الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 10، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن المحور كيف عالج ابن القيم اغترار العصاة بحسن الظن بالله مع إصرارهم على الذنوب والمظالم، مستدلاً بحديث عائشة في حرص النبي صلى الله عليه وسلم على توزيع الدنانير ومقارنته بحال الظلمة. ويؤكد أن حسن الظن الحقيقي ملازم لحسن العمل لا للأماني الباطلة، مستشهداً برد الله على أماني أهل الكتاب وقصة إبراهيم مع قومه.
يفنّد المحور شبهة من يصر على المعاصي معتمداً على سعة رحمة الله، مبيناً أن الرجاء الحقيقي مقرون بالتوبة والعمل الصالح والخوف من عدم القبول، بينما الرجاء الكاذب هو تعلق العصاة بالرحمة مع الإصرار على الذنب. ويستدل بالقرآن وأقوال السلف على أن الرجاء الصحيح يحث على المسارعة في الخيرات، أما المغتر فيورث الغرور ويؤدي للعقوبة.
يشرح المحور حديث من يُلقى في النار فيُسأل عن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر دون عمل به، معترفاً بأنه كان يأمر ولا يفعل وينهى ويفعل، مما يبرز خطورة عدم تطبيق العلم. كما يذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن عقوبة من غَلّ نمرةً فكساه الله درعاً من نار، تأكيداً على محاسبة العبد على عمله الدقيق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرّة معنا في الدرس الماضي، ضمن "الداء والدواء" للإمام أبي عبد الله ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى، الكلام حول ما اغترّ به أهل الاغترار على التمادي في الذنوب والاستمرار على المعاصي، والبعد عن التوبة إلى الله عز وجل والإنابة إليه. وابن القيم رحمه الله تعالى يعالج هذه الحالات التي ابتلي بها من ابتلي من الناس، ولا سيما أرباب المعاصي والمقيمون على الخطايا والسيئات. فتجد أحدهم يتعلق بهذه الأشياء، ويجعلها متكأً يتكئ عليه في المداومة، وهكذا في الاستمرار على المعاصي وعلى المحرمات. ولاحظوا كيف أن ابن القيم رحمه الله تعالى أطال النفس في هذا الفصل بالإكثار من الأمثلة، وهكذا الإكثار من الصور. وما ذاك إلا لأهمية هذا الباب. ولهذا سيأتي في آخر هذا الفصل -إن شاء الله عز وجل- ويعتذر عن الإطالة، ويبين أن سبب الإطالة هي الحاجة الماسة التي تدعو إلى هذا التطويل. قال رحمه الله تعالى: قال، وقد قال أبو أمامه ابن سهل ابن حنيف: دخلت أنا وعروة ابن الزبير على عائشة رضي الله عنها، فقالت: "يا عائشة، لو رأيتما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض له، وكانت عندي ستة دنانير أو سبعة". كم يساوي الدينار للجرامات؟ الدينار كم يعدل جراماً؟ كان العرب قديماً يتعاملون بهذه العملات بالدينار، ويكون ذهباً، وبيئة بيئة دراهم وهي فضة. فكم يزن الدينار؟ كم يزن الدينار من الجرامات يا أبا الحسن؟ أربع جرام وربع الجرام. أربع جرام وربع الجرام الدينار الواحد. قالت: "لو رأيتما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض له، وكانت عندي ستة دنانير أو سبعة". قالت: "فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أفرقها"، أن أفرقها يعني أقوم بتوزيعها على المحتاجين. قالت: "فشغلني وجعوا النبي صلى الله عليه وسلم"، أي أنها لم تفرقها انشغالها بمرضه. قالت: "حتى عافاه الله"، وهذا يدل على أن هذا المرض ليس بمرض موته عليه الصلاة والسلام، وإنما مرض آخر قبله. قالت: "حتى عافاه الله، ثم سألني عنها، فقال: ما فعلتي؟ أكنت فرقت الستة الدنانير؟" قلت: "لا والله، لقد كان شغلني وجعك". قالت: "فدعا بها فوضعها في كفه، فقال: ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده؟" قالت: "ثم أمر بها ففرقت". قال: "وفي لفظ: ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده؟". وهذا يا إخوان يؤكد ما سبق، أن الظن الحسن يدعو إلى ماذا؟ إلى العمل الحسن. وأن الظن السيء هو الذي يدعو إلى الأعمال السيئة. فلا يحتج أحد على فعله للمعاصي بأن ظنه حسن بالله عز وجل، فنقول: لو كان ظنك في الله حسناً لما عصيته، وإنما اجتهدت في الأعمال الحسنة، في الأعمال الحسنة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا الحديث كما ذكر، حديث أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها، أخرجه أحمد وابن حبان، وقد صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى معلقاً على الحديث السابق: قال: "فيا لله العجب، فيا لله العجب! ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه، ومظالم العباد عندهم؟ ومظالم العباد عندهم". يقول الرسول عنده ستة دنانير يخشى أن تموت وهي لا تزال عنده لم تفرق، فكيف بمن يموت من الظلمة، وهكذا من العصاة، ويلقى الله عز وجل بهذه المظالم وبهذه الكبائر؟ قال ربنا عز وجل: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. رسول عليه الصلاة والسلام كان يقول: "من كان عنده لأخيه مظلمة من مال أو عرض أو شيء، فليتحلل منها اليوم، قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات، إنما هي الحسنات والسيئات". قال ابن القيم: "فيا لله العجب، ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه، ومظالم العباد عندهم؟". قال: "فإن كان ينفعهم قولهم: حسنا ظنوننا بك، أي يا رب، بك، لم يعذب ظالم، لم يعذب ظالم ولا فاسق، فليصنع العبد ما شاء، وليرتكب كل ما نهاه الله عنه، وليحسن ظنه بالله، فإن النار لا تمسه على حسب ظنهم وزعمهم واغترارهم، واغترارهم. فإذا كان حسن الظن ينفع مع الاستمرار على المعاصي والإصرار على السيئات، وأن ذلك ينجي العبد من الإثم والنار، إذن لن يعاقب آثم، ولن يعاقب مجرم وظالم، إذا كان الأمر كذلك". قال: "فسبحان الله، ما يبلغ الغرور بالعبد! ما يبلغ الغرور بالعبد". قال رحمه الله تعالى: ومعنى ذلك يا إخوان أيضاً، أن هذه الأفهام الخاطئة التي يعيش بها بعض من يغتر بحسن الظن بالله عز وجل أو غيرها على فعل الذنوب والإصرار على المعاصي، هذا يترتب على... على ماذا؟ على نصوص الوعيد بالإبطال. أن الآيات والأحاديث التي فيها عقوبات لأصحاب المعاصي هذه لا داعي لها إذا كان الأمر كذلك، فتصبح ليس لها قيمة على فهم هؤلاء. وحاشا أن يكون الأمر كذلك، حاشا أن يكون الأمر كذلك. قال رحمه الله تعالى: وهنا يا إخوان سيركز ابن القيم رحمه الله تعالى على أمر هام، ألا وهو أن حسن الظن بالله عز وجل هو حسن العمل نفسه. كيف نعرف أن فلاناً حسن الظن بالله عز وجل، وأن فلاناً ظنه بالله عز وجل غير حسن؟ بالنظر إلى الأعمال. فمن كان حسن العمل فهو حسن الظن، ومن كان عمله غير ذلك فظنه كذلك أيضاً بالله عز وجل غير حسن. قال رحمه الله تعالى: قال، وقد قال إبراهيم لقومه: ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فما ظنكم برب العالمين؟ قال: أي، فما ظنكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم معه غيره، وقد عبدتم معه غيره. لاحظوا ظنهم حسن، ظنهم سيء بالله عز وجل، ولهذا عبدوا معه أصناماً وأوثاناً لا تنفع ولا تضر، لا تنفع ولا تضر. طيب، أبعد عبادتهم للأصنام، هل يظنون أن الله سيدخلهم الجنة وأنه ينجيهم من النار؟ الجواب: هذا ظن خاطئ، لأن فعلهم يعتبر من أقبح الذنوب وأشدها، وأشدها. وسبق معنا الإشارة إلى أن يعني إلى حال أهل الكتاب، كيف يعملون العمل السيء ويظنون أنهم يحسنون الأمر والتعامل مع الله عز وجل. اليهود قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات. طيب، وبعد الأيام المعدودات قالوا: أنتم تأتون مكاننا ونحن نخرج، أنتم تعذبون فيها ما تخرجون، وأنتم... قال: نحن نخرج إلى الجنة. وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات. فرد الله عليهم ذلك: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. لاحظ: إحسان العمل يدل على حسن الظن بالله عز وجل، فيكون الجزاء حسنا. بل أعظم من هذا، أهل الكتاب يقولون، وكما قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، من كان هوداً أو نصارى. من أين لكم هذا؟ من أين لكم هذا؟ الجنة فضل من الله عز وجل، ويعطيه من شاء، يعطيه من شاء. وهكذا قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، هذا ظن سيء. من أين لكم هذا أنكم أبناء لله عز وجل، وربنا لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يكن له شريك في الملك. إذن هذه دعاوى باطلة. وهكذا كونهم يدعون أنهم أحباب الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾. من أحسن منهم فله الحسنى، ومن أساء منهم فيجاز على إساءته، يجاز على إساءته. فماذا؟ فهؤلاء نماذج ظاهرة للمغترين بماذا؟ على فعل الذنوب والإصرار على الجرائم، ويدعون أن ظنهم حسن بالله عز وجل. وإلى يومنا هذا يا إخوان، وهم لا يزالون في غرور، يزعمون أنهم شعب الله المختار، وأنهم أعلى وأرفع من غيرهم، وأن لهم عند الله ما لهم من الكرامات، وهكذا أيضاً من الجزاء، ويحتقيرون غيرهم. ولهذا يا إخوان، ذكر أهل التاريخ أن اليهود خاصة لا يوجدون في مجتمع إلا ويعيشون منغلقين، ما يدخلون في الناس، يعيشون منغلقين على أنفسهم. لماذا؟ بسبب ما عندهم من الطباع الخبيثة. ولهذا قالوا: هذا سبب أن الديانة اليهودية لم تنتشر، الديانة اليهودية لم تنتشر لأن أهلها منغلقون على أنفسهم، ما يفرحون إذا دخل فيهم أحد. بخلاف النصارى، فالنصارى عندهم توسع، وعندهم أماني، وعندهم رغبة في نشر، في نشر دينهم وإدخال الناس فيه: عرب، عجم، فقراء، أغنياء، أشراف، أوضاع. فماذا يحاول أن يكسب الناس ويدخلوهم في دينهم؟ بل حركوا الجيوش من أوروبا وأمريكا لنشر النصرانية في أوساط الناس، في أوساط الناس. فأشهد من هذا أن قوم إبراهيم عبدوا الأصنام، وعبادتهم للأصنام دليل على سوء ظنهم بالله عز وجل. قال: أي، فما ظنكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم معه غيره، وقد عبدتم معه غيره؟ ليس هناك إلا النار، وبئس القرار. قال رحمه الله تعالى: قال، ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل، علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه. وهذه يا إخوان خلاصة ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى. قال: فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه، أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها منه. ولهذا يا إخوان، الإيمان باليوم الآخر هذا يدفع العبد إلى ماذا؟ الإيمان باليوم الآخر يا أبا عامر يدفع المسلم إلى ماذا؟ أحسنت، إلى الزيادة في الإيمان، وهكذا في الأعمال. لماذا تعمل؟ قال: لأن الله سيجازيني على العمل. وأما الذي يتمادى في الكفر، ويتمادى في الإجرام والظلم والعصيان، هذا يدل على ضعف الإيمان باليوم الآخر أو عدمه. ولهذا لما ذكر ربنا عز وجل المطففين، ماذا قال؟ ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يعني كيف يفعلون هذا وهم يعلمون أنهم سيقفون بين يدي الله عز وجل؟ لكن القوم قد يكون... قد يكون إيمانهم ضعيفاً، وقد يكون كفاراً من عديم الإيمان، أصل الإيمان غير موجود عندهم. قال رحمه الله تعالى: قال، فالذي حمله على العمل حسن الظن، فكلما حسن ظنه حسن عمله، حسن عمله. قال: وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز وخيال. ومما يقرب ذلك يا إخوان، حالة الاحتضار عند الموت. لاحظوا الفرق بين المؤمن والكافر، بين الصالح المحسن وبين الفاسد المجرم. هناك فرق يا إخوان. فالمؤمن الصالح هذا عند الموت، الملائكة تبشره، والملائكة تطمئنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا﴾، أي من المستقبل، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾، أي على الماضي، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآيات. ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه". تفسيرها ها هنا عند الموت: المؤمن يبشر فيرغب ويحب ما عند الله، وأن يقدم على الله عز وجل، حتى لو رأيناه يتصبب عرقاً أو يعاني شدة عند النزع، لكنه يحب أن يخرج من الدنيا فيلقى الله، فيجد ما بشر به عند الله عز وجل. طيب، نرجع إلى الكافر والمنافق ومن إليهما، فماذا عند الموت؟ لا يحب أحدهم لقاء الله عز وجل. لماذا؟ لأن الملائكة تبشره بماذا؟ بغضب الله عز وجل وعقاب الله تبارك وتعالى. فهنا يكره لقاء الله، هنا لا يريد الموت، لا يريد الموت. ولهذا قال تعالى عنهم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ الآيات. قال رحمه الله تعالى: قال، وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى، يعني يقول: أنا ظني حسن بالله عز وجل أن الله يدخلني الجنة ويرحمني ويغفر لي، وهو ماذا؟ متبع للهوى، مصر على الذنوب، متمادي في المعاصي. قال: هذا عجز وخيال. قال: كما في الترمذي والمسند من حديث شداد ابن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله، وتمنى على الله". و ماذا قوله: الكيس، ما هو الكيس يا إخوان؟ تبهوا، لا يقرأها أحد. الكيس من دان نفسه، وإنما الكيس... ما معنى الكيس؟ ما معنى الكيس يا أبا خالد؟ ما معنى الكيس؟ هذا كيس. ما معنى الكيس؟ نعم، نقول: فلان كيس، وفلان مغفل. ذا مغفل ما يحسب، سواء رصيد بألف يسجل بخمسمائة، يخسر، هذا مغفل، ما يصلح. لكن كيس يضبط الأمور ضبطاً. من هو الكيس؟ حاول، من هو الكيس؟ الطيب، لا بأس. نعم، الماهر. نعم، أحسنت، الفطن، النبيه، الذي يضع الأمور في مواضعها، الذي يحسب الأمر حساباً صحيحاً. الكيس من دان نفسه، أي حاسب نفسه في الدنيا قبل أن تحاسب يوم القيامة. قال: وعمل لما بعد الموت، وعمل لما بعد الموت. ماذا يعمل لما بعد الموت؟ ماذا يا سعيد يعمل لما بعد الموت؟ ماذا يعمل لما بعد الموت؟ تقرب، هنا الحساب يكون بعد الموت، لكن ماذا تعمل؟ الحساب أنت ما الذي ينفع بعد الموت؟ العمل، ماذا؟ العمل الصالح. أحسن، أحسنت، العمل الصالح. قال: وعمل لما بعد الموت، أي أعمال صالحة تكون سبباً لفوزه ونجاته. طيب، قال: والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله. والعجز يا إخوان بمعنى عدم القدر على فعل الشيء. من هو العاجز؟ قم افعل كذا، قال: ما أقدر، ما أستطيع، ما أعرف، هذا عاجز. ولهذا من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم قال: ماذا عليه الصلاة والسلام؟ "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، ولا تعجز". قال: والعاجز من أتبع نفسه هواها، إذن عمله سيء، وتمنى على الله، يعني أن الله يعطيه ويدخله إلى غير ذلك. وهذا الحديث يا إخوان، ماذا؟ لا يصح، فهو من طريق أبي بكر ابن أبي مريم، وهو ضعيف. أبو بكر ابن أبي مريم ضعيف، وقد ضعفه العلامة الألباني، وهكذا شيخنا الإمام الوادعي وغيرهما. لكن المعنى صحيح، المعنى صحيح، وسند الحديث لا يصح. قال رحمه الله تعالى: قال، وبالجملة، وهذه عبارات تتضمن التلخيص يا إخوان، والحاصل، وبالجملة، ونحوها، هذه تعملها ابن القيم وغيره في تلخيص ما سبق، تلخيص ما سبق. قال: وبالجملة، فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاح، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى، فلا يتأتى، أي لا يصح ولا يقع. قال: فلا يتأتى إحسان الظن. قال: فإن قيل... وقوله: "فإن قيل"، هنا سيورد شبهة، وهذه الشبهة يا إخوان ختم بها هذا الفصل الذي أطال فيه النفس كما سبق الإشارة إلى هذا. فختم هذا الفصل بهذه الشبهة، ثم يرد عليها ويبينها، ويبينها. وهذا يا إخوان من ماذا؟ من حسن التأليف والتصنيف، أن تذكر الشبه ويذكر الجواب عنها. ونحو هذا ما يذكره شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي في كتابه، ما اسم كتابه؟ في كتابه يا بهر، الذي يبين فيه شبه أهل الشرك والقبورية وغيرهم، ما اسم كتابه يا بسعيد؟ ما اسم كتابه؟ كشف الشبهات. للإمام أو العلامة الصنعاني اليماني رحمه الله تعالى، وهو معاصر لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، له كتاب نظير "كشف الشبهات" في باب ماذا؟ بيان أمر التوحيد، وذكر شبه القوم، ويرد على شبههم. ما اسم كتاب الصنعاني يا أبا طاهر؟ ما اسمه الذي هو مثل "كشف الشبهات" في بيان التوحيد والرد على شبهات المخالفين من المشركين والقبوريين وغيرهم؟ ما اسمه؟ كتاب العلامة محمد ابن إسماعيل ابن الأمير الصنعاني رحمه الله تعالى، وحقه أن يدرس يا إخوان، كتاب قيم جداً. ما اسمه يا أبا عبد الله؟ أحسنت: "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد". أدران يعني أوساخ ومخلفات الإلحاد. رسالة قيمة وكتاب نافع مختصر للعلامة الصنعاني اليماني رحمه الله تعالى. قال: فإن قيل: بل يتأتى ذلك، ويكون مستند حسن الظن سعة مغفرة الله ورحمته وعفوه وجوده، وأن رحمته تغلب غضبه وسبقت غضبه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وأنه لا تنفعه العقوبة، ولا يضره العفو، إلا سبحانه وتعالى. هذه شبهة يا إخوان، يأتي بعضهم فيقول: ماذا؟ إحسان الظن قد يوجد مع ممارسة الشخص لأسباب الهلاك من المعاصي والسيئات، ويكون اعتماد ذلك واستناده على سعة رحمة الله ومغفرته وعفوه وجوده، وأن رحمته سبقت غضبه، وأن الله عز وجل لا تنفعه أن يعاقب فلاناً وعلان، ما يفعل الله... ما يفعل الله بعذابكم؟ ماذا بعدها؟ ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾، وأنه لا يضره العفو. فهذه شبهة يتعلق بها بعض من... أماني، يصرون على الذنوب ويكثرون من السيئات، ويدعون أن ظنهم حسن بالله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: قال، قيل... جواب "فإن قيل" كذا، فيقال لهم: ماذا في جواب هذه الشبهة؟ قال: قيل، أي جواباً على تلك الشبهة، قيل: الأمر هكذا، الأمر هكذا. في بعض النسخ: الأمر كذلك. أي، كما تقولون: أن الله واسع المغفرة، ورحمته وسعت كل شيء، وأن رحمته غلبت غضبه وسبقت غضبه، وأنه لا تنفعه العقوبة، ولا يضره العفو. الأمر كما تقولون. قال: الأمر هكذا، والله فوق ذلك، أي أعظم مما تقولون، وأجل وأكرم وأجود وأرحم. ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به، اللائق به. قال: فإنه سبحانه موصوف بالحكمة، والحكمة من معانيها وضع الشيء في موضعه المناسب. قال: بالحكمة والعزة والانتقام، وشدة البطش والعذاب، وعقوبة من يستحق العقوبة. قال: فلو كان معول... ومعنى معول يعني: لو كان مستند واعتماد حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه، لاشترك في ذلك البر والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليه وعدوه. إذا كان الأمر على ما قلتم، فما هو الفرق بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والفاجر، والولي والعدو؟ لكن حكمته سبحانه وتعالى تقتضي أن البر يثاب، وأن الفاجر يعاقب، أن المؤمن يكرم، وأن الكافر يذل، أن الولي هو الذي يقرب، وأن العدو هو الذي يبعد. هكذا حكمة الله عز وجل. نعم تفضل. قال رحمه الله تعالى: قال، فما ينفع المجرم... فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته، وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرض للعنته، وانتهك محارمه وحرماته. بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم حسن الظن. قال: فهذا هو حسن الظن، والأول غرور، والله المستعان. قال رحمه الله تعالى: قال، ولا تستطل... قال: ولا تستطل هذا الفصل، فإن الحاجة إليه شديدة لكل أحد. ففرق بين حسن الظن بالله وبين الغرة به. وهذا ما سبق الإشارة إليه، أن ابن القيم أطال في هذا الفصل، ثم جعل يعتذر عن الإطالة، ويبين سبب الإطالة هو ماذا؟ هو أن الموضوع جدير بها، ويحتاج إلى هذا التطويل، لأن الحاجة إلى هذا الموضوع ماسة جداً، ماسة جداً. فما مر معنا من أمور وشبه وصور للاغترار وغيرها، هذه ترد على أذهان الكثير من الناس، ولا سيما من كان مبتلى بالذنوب والمعاصي، وأسرف على نفسه فيها. فماذا؟ فيأتي أحدهم ويعتذر عن استمراره في الذنوب وإصراره على المعاصي، أن ظنه حسن بالله، وأن قلبه... ماذا؟ وأن قلبه طاهر ونيته طيبة. يقال: لا، لو كانت النية طيبة لكان العمل أطيب، ولو كانت القلوب طاهرة لما تجرأت على التعدي على حرمات الله عز وجل. فكان مقتضى النصيحة لمن كان هذا حاله هو ماذا؟ الإطالة في ذكر الأمثلة. ولأهمية هذا الأمر يا إخوان، ابن القيم لا يزان... يحتفظ بأمثلة، سيأتي ويذكرها في موضع غير هذا الموضع من هذا الكتاب القيم "الداء والدواء". له اسم آخر يا إخوان، ما هو عندك يا أخي؟ نعم، عندك "الداء والدواء"، اسم لهذا الكتاب أيضاً له اسم آخر، ما هو؟ طيب، أحسنت. نعم يا أبا حنيفة، أأنت معنا؟ فما هو الاسم الآخر؟ أحسنت، الجواب: "الكافي"، أكمل لمن سأل عن الدواء الشافي. وهو بمعنى "الداء والدواء". فالداء يعني المرض، والدواء أي العلاج لهذا المرض. والمرض يا إخوان حسي أو معنوي، الذي ابن القيم شرع في علاجه: المرض حسي أو معنوي. المرض حسي أو معنوي يا أبا حديفة؟ معنوي، المرض معنوي. فما هو هذا المرض يا خان علي؟ المرض معنوي، نعم، أصاب أبو حديفة. فما هو هذا المرض؟ أحسنت، من عندك أو من عند أبي خالب؟ من عندك لا، بس طيب، أحسنت. إذن هو داء العشق والتعلق، تعلق القلب بالمعشوقات، سواء كان من النساء، أو كان من المردان والأحداث، أو كان غير ذلك، أو كان غير ذلك. ما الذي يدل على أنهم يرجون رحمة الله يا أبا الفاروق؟ ما الدليل على أنهم يرجون رحمة الله؟ أعمالهم. قال: أولئك يرجون رحمة الله، ما الدليل على أنهم يرجون رحمة الله؟ أعمالهم. يرجون رحمة الله، الدليل على أنهم يرجون رحمة الله ونيتهم حسنة وظنهم بالله حسن هو أعمالهم، هو أعمالهم. إيش أحسن؟ هذه أعمال سيئة أم حسنة؟ أعمال حسنة. فأعمالهم الحسنة دلت على أنهم يرجون رحمة الله. قال: فجعل هؤلاء أهل الرجاء الذين لا يليق الرجاء إلا بهم، لا البطالين والفاسقين. قال: وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال: فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها، إذا جاهد نفسه وصبر. قال رحمه الله تعالى في خاتمة هذا الفصل: قال، فالعالم يضع الرجاء مواضعه، والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه، يضعه في غير مواضعه. ومن يؤت الحكمة يا إخوان فقد أوتي خيراً كثيراً، كما قال ربنا عز وجل. قال رحمه الله تعالى: قال، فصل. وهذا الفصل الجديد سيذكر فيه ابن القيم رحمه الله تعالى أحاديث وآثار عن السلف، لماذا؟ لردع الجهال العصاة الذين سبق ذكرهم أنهم مغترون برحمة الله عز وجل، فيأتي بأحاديث وآثار... ماذا؟ تبين خطأهم وضرورة رجوعهم عن هذا الشيء. قال رحمه الله تعالى: فصل، وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيعوا أمره، وارتكبوا نهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين. ومن اعتمد على العفو مع الإصرار فهو كالمعاند، فهو كالمعاند. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وهم يعلمون. قال رحمه الله: قال معروف: "رجاءك لرحمتي من لا تطيعه من الخذلان والحمق". وصدق هذا الإمام الجليل في قوله وبيانه. قال: "رجاءك لرحمتي من لا تطيعه من الخذلان والحمق". ولله المثل الأعلى يا إخوان، حتى في باب البشر: إنسان يأمرك بأشياء فلا تطيعه، بل تفعل ما يغضبه وما يخالف أمره، ماذا تنتظر منه؟ أتنتظر منه الإكرام والعطاء، أم أنه سيمنعك عطاؤه وقد يعاقبك على مخالفته؟ ولله المثل الأعلى يا إخوان. فربنا تبارك وتعالى الحكيم. قال: وقال رجل للجنيد، أو صني، فقال: أي الجنيد، "توبة تحل الإصرار، وخوف يزيل الغرة، ورجاء مزعج إلى طريق الخيرات، ومراقبة الله في خواطر القلوب، في خواطر القلوب". وكلا الأثرين، وكلا الأثرين ذكره الإمام أبو نعيم رحمه الله تعالى في كتابه "حلية الأولياء". قال رحمه الله تعالى معلقاً: قال، وهذا من أحسن الكلام في هذا الباب، فإن كل... رحمه الله تعالى، فإن كل رجاء لا يحمل على سلوك طريق الخيرات فهو رجاء كاذب، وصاحبه في غرور. وكذلك باقي كلماته، والله أعلم. وقال بعض العلماء: من قطع عضواً منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم، لا تأمن أن تكون عقوبته لك في الآخرة على نحو ذلك. ويشير إلى حد السرقة، فتقطع يد السارق في ربع دينار فما فوق، ربع دينار فما فوق. وربع دينار ماذا يساوي؟ ثلاثة دراهم. قال: من قطع عضواً منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم، أي أمر بقطع اليد، وهو الله سبحانه وتعالى. قال: لا تأمن أن تكون عقوبته لك في الآخرة على نحو ذلك. وقيل للحسن، أي البصري، قالوا: قال، وقيل للحسن: نراك طويل الحزن، نراك طويل الحزن. وفي بعضها: طويل الأحزان، وفي بعض النسخ: طويل البكاء. فقال: "أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي". أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي. هذا الخوف يا إخوان الذي يثمر المسارعة في الخيرات، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾، أولئك يسارعون في الخيرات، أولئك يسارعون في الخيرات. سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها نبينا عليه الصلاة والسلام: منهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾، يعني يفعلون الأعمال الصالحة، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾، أهم الذين يسرقون ويزنون ويقتلون؟ قال: "لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون"، وذكر أعمالاً صالحة. قال: "ويرجون أو ماذا؟ ويخافون ألا تتقبل منهم". نحن اليوم يا إخوان، كثير مننا على خلاف ذلك، صلي الصلاة، وفي قلب بعضنا أنها مضمونة مقبولة. ولهذا تجده يشرد في ذهنه، صلي يفكر في العمل، يصلي يفكر في البيت، يصلي يفكر في كذا وكذا من الأمور، ونسي أنه أول ما دخل في الصلاة ماذا قال؟ أول ما دخل في الصلاة ماذا قال؟ الله أكبر. كيف الله أكبر؟ أي أن الله أجل وأعظم من كل شيء، وأنت الآن تقف بين يديه، كيف تنشغل بغيره؟ كيف يذهب قلبك ويفكر في غيره؟ فماذا؟ فهذا من الأمور المهمة جداً. وسأل رجل الحسن، أي البصري، فقال: يا أبا سعيد. كنيت الحسن البصري. قال: فقال: يا أبا سعيد. وهذا فيه يا إخوان احترام أهل العلم، لما يخاطب الشخص مع عالم من علماء الأمة أو غير ذلك، فماذا؟ فيتأدب في خطابه معه. قال: فقال: يا أبا سعيد. والعرب يا إخوان كانت تنادي البعض بالكنية، وهذا دليل على الإكرام: يا أبا فلان كذا وكذا. وأما حين أن ينادى بلقبه، وأحياناً باسمه، فقد يكون فيه شيء من التنقص. ولهذا قيل: أكنيه، أي أدعوه بكنيته، أكنيه حين أناديه لأكرمه، ولا ألقبه. بئس السوءة اللقب، بئس السوءة اللقب. قال: فقال: يا أبا سعيد، كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفون حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: فقال: "إنك... إنك والله لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى تدرك أمناً، خير لك من أن تصحب قوماً يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف". ولهذا ولهذا بعض الناس لربما ينفر إذا كان الحديث حول الموت، يقول: أنتم ما عندكم شيء للموت، بس لما يكون الحديث حول القبر وعذابه أو نعيمه، أو الجنة والنار وأهوال يوم القيامة، البعض ينفر. فالحسن البصري يقول: لأن تصحب أقواماً يخوفونك اليوم، يخوفونك حتى تدرك الأمن، خير لك من أن تصحب قوماً يؤمنونك في الدنيا، قال: حتى تلحقك المخاوف، يعني في الآخرة. قال: وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسامة ابن زيد، وهو ابن حارثة، وأسامة ابن زيد كان يلقب بحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه، أي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ويحب أباه حباً عظيماً. قال: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة، يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه". فتندلق، ومعنى تندلق يا إخوان: أي تخرج أقتاب بطنه، الأمعاء ونحوها من الأعضاء الداخلية في البطن، تخرج إلى خارج. قال: "فتندلق أقتاب بطنه، قال: فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه". قال: "فيطيف به أهل النار، فيقولون: يا فلان، ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟" انظر إلى أهمية العمل بالعلم. أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: "كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه". فهذا يا إخوان يدل على خطورة ماذا؟ على خطورة أن الشخص لا يعمل بعلمه، أن الشخص لا يعمل بما يعلم. وليس هذا في حق العلماء فقط، بل حين أن نسمع المواعظ والنصائح والأحكام الشرعية، فنحن مسؤولون عن ذلك، وعن علمه: ماذا عمل به؟ ماذا عمل به؟ قال: وذكر الإمام أحمد من حديث أبي رافع، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع، البقيع مكان يقع في المدينة، وفيه مقبرة أهل المدينة، مقبرة البقيع، ويسمى بقيع الغرقد، بقيع الغرقد. أحسنت. طيب، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع، فقال: "أف لك، أف لك". وفي بعضها: "أرى لك، أرى لك". قال: فظننت أنه يريدني، فقال: "لا، ولكن هذا قبر فلان، بعثته ساعيا على آل فلان، فغل نمرة". والنمرة، والنمرة يعني شملة مخططة، وماذا كانت العرب تتزر بها؟ كانت العرب تتزر بها. والمشهور في النمرة أنه يكون فيها سواد وبياض، سواد وبياض. وفي بعض النسخ: فغل تمره، بدلاً من نمرة. قال: فغل نمرة، فدرع الآن مثلها من نار، يعني ألبس درعاً من نار مثل هذه النمرة التي غلها. وهذا الحديث كما ذكر عند الإمام أحمد وغيره، وحسنه العلام الألباني رحمه الله تعالى. طيب، يأتي معنا تتمة هذا الفصل وما بعده إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.