الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 37، ألقاها
يناقش الإمام الصنعاني ادعاء الإجماع على جواز بناء القباب والتوجه إليها، ويبين اختلال هذا الادعاء. يشير إلى أن السكوت لا يدل على الإقرار دائمًا.
يتناول المقطع دلالة سكوت العلماء على الإقرار أو الإنكار، ويستدل بقصتين تاريخيتين لتوضيح أهمية فهم سياق السكوت. يُظهر ضرورة التمييز بين السكوت كإقرار أو كتأمل.
يناقش تحريم بناء القباب على القبور وخطورة زيارتها والتوسل بأصحابها، ويبين أن هذه الممارسات وسيلة إلى الشرك. يشير إلى دور الحكام في تشجيع هذه الممارسات.
ينهي النص بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ويؤكد على علو الله تعالى علمًا ومنزلة. يُظهر الختام التزامًا بالآداب الإسلامية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتاب تطهير الاعتقاد، وهو في صدد نقض ما ذُكر من إجماع على جواز بناء القباب والتوجه إليها بأنواعٍ من العبادات. قال رحمه الله تعالى: وكذا يُعلم اختلال قولهم في الاستدلال بفعل فلانٍ أو فعل فلانٌ كذا وسكت الباقون فكان إجماعًا. مختلٌ من جهتين: الأولى دعوى أن سكوت الباقين تقريرٌ لفعل فلان، لما عرفت من عدم دلالة السكوت على التقرير، كما تقدم معنا من أن العالم ربما يسكت عن الشيء -أي المنكر- لا لأنه مقر له، ولكن يكون لا يستطيع إنكار ذلك المنكر لا بيده ولا بلسانه، فيكون إنكاره بقلبه، فسكوته يكون سكوت إنكار لذلك المنكر لا سكوت إقرار. الثانية: قولهم فكان إجماعًا. قال: فإن الإجماع اتفاق مجتهدي أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، والساكت لا يُنسب إليه وفاقٌ ولا خلاف، أي لا يُقال لمن سكت بأنه وافق ولا أنه خالف حتى يُعرِب عنه لسانه. وهذا مبنيٌ كما تقدم معنا على التسليم بأنه ليس ثم منكرٌ لهذه القباب أبداً، والأمر ليس كذلك بحمد الله تبارك وتعالى. ما يمر زمان إلا ويجعل الله تبارك وتعالى من أهل الحق من يُنكرون المنكر بحسب طاقتهم واستطاعتهم. ففي الحقيقة أن ما ذُكر من إجماع منقوضٌ، منقوضٌ بما ثبت في أزمنةٍ متتابعة من إنكار الأئمة رحمهم الله تعالى على تلك المنكرات. قال رحمه الله تعالى: والساكت لا يُنسب إليه وفاقٌ ولا خلاف حتى يُعرِب عنه لسانه. قال بعض الملوك: وقد أثنى الحاضرون على شخصٍ من عماله وفيهم رجلٌ ساكت، قال: ما لك لا تقول كما يقولون؟ فقال: إن تكلمتُ خالفتُهم. وهذه القصة المشار إليها حصلت في زمن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه. معنى هذا: ذكروا أن عبيد الله بن زياد دخل على معاوية وكان من عمال معاوية، فأثنى عليه الحاضرون خيراً، والأحنف بن قيس كان حاضراً وكان ساكتاً، فقال له معاوية: ما تقول فيه يا أبا بحر؟ قال: إن قلتُ خالفتُهم. فعزل معاوية عبيد الله بن زياد، ثم بعد ثلاث سنين أتى القوم معاوية فاستشارهم بمن يؤمِّر عليهم، فقالوا -أو اختلفوا- هذا يقول فلان، وهذا يقول فلان، والأحنف ساكت. فقال: ما تقول يا أبا بحر؟ قال: إن خير من وليت من قومك عبيد الله بن زياد. فولاه معاوية. ثم دعا عبيد الله بن زياد فقال: ما أحوجك إلى هذا الرجل! بسكوته عزلك، وبسكوته ردك إلى الولاية. فقربه منه عبيد الله بن زياد وصار صاحب سره. الشاهد من هذا أن سكوت العالم عن شيء بحضرته لا يدل على إقراره لذلك الشيء، كما لا يدل على إنكاره. فلا يستطاع أن يقال: سكت، فإذا سكوته إقرار، أو سكت، إذا سكوته إنكار، إذ لا ينسب لساكت قول، إلا أن تدل قرينة على أن سكوته سكوت إقرار. وأظهر من ذلك ما ثبت في مصنف ابن أبي شيبة وغيره أن عبد الرحمن بن حاطب أتى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فأخبره أن امرأة ممن كان من جواريهم قد عُتقت وهي لا تعلم؛ لأنها كانت أعجمية، وأنها حبلى من الزنا. فاستشار عمر رضي الله عنه وأرضاه من حضره، وكان قد حضره في ذلك المجلس عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان. فدعا المرأة، فقال لها: أحبلى من الزنا؟ قالت: نعم. قالت: بديرها مين من فلان بن فلان. فتعجب عمر، فقال لعلي وعبد الرحمن وعثمان: ما تقولون فيها؟ وكانت ثيبا. فقال علي وعبد الرحمن: حدها الرجم. وعثمان ساكت. فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه لعثمان: ما تقول أنت يا عثمان؟ قال: قد قال أخواك ما سمعت. قال: أحرج عليه ما تقول يا عثمان؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنها تستهل -أي تستظهر بالزنا- إنها تستهل، وهذا لأنها لا تعلم حكم ذلك -أي أنها لا تعلم هذا الحكم- قال: ولا حد على جاهل بالحد. فقضى عمر رضي الله عنه وأرضاه بما ذكره له عثمان، وقال: لا حد على من لا علم له بالحد. الشاهد أن عثمان سكت لقول علي وابن عوف لا سكوت إقرار، ولكن كأنه يقول: هذه مسألة اجتهادية، وقال فيها من قال من العلماء، وهذا رأيهم، وأنا أسكت. لكن لما حرج عليه عمر ذكر رأيه، وكان معه صواب. هذا يدل على ما ذكره الإمام أصلاً، إذ لا ينسب إلى ساكت قول. قال رحمه الله تعالى: فما كل سكوت رضاً. فإن هذه منكرات أسسها من بيده السيف والسنان، ودماء العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه وقوله وكلمه. فكيف يقوى فرد من الأفراد على دفعه عما أراد أن يقول بأن هذا الأمر مما لا يستطاع إليه؟ لأن القائمين على القباب وعلى تشييدها وعلى تعميرها وعلى دعوة الناس إلى عبادتها هم السلاطين، ولا سيما الظلمة. فلو خالفهم إنسان عرض نفسه للتهلكة. فعدم إنكار العلماء وسكوتهم إنما خشية أن يبطش بهم أولئك الحكام الظلمة، فهو سكوت إنكار لا سكوت إقرار. قال: فإن هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد، غالب من يعمرها -بل كل من يعمرها- الملوك والسلاطين، إما على قريب لهم أو على من يحسنون الظن فيه من فاضل أو عالم. ويزورها الناس الذين يعرفونه زيارة الأموات -أي في أول الأمر- يزورونه زيارة الأموات، أي يدعون له، يدعون لذلك الميت بالمغفرة والرحمة، من دون توسل به ولا هتف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم. فيأتي من بعدهم فيجد قبراً قد شيد عليه البناء، وسرجت عليه الشموع، وفرش بالفراش الفاخر، فيعتقد أن ذلك لنفع أو دفع ضر. وتأتيه السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل -أي يذكرون له خوارق- أجاب من استغاثه، ودفع عن من استعاذ به، إلى غير ذلك. قال: وأنزل بفلان الضرر، وبفلان النفع، حتى يغرس في جبلته كل باطل. والأمر ما ثبت بالأحاديث النبوية من اللعن على من أسرج على القبور، وكتب عليها، وبنى عليها. وأحاديث ذلك واسعة معروفة. فإن ذلك في نفسه منهي عنه، ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة -أي هو منهي عنه لأنه محرم- نهى الشرع لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في حديث جابر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبر، أو يجاد عليه، أو يقصص». وجاء في رواية: «أو يكتب عليه». وهذه الرواية يحكم عليها -أو حكم عليها- شيخنا رحمه الله تعالى بالشذوذ، والعلامة الألباني رحمه الله تعالى يصححها. والحاصل أن هذا أن البناء على القبور وتشييدها، وكذلك زخرفتها، هي منهي عنها بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهي كذلك منهي عنها لأنها وسيلة إلى الشرك؛ لأنها وسيلة إلى الشرك، وكل وسيلة إلى الشرك فهي ماذا؟ فهي محرمة، وهي من الشرك الأصغر. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.