الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 73، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يحذر الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد من الإجهاد الفكري المتمثل في إخراج الفكرة قبل نضوجها مشبهاً إياه بالولادة المبكرة المحرمة. وينبه إلى مخاطر الاستعجال في التأليف والتصنيف أو التصدر للخطابة والتدريس قبل توفر الأهلية العلمية معتبراً ذلك من العجلة المذمومة.
ينبه الشيخ العثيمين إلى خطورة التعجل في تبني أقوال تخالف جمهور العلماء أو الأدلة الصحيحة طلباً للشهرة. ويحذر طالب العلم من نشر الفوائد الغريبة عبر وسائل التواصل دون تحقق من صحتها لأن الغرابة غالباً دليل ضعف أو شذوذ.
يحذر المقطع من تتبع الآراء الغريبة والشاذة لأنها تجر إلى الكذب وينصح بالتأني في مخالفة جمهور أهل العلم. ويبين أن التعجل في طلب الشهرة يؤدي إلى حرمان الاستمرار في طريق العلم ويسميه العلامة العثيمين الإجهاض الفكري.
يسأل المتحدث الله أن ينفعه بعلم العلماء ويرزقه العلم النافع المتبع بالعمل الصالح. ثم يختم بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في «حلية طالب العلم» في الفصل السابع والأخير من فصول هذه الحلية المباركة، الذي يتعلق به المحاذير التي ينبغي على طالب العلم أن يحذرها وأن يجتنبها. قال رحمه الله تعالى: قال في الأدب الثاني والستين: «الإجهاد الفكري». الإجهاد الفكري، والإجهاد هو أن الإنسان يتعجل الشيء قبل أوانه، قبل أوانه، كإجهاد الذي تتعرض له بعض النساء عند الحمل، الحمل لم يكمل بعده، فممكن ماذا؟ يشق عن البطن ويستخرج الجنين قبل أوانه، وهذا حرام لا يجوز. الإجهاد لكن الإجهاد الذي بين أيدينا هو إجهاد للأفكار للعلوم، أن الإنسان يتعجل الشيء قبل أوانه. قال رحمه الله تعالى: «احذر الإجهاد الفكري بإخراج الفكرة قبل نضوجها، قبل نضوجها». وهذا بمعنى ما مضى ذكره في الاستعجال بالتأليف والتصنيف قبل أن يتأهل، وهكذا أيضا أن يتصدر قبل أن يكون عنده من الأهلية التي تؤهله إلى أن يتصدر، إما للخطابة وإما للتدريس وإما لغيرها من الأمور، فهذا كله من العجلة المذمومة، هذا كله من العجلة المذمومة. وقد نبه العلامة العثيمين رحمه الله تعالى على هذا الأمر، فذكر رحمه الله تعالى قال: «هذا بمعنى ما سبق، وهو أن لا تتعجل في إخراج شيء تريد إخراجه، لا سيما إذا كان مخالفا لقول أكثر العلماء أو مخالفا لما تقتضيه الأدلة الأخرى الصحيحة». قال: «لأن بعض الناس يمشي مع بنيات الطريق، يحاول ماذا؟ يحاول يخالف، من أجل ماذا يخالف؟ من أجل يعرف، وكما قيل: خالف تعرف، خالف تعرف، فيخالف قول الجماهير من العلماء، يأتي بقول غريب، وقد يكون شاذا، لكي يقال: فلان عنده من العلم ما ليس عند الآخرين، ما ليس عند الآخرين». قال: «لأن بعض الناس يمشي مع بنيات الطريق»، قال: «فتجده إذا مر بحديث ولو كان ضعيفا شاذا أخذ به، ثم قام يتكلم به في الناس»، قال: «فيظن أو فيظن الناس هذا أنه أدرك من العلم ما لم يدركه غيره». قال رحمه الله تعالى: «فنقول: الذي بينك وبين الله». قال: «فنقول: الذي بينك وبين الله، إذا رأيت حديثا يدل على حكم تعارضه الأحاديث الصحيحة التي هي عماد الأمة، والتي تلقتها الأمة بالقبول، فلا تتعجل». هذا يا إخوان أمر يحتاجه طالب العلم، قد يقرأ فائدة عبر الجوال على مواقع التواصل، ويفرح بغرابتها، شيء غريب أول مرة يسمعه، فيذهب وينشره في المجموعات من غير أن يتحقق من صحته، فيتناقله الناس في المجموعات. والغريب يا إخوان غالبا يكون ماذا؟ الغريب غالبا يكون مرغوب فيه، لكن كما ذكر السلف: «من تتبع الغريب كذب»، يجره إلى الوقوع في الكذب، فيقال: تمهل، واحتفظ بهذه المعلومة إذا كانت غريبة وليست موافقة للأدلة الصريحة في القرآن، وهكذا أيضا في السنة، أو أنها مخالفة لكلام الجماهير من أهل العلم، الجماهير من أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: «فلا تتعجل». قال: «وكذلك إذا رأيته يدل على حكم يخالف الجمهور فلا تتعجل». ومخالفة أقوال الجمهور يا إخوان شيء يصيب طالب العلم، بل العالم، بشيء من الرهبة. ليس معنى هذا أن قول الجمهور دائما صحيح، لا، لكن غالبا صحيح، غالبا هو الصحيح، وقد يكون الحق مع من خالفهم، مع من خالفهم، لكن كما سبق: مخالفة الجماهير من أهل العلم هذا من الأمور التي ينبغي ألا يتساهل فيها طالب العلم. قال: «لكن إذا تبين لك الحق فلا بد من القول به». قال: «وهذا سماه المصنف الإجهاض الفكري». قال: «يعني كأنها امرأة وضعت حملها قبل أن يتم، قبل أن يتم». ومن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فكم من إنسان تعجل الشهرة والتصدر والترعص في المجالس، فكانت النتيجة أنه حرم الاستمرار في طريق العلم، وفي طلب العلم، ونشر العلم. فهذا كلام جميل تمم به العلامة العثيمين رحمه الله تعالى ما كان ذكره العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى. فأسأل المولى عز وجل أن ينفعنا بعلومهم، وأن يرزقنا العلم النافع الذي يتبعه العمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.