأسماء؟ سبحان الله! وما حث عليه الشرع كذلك لأجل تكوين الأسرة المسلمة، والحقيقة في الحق في إسلامها، أن أمر بالعقيقة، أمر بالعقيقة: أن يعق عن الغلام شاتان، أن يعق عن الغلام شاتان، والأنثى والجارية شاة واحدة. اهتمام من الشرع، وهذا له أثر في تنشئة الأسر. بعض الناس يفرط اليوم، هو عنده... عنده مال، يولد له فلا يعق. والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث سمرة رضي الله تعالى عنه عند أحمد وأبي داود وغيرهما، قال عليه الصلاة والسلام: «كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه، ويسمى». وتجد التسمية قبل السابع، فقد سمى النبي سلم ابنه إبراهيم في أول يوم، قال عليه الصلاة والسلام: «ولد لي الليلة مولود، أسميته إبراهيم». الأمر في السعة: إن سميته في أول يوم، في اليوم السابع، لكن احرص على هذه الآداب، وهذه السنة لها الآثار في تنشئة الأسر. العقيقة، كذلك التسمية الحسنة. ولذلك أيضاً حتى ذكر الشرع أمر الحضانة، وأمر الكفالة، وكل ذلك له أثر. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ وَهُمْ لَكُمْ نَاصِحُونَ﴾. ينظر إذا كان هناك من البيوت من ينتفع بحضانتهم. النبي عليه الصلاة والسلام ذهب به إلى بني بكر يرضع من هؤلاء، كانوا يذهبون بأبنائهم إلى الأعراب لأجل ماذا؟ لأجل أن يكتسبوا... الرضاعة لها أثر على تقويم هذا الشخص. وهذا مما يدلنا على اهتمام الشرع بأمر الأسرة وبأمر تنشئتها. وهكذا كذلك مما يدلنا على اهتمام الشرع بأمر الأسر: أن يذكر العبد ربه جل وعلا حين يأتي أهله، حين يأتي أهله يدعو، يقول: «بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا». إذا أراد أن يجامع أهله، لأن هذا له أثر. هذا الدعاء له أثر. كم من الناس من يشكو عقوق أبنائه له، فرب بسبب تقصيره ضيع في الحقوق، ضيع حق هذا... ما أتى بهذا الدعاء، كان له الأثر على ابنه، بتضييع الحقوق يكون العقوق، بتضييع الحقوق يكون العقوق. فإذا ضيع الآباء الحقوق حصل العقوق، لأنك أنت ضيعت يا عبد الله. فهذه أمور مهمة، لا يجب أن ينتبه... لا يقال: هذه أمور سهلة، لا، هذه أمور عظيمة، ما أرشد إليها النبي عليه الصلاة والسلام إلا ولها الأثر العظيم في شان الأسر، في صلاحها وتقويمها. فلذلك أرشد النبي سلم بالإتيان بهذا الدعاء حال الجماع. من صفات الأسرة المسلمة أنها تكون أسرة متمسكة بتعاليم الشرع، تعلم أولادها الصلاة لسبع، تضربهم عليها لعشر، تفرق بينهم في المضاجع، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عبد الله بن عمر: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». آداء لها... آداء على هذه الأسر. وكثير من الناس من فرط في مثل هذا الأمر. تعويد الأبناء الصيام، في البخاري عن أم معوذ رضي الله تعالى عنها، قالت: كنا نصوم صبياننا، نصنع لهم العهن من القطن، يلعبون بها، يله