الدرس في كتاب المنثورات والملح 11، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يروي المقطع حديث الرجل الذي تصدق على سارق وزانية وغني فقبل الله صدقته لحسن نيته، مبيناً فضيلة صدقة السر والرضا بقضاء الله. ثم يشرع في ذكر حديث الشفاعة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم حيث يلجأ الناس إلى الأنبياء بدءاً بآدم عليه السلام.
يبيّن المقطع أن سجود الملائكة لآدم كان سجود تحية لا عبادة، وكان جائزاً في الشرائع السابقة ومحرّماً في شريعتنا، ويرجّح أن جنة آدم هي جنة الخلد. ثم يستعرض بداية حديث الشفاعة حيث يفرّ الناس من آدم إلى نوح ثم إلى إبراهيم يوم القيامة.
يصف المقطع كيف يلجأ الناس يوم القيامة إلى الأنبياء بدءاً من آدم فيعتذر كل منهم لخوفه من غضب الله أو لذنب ارتكبه، حتى يصلوا إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم ولأمته، مبيناً فضله وشرفه على سائر الأنبياء. ويوضح أن هذا التسلسل يبرز مقام المحمود الذي وعده الله به، كما يشير إلى دعاء الوسيلة بعد الأذان ومعناها الصحيح.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء بالخير والمغفرة والعفو من الله، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويذكر أن الترجمة قامت بها نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب المنثورات والملح من رياض الصالحين، ونحن في سياق الحديث حول أحاديث ذكرها في بياني فتنة الدجال وأشراط الساعة وغيرها، قال رحمه الله تعالى: قال رحمه الله تعالى: قال، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال رجل: لا أتصدق بصدقة. قال: فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق. فقال: اللهم لك الحمد، لا أتصدقن بصدقة» -أي بصدقة أخرى- «قال: فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية. فقال: اللهم لك الحمد على زانية، على زانية». قال: «فقال: اللهم لك الحمد على زانية» -أي متعجبًا- «لأتصدقن بصدقة» -أي أخرى- «قال: فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، قال: فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني. فقال: اللهم لك الحمد على سارق، وعلى زانية، وعلى غني. قال: قال فأتي» -أي في المنام- «أي في المنام، قال: فأتي، فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما آتاه الله». رواه البخاري بلفظه، ومسلم بمعنى. وهذا يا إخوان فيه بيان لفضيلة صدقة السر: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. وهكذا في حديث أبي هريرة في السبع الأصناف الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» -ما تنفق يمينه-. وكذلك أيضًا في هذا الحديث: الرضا والتسليم، الرضا والتسليم بما قدره الله عز وجل. تظنون أنه يريد أن يتصدق على سارق، زانية، وغني، لكنه ماذا؟ لكنه وقع له ذلك فرضي وسلم، ولم يتضجر على قضاء الله وقدره. وهذا يا إخوان فيه بركة عظيمة، فيه بركة عظيمة. وهكذا أيضًا يستفاد من هذا الحديث أن الصدقة على نية صاحبها، فإن كانت نيته صالحة قبلت صدقته، ولو لم تقع في يدي من يستحقها، من يستحقها. قال رحمه الله تعالى: قال، وعنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوة» -أي في دعوة إلى طعام- «قال: فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، كانت تعجبه، أحب اللحم إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان الذراع، كان الذراع. قال: فنهس منها نهسة» -فنهس منها نهسة في معناها- «فنهش» -أي أنه أخذ بعض لحمها بأسنانه- «أخذ بعض لحمها بأسنانه. وقال» -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: «أنا سيد الناس يوم القيامة. هل تدرون مما ذاك؟ قال: يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي. قال: وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون. فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ قال: فيقول الناس... قال: فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم» -أي هو الذي سنذهب إليه ويشفع لنا إلى الله عز وجل- «قال: فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم. ويأتونه فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك». وسجود الملائكة لآدم يا إخوان، هل هو من سجود العبادة أم من سجود التحية؟ ورفع أبويه على العرش، وخروا له سجدًا. هذا السجود ماذا يسمى يا أبا عبد الله؟ سجود عبادة، تحية؟ أما سجود العبادة ففي جميع الشرائع لا يجوز، لكن في الشرائع التي كانت قبلنا سجود التحية كان مباحًا، كان مباحًا، ومنه سجود الملائكة لآدم، ومنه سجود الملائكة لآدم. أما في شريعتنا فلا يجوز، لا سجود تحية ولا سجود عبادة. ولهذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم التشهد كما علم الصحابة القرآن، سورة من القرآن: «التحيات لله». ومن معاني التحيات لله: أي لا ينحني المسلم تعظيمًا لأحد إلا لله عز وجل، إلا لله عز وجل. «قال: فسجدوا لك، وأسكنك الجنة» -أي جنة سكنها آدم يا أبا الحسن- «أي جنة، أهي جنة الخلد، جنة المأوى، أم الجنة بالمعنى اللغوي عبارة عن بستان ونحوه؟» نعم يا أبا مجاهد، أحسنت. الصحيح أنها جنة الخلد. والإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» -ما هي بلاد الأفراح يا بني؟ أظم الجنة- في بداية هذا الكتاب له بحث نفيس، وذكر فيه خلاف العلماء: أهي جنة الخلد أم جنة خلقها الله لآدم واستأن؟ وذكر الأقوال وأدلة كل قول، ورجح رحمه الله تعالى أنها جنة الخلد، جنة المأوى. «قال: وأدخلك الجنة، أو وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟» فقال: واسمعوا إلى ما قال يا إخوان، آدم في ذلك اليوم العصيب: «قال: فقال: إن ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. قال: وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت. قال: وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت. نفسي، نفسي، نفسي. اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح». قال: فيأتون نوحًا فيقولون: «يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض». وآدم ليس برسول، وإنما كما في حديث أبي أمامة ونحوه، في حديث أبي ذر: كان نبيًا، ونبي مكلم، أي كلمه الله عز وجل. وكلام العلماء كثير في التفريق بين النبي وبين الرسول، وبين الرسول. «قال: فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا. ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟» فيقول: «إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله». في ذلك اليوم يا إخوان، ما أحوج العبد إلى رحمة الله عز وجل، ما أحوجه إلى أن يعفو الله عنه، ما أحوجه إلى أن يغفر الله له، ما أحوجه إلى عمل صالح وحسنة كان قد جمعها في حياته الدنيا. «قال: فيقول... قال: ولن يغضب بعده مثله. وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي». ما هي دعوة نوح على قومه يا سالم؟ دعوة التوحيد؟ أعيد السؤال: نوح يقول: «وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على على قومي» -وليس لقومي- «ما هي دعوة نوح على قومه؟» نعم يا بل حسين، أحسنت. ما جاء في آخر سورة نوح: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا * رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ الآية. «قال: اذهبوا، أو قال: نفسي، نفسي، نفسي. اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم». قال: فيأتون إبراهيم فيقولون: «يا إبراهيم، أنت أول... أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟» فيقول لهم: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. إني كنت كذبت ثلاث كذبات. نفسي، نفسي، نفسي. اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى». قال: فيأتون موسى فيقولون: «يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟» فيقول: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. وإني قد قتلت نفسا لم أمر بقتلها. نفسي، نفسي، نفسي. اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى». قال: فيأتون عيسى فيقولون: «يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد. اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟» فيقول عيسى: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا، قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله». قال: ولم يذكر ذنبا، ولم يذكر أي عيسى ذنبا. «نفسي، نفسي، نفسي. اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم». قال: وفي رواية: «فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟» قال: «فأنطلق» -فأنطلق- «فآتي تحت العرش، قال: فأقع ساجدا لربي. قال: ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي. ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع. قال: فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب. فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب». ثم قال -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده، إنما بين المصرعين... والمصرعان هم ماذا؟ قوائم الباب. إنما بين المصرعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى». متفق عليه. قد يقول قائل: لماذا أهل الموقف؟ لماذا لا يذهبون مباشرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويختصرون الأمر؟ لماذا يذهبون إلى آدم فيعتذر، ثم نوح فيعتذر، فإبراهيم يعتذر، موسى يعتذر، عيسى يعتذر، محمد يتقدم؟ آه، عند من يا جماعة؟ نعم يا أبا حذيفة، أحسنت. المراد يا إخوان: بيان فضله عليه الصلاة والسلام وشرفه على غيره، حين أن يعتذر الأنبياء ويتأخرون، فيتقدم هو عليه الصلاة والسلام، ويكرم بهذه الشفاعة العظمى. وهذا هو المقام المحمود الذي وعده الله عز وجل: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، يحمده عليه الأولون والآخرون. ونحن في دعائنا عند أو بعد الأذان نقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا». والبعض يزيد: «آت سيدنا محمدا». وهذا لا يصح، لا يصح: «آت محمدا الوسيلة والفضيلة». والوسيلة كما أخبر عليه الصلاة والسلام: ما هي الوسيلة؟ ما هي الوسيلة يا أبا محمد؟ «آت محمدا الوسيلة». ما هي الوسيلة؟ نعم، منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد واحد من عباد الله. قال عليه الصلاة والسلام: «وأرجو أن أكون أنا هو، أنا هذا العبد الذي وعده الله بهذه المنزلة». «وابعثه المقام المحمود الذي وعدته». هذا هو المقام المحمود الذي وعده الله عز وجل. طيب، نكتفي بهذا، ونسأل المولى تبارك وتعالى أن يرحمنا، وأن يعفو عنا، وأن يتجاوز عن تقصيرنا وإساءتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر