المحاضرة بعنوان لعلكم تتقون، والتي كانت ضمن دورة بين يدي رمضان بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الأربعاء 27 شعبان 1446هـ الموافق 26 فبراير 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين المقطع أن الحكمة من فرض الصيام هي تحقيق التقوى بوصفها اسمًا جامعًا للطاعة، ويوضح أن سرية الصيام تجعله مدرسة فريدة لترسيخ الإخلاص لله وحده بعيدًا عن الرياء. ويعود المسلم من خلال هذه العبادة على مراقبة الله في السر والعلن، مما ينعكس على سائر أعماله.
يوضح المقطع أن الصيام يربي المسلم على مراقبة الله عز وجل بوصفه عبادة سرية لا يطلع عليها سواه، فيتحقق به معنى الإحسان. كما يكسب الصائم ثلاثة أنواع من الصبر: على الطاعة، وعن المعصية، وعلى الأقدار المؤلمة، فيستحق رمضان لقب شهر الصبر.
يجمع المقطعان أن ثمرة الصيام الحقيقية هي تهذيب النفس بالتخلق بالحلم والعفو وترك قول الزور، وغرس العطف على الفقراء بمشاركة شعورهم بالجوع. كما يعمل الصيام كوقاية وجنة تضعف الشهوات المحرمة وتذل النفس للطاعة، فيكثر الخير في رمضان.
يختتم الدرس بنقل تحذير العلامة ابن عثيمين من تقديم المصالح الدنيوية على الغايات الروحية في سياق أحكام الصيام. ويبين أن ذكر الأمور الدنيوية جاء تابعًا وأخيرًا لقطع تعلق القلوب بالدنيا وتوجيهها نحو رضا الله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، كما سمعتم في عنوان هذا المجلس: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي هذا المجلس سيكون عن حكم الصيام. فربنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية بيّن لنا الحكمة من الصيام بلفظ موجز جامع، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالتقوى كما قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: اسم جامع لكل ما أمر الله سبحانه وتعالى به مما يحبه ويرضاه، وهكذا اسم جامع في كل ما نهى الله عز وجل عنه فيما يسخطه ويأباه. وهذا هو الدين: أن تؤمر بالأوامر، وأن تنهى عن النواهي. وهذه هي التقوى: أن تمتثل لأمر الله، وأن تجتنب ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه. فإذا اللفظ الجامع والكلمة المختصرة في حكم الصيام ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وتندرج تحت هذه اللفظة تفاصيل عدة، سيكون محور المحاضرة حول تلك الأعمال والخصال التي تندرج تحت ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وذكر حكم العبادات هذا له فوائد. فربنا سبحانه وتعالى ذكر حكم الصلاة، يعني فوائد الصلاة، وفوائد الزكاة، وفوائد الحج، وفوائد الصيام. فقال مثلا في الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، هذا من حكم الصلاة. وهكذا قال سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، فبين أن من حكم الصلاة تزكية النفس. وهكذا بيّن في كتابه الكريم حكم الزكاة، فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فبين أن من حكم الزكاة تطهير النفس وتزكيتها. وهكذا في الحج، بيّن ربنا سبحانه وتعالى الحكمة من حج بيته الحرام، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام، فذكر حكم العبادات. لا شك أن فيه فوائد كثيرة، من هذه الفوائد: الحث والتنشيط على هذه العبادات. فإذا علم المسلم ثمرة هذه العبادة والحكمة من مشروعية هذه العبادة، لا شك أن هذا الأمر يدفعه إلى أن يحرص وأن يجتهد في القيام بهذه العبادة، وأن يؤديها على أكمل وجه. وهكذا في الصيام، ذكر الله سبحانه وتعالى حكم الصيام حتى ننشط وحتى نحرص على أداء هذه العبادة كما يحب ربنا سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾، "لعل" هنا في حق الله عز وجل واجبة. "لعل" و"عسى" في حق الخالق سبحانه وتعالى واجبة، أي متحققة، لابد أن تقع ولابد أن توجد. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي التقوى حاصلة لمن أدى هذه الفريضة، وهي فريضة الصيام. فلعل وعسى ونحوهما من كلمات الترجي في حق الله عز وجل واجبة، أما في حق المخلوق فقد تقع وقد لا تقع. فإذن الحكمة من الصيام في هذه الكلمة الجامعة المختصرة: تقوى الله سبحانه وتعالى. وكما ذكرنا أن تحت هذه الكلمة تندرج أعمالا، وكذلك تندرج أعمال وخصال، هذه الأعمال والخصال سبب للحصول على التقوى. فمن أول تلك الأعمال والخصال التي هي من أعمال التقوى، والتي بها يتحصل الصائم على التقوى: الإخلاص لله عز وجل. الإخلاص. الصيام مدرسة، مدرسة لتعلم الإخلاص، وأن يكون العمل لله سبحانه وتعالى وحده. ولذلك جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». "من أجلي" يعني من أجل الله عز وجل. فلا شك أن الصيام لا يدخله الرياء، لأن الصائم لا يرى، ليس مثل الصلاة تكون في المسجد، تسجد، تركع، تحسن صلاتك، يراك الناس. أما الصائم فلا يعلمون به، أهو صائم أو لا؟ وهذا هو أحد التفاسير في قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «كل عمل ابن آدم له». يعني أن الصلاة قد يتحصل المصلي على شيء من حضوض نفسه، أو من حضوض الدنيا: كثناء حسن، أو كشهرة، أو كذلك من هذه الصلاة قد يتحصل على زوجة، يقال: ما شاء الله فلان عابد، فلان صالح، وهو يرائي بهذا العمل. أما الصائم، فمن يعلم أنه صائم؟ من يراه أنه صائم؟ فليس في الصيام حظ للنفس، ليس في الصيام حظ للنفس، لأنه من الأعمال التي تكون بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى. ولذلك فهو من أجل الله: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، من أجلي». وقد تدخل السمعة في الصيام، لكن إذا أخبر الصائم الناس بصومه، إذا تكلم بذلك. أما إذا لم يتكلم، لا يعلم الناس بصيامه، فهو أدعى وهو أقرب إلى الإخلاص. أما الذي يقول للناس: أنا صائم، فهذا لا شك أنه يسمى التسميع، ومن سمع سمع الله به. وهذا كحال رجل ذكر هذا بعض أهل العلم: كحال رجل كان يصلي في المسجد، يصلي في المسجد، فرأى ناسا حوله، فأحسن من صلاته، حسن من صلاته، صلى بخشوع وتطويل في الصلاة، ثم سلم، يعني حوله سلم، فقال الناس بعضهم لبعض: ما أحسن صلاة هذا! صلاته جميلة وحسنة. فالتفت إليهم وقال: أزيدكم أنني اليوم صائم، أزيدكم أنني اليوم ماذا؟ صائم. يعني سمع بنفسه، والناس ما كان يعلمون أنه صائم، لكن أراد الرياء والسمعة. شاهدون من هذا أن الصيام مدرسة لأن يتعلم المسلم الإخلاص، وأن تكون أعماله لله سبحانه وتعالى وحده، لا رياء فيها ولا سمعة. فإذن يعود المسلم نفسه على هذا الإخلاص في غيرها من الأعمال، في غيرها من الأعمال: يصلي من أجل الله، يزكي ويتصدق من أجل الله، يعطي ويمنع من أجل الله، لا يريد رياء ولا سمعة، ولا مالا، ولا حظا من حضوظ هذه الدنيا. فإذن الصيام مدرسة لتعلم الإخلاص الذي لا يقبل العمل إلا به. وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، فهذا فيه الأمر بالإخلاص في جميع العبادات، وفي جميع ما أمر الله سبحانه وتعالى به. وهكذا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم...» قال ربنا سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه، تركته وشركه». فإذن من حكم الصيام أن يتعلم المسلم الإخلاص لله سبحانه وتعالى وحده. وهكذا من خصال التقوى، ومن الأعمال التي يتحصل عليها الصائم من الصيام: تعلم المراقبة لله سبحانه وتعالى، وهو الإحسان في العمل، وهو من أعظم وأفضل أركان الدين، ركن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإنه يراك». فانظر إلى الصائم، الصائم لربما دخل بيته أو دخل غرفته، وقد شعر بالجوع والعطش، وأمامه الماء البارد، وأمامه الطعام الشهي، ومع هذا يترك هذا الطعام وهذا الشراب لأنه يراقب الله سبحانه وتعالى، يعلم أنه إذا لم يره أحد من الخلق فإن الله سبحانه وتعالى يراه، فإن الله سبحانه وتعالى يراه. مع أنه ترك هذا الطعام والشراب، وكان قبل الصيام حلال له، هذا الطعام والشراب حلال له، لكن ما الذي جعله يمتنع الآن عن الأكل والشرب؟ مراقبة الله سبحانه وتعالى، لأنه يعلم أنه إذا شرب أو إذا أكل فإن الله سبحانه وتعالى يعلم بذلك. لو أكل وشرب وخرج عند الناس، هل سيعرفون أنه مفطر؟ ما سيعلمون أنه مفطر. لماذا؟ لأنه كما تقدم، الصيام عبادة بين العبد وربه، لا يطلع عليها الناس، لا يطلع عليها الناس. فإذا من مدرسة الصيام نتعلم المراقبة لله سبحانه وتعالى. فإذا خلوت في غير رمضان، خلوت لم يرك إلا الله، ثم دعتك نفسك إلى رؤية ما يغضبه سبحانه وتعالى، فما الفرق بين أن تأكل وأنت صائم ولم يرك أحد، وبين أن تنظر إلى هذا الحرام ولم يرك أحد؟ لا هناك فرق، كل ذلك مما يغضب الله. الأكل والشرب في حال الصيام كبيرة من كبائر الذنوب، حرام لا يجوز. والنظر إلى النساء الكاسيات العاريات، والأفلام الهابطة، وكذلك الصور الماجنة، حرام وكبيرة، أو كذلك أمر عظيم حرمه الله سبحانه وتعالى. فإذا يعلمك الصيام مراقبة الله سبحانه، مراقبة الله سبحانه وتعالى على مدى الأعوام، على مدى الأعوام. ولا شك أن المراقبة من أعظم خصال التقوى، من أعظم خصال التقوى: مراقبة الله سبحانه وتعالى. فإذا الصيام مدرسة لمراقبة الله سبحانه وتعالى، وهذا مما يتعلمه الصائم في رمضان، مما يتعلمه الصائم في رمضان. وتعلمون ما جاء في كتاب الله من حث المسلم على مراقبة الله سبحانه وتعالى في السر والعلن. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في وصية لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾، أي يرسخ في قلبه عقيدة مراقبة الله سبحانه وتعالى. وسمعتم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل في معنى الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». إذن الصيام مدرسة لمراقبة الله سبحانه وتعالى. كذلك من خصال التقوى، ومن العبادات التي يتعلمها الصائم في الصيام: الصبر والتحمل والاحتساب. فالصيام قد اجتمل على أنواع الصبر الثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. ولذلك سمي شهر رمضان بشهر الصبر، بشهر الصبر، لأن المسلم يتعلم فيه الصبر. جاء عند البزار من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «صيام شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن الودر». صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وجاء أيضا في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «صيام شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر». الشاهد من هذين الحديثين: تسمية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لشهر رمضان بشهر الصبر. لماذا؟ لأن شهر رمضان فرض فيه الصيام: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. والصيام يعلم المسلم على الصبر، كما تقدم: صبر على طاعة الله. فالصائم لربما يشعر بشيء من الجوع والعطش والتعب، ومع هذا تجده يصبر على طاعة الله، يحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها، بل وفي حال الصيام يبكر، وكذلك يحرص على أن يؤدي هذه الصلاة في وقتها. صبر على طاعة الله عز وجل، صبر على طاعة الله سبحانه وتعالى. وهكذا غيرها من العبادات، لربما تحمل تحمل العناء وهو صائم، من أجل أن ينفع الناس، من أجل أن يوصل الطعام أو الشراب إلى إخوانه الصائمين وهو صائم، ما يريد بذلك إلا وجه الله. وهذا فيه معنى اكتساب الصبر من هذه الأعمال. فإذا الصيام يعود المسلم على فعل الطاعات. فإذا تعود المسلم في رمضان وهو صائم وهو جائع وهو كذلك يعني متعب، تعود على أداء الطاعات والقربات، فكيف إذا كان في غير رمضان وهو نشيط وهو ممتلئ البطن وهو كذلك صحيح الجسم؟ لا شك أن الطاعات تسهل عليه، تسهل عليه في غير رمضان، لأنه قد صبر على الطاعة في حال لربما لربما كان فيها تعب وفي كذلك ضعف أو نحو ذلك أو نحو ذلك. فإذا يعلمك الصيام الصبر على الطاعة، الصبر على الطاعة. وكذلك يعلمك الصيام الصبر عن ماذا؟ يعلمك الصبر عن المعصية، الصبر عن المعصية. فلربما قد بلغ بك الجوع والعطش، خصوصا إذا قمت بعمل مجهد، بعمل شاق، لربما قد نشف فمك وتألمت بطنك من الجوع، ومع هذا لم تتناول ماء، صبرت عن أن ترتكب معصية بالإفطار. فكيف في وقت أنت في غنى عن هذه المعاصي التي حرمها الله عز وجل على التأبيد: كشرب الخمور، أو تعاطي المسكرات، أو أكل المال الحرام، أو نحو ذلك؟ فإذا الصيام يعودك ويعلمك على الصبر عن المعصية. إذا دعتك نفسك إلى تناول محرم من المحرمات، فإنك تصبر، تصبر. وأيت امرأة حسنا وعضت بصرك، صبرت عن أن تطلق بصرك إلى هذا الحرام. وجدت مالا محرما أمامك، فتنة: إما أن تتركه وأنت بحاجة إليه، وإما أن تأخذه فتقع في الحرام، فتصبر على الجوع وتصبر على الفقر، فتترك هذا المال الحرام. تركت هذا الماء الحرام في رمضان وأنت صائم، تركت هذا الطعام الذي حرم عليك وأنت صائم، وهو من المباحات، من المباحات لغير الصائم، لكن تركتها صبرا على طاعة الله سبحانه وتعالى، وبعدا عن معصية الله عز وجل. فلا شك أن الصيام مدرسة عظيمة لتعلم الصبر، لتعلم الصبر. وهكذا الصبر على أقدار الله المؤلمة. فالصائم كما تقدم قد يشعر بشيء من الصداع، قد يشعر بشيء من الإرهاق، قد يشعر بشيء من التعب، من الألم: ألم الجوع أو ألم العطش، خصوصا إذا زاول عملا شاقا أو نحو ذلك، فهو يصبر ولا يدعوه هذا التعب وهذا الألم إلى الإفطار، إلى الإفطار، إلى الإفطار، إلا إذا كان هذا الأمر فيه ضرر عليه وزيادة مرض ونحو ذلك. فهذه قد رخص الله عز وجل للمريض: إذا وصل حال الصائم إلى حال المريض فله أن يفطر، رخص من الله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. لكن إذا لم يكن كذلك، وإنما هو شيء مما يناله الصائم من تعب أو يعني صداع يسير أو نحو ذلك، فهنا يصبر. فإذا إذا نزلت بك الأقدار من موت حبيب، أو من فقد مال، أو من فقر، أو من قلة ذات يد، أو نحو ذلك، وآلمك هذا الأمر، اصبر. فقد أمر الله عز وجل بذلك في كتابه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. ولذلك فإن الصبر، ذكر الله عز وجل أنه يوفي أهله الجزاء الذي لا حد له: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ». وكذلك الصيام، فإن الله عز وجل جعل ثواب أهله إليه، وهو الكريم الشكور سبحانه وتعالى. فقال عز وجل في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف». في رواية أخرى: «الحسنة بعشرة إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به». فقال العلماء: الصيام مثل الصبر، فأجر الصبر كثير وعظيم، وأجر الصيام كثير وعظيم. وهذا هو وجه الشبه بين الصيام والصبر، لأن الصيام هو الصبر. بل بعض المفسرين، وهذا من تفسير الآية ببعض أفرادها، فسر الصبر في الآية بالصيام. قال: قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي يوفى الصائمون أجرهم بغير حساب. لكن الآية عامة، وإنما مما يدخل في معنى الصبر، بل من أعظم ما يدخل في معنى الصبر هو الصيام، هو الصيام. فإذا مما نتعلمه من مدرسة الصيام، وهو من خصال التقوى والإيمان: الصبر. ونحن يا أيها الإخوة في هذه الأزمان الذي كثرت فيها الفتن والمحن، واشتدت الأمور على كثير من الناس، من غلاء في الأسعار، ومن ضيق في المعيشة، ومن كذلك تأزم في العملة ونحو ذلك، هذا يحتاج مننا يا عباد الله إلى التحلي بهذا الخلق العظيم. فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. استعن بالصبر، بالتحمل، وكذلك الاحتساب، احتسب الأجر. هذا الفقر الذي ابتلاك الله به، وهذه الشدة التي نزلت بك، هذا فيها تكفير للسيئات ورفع للدرجات. «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا غم، ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله له من خطاياها». انظر: تكفير للذنوب والخطايا، لكن مع الصبر. ما ينزل بك من هم، من غم، من ألم، من مرض، من أي مصيبة، فاعلم أنك إذا احتسبت الأجر وصبرت، فإنك تؤجر الأجور العظيمة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فنعود أنفسنا، فرصة رمضان فرصة عظيمة لأن نتعلم الصبر، لأن نتعلم الصبر بأنواعه الثلاثة، بأنواعه الثلاثة. وهكذا مما يدخل في معنى التقوى من الخصال ومن الأعمال: التحلي بخلق الحلم والعفو والصفح والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك من هذه الأخلاق العالية التي نحن في أمس الحاجة في التعامل بها مع غيرنا، في التعامل بها مع غيرنا. فرمضان يعلم المسلم أن يكف عن الكذب، وأن يكف عن رد السيئ بالسيئ، وأن يكف عن الجهل والسفاهة، وأن يكف عن الظلم. فإذن يتحلى بالصبر والعدل والحلم والإحسان إلى الخلق. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب». ما معنى لا يرفث؟ قالوا: لا يرفث، الرفث هو الكلام الفاحش. الرفث هو الكلام الفاحش. الصائم ما يأتي بكلام فاحش، كلام فيه من السب، وفيه من ذكر الأمور المستقبحة، لا يحفظ لسانه. فإذا إذا كان صوم يوم أحد، فلا... يعني ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ «فلا يرفث». الرفث في هذا الموضع فسره العلماء بالكلام الفاحش. «ولا يصخب»، الصخب هو رفع الصوت بالصراخ والصياح. الصائم لا يكون يوم فطره كيوم صومه، يكون مهذب، يكون خاشع، يكون على سكينة، على هدو، فما يليق به أن يرفع صوته. إذن هذا يعلمنا الحلم، وكذلك يعلمنا الأدب وعدم رفع الصوت، وكذلك عدم الكلام الفاحش. هذا ممن نتعلمه من الصيام. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». نتكلم على هذا إن شاء الله بعد الأذان. قال عليه الصلاة والسلام كما سمعتم: «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». أنت صائم، جاءك رجل واستفزك، جاءك رجل وسبك، لا ترد السبة بالسبة، اصبر وتحلى بالحلم والإعراض عن الجاهلين. فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليقل: إني صائم». قال العلماء: لا بأس أن يسمعه، حتى يعلم ذلكم المعتدي أن هذا الصائم لا يعتدي عليه مثل ما اعتدى عليه، وإنما يتركه ويعرض عنه، ويعرض عنه. «فليقل: إني صائم». إذن يتعلم المسلم من الصيام الحلم والإعراض عن الجاهلين. ولو في غير رمضان، جاءك رجل وسبك أو شتمك، تقول له: عفا الله عنك، عفا الله عنك، وغفر الله لنا ولك. كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. الذين صبروا وتحلوا بالصبر والحلم والإعراض عن الجاهلين. نعم، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. اعرض عنهم، لا تجاريهم، ولا كذلك ترد السيئة بالسيئة. فهذا مما يتعلمه المسلم من الصيام. كذلك جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». لا تظني عبد الله أن الحكمة من الصيام أن تجوع وأن تضمأ، لا، وإنما الحكمة من الصيام أن تهذب هذه النفس، أن تتخلق هذه النفس بالأخلاق الفاضلة. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور»، قالوا: قول الزور هو كل قول باطل، ويدخل في ذلك شهادة الزور. فالكذب والغيبة والنميمة والسب والشتم، وكل هذا يدخل في معنى قول الزور. فإذن يعلم المسلم نفسه في الصيام أن يترك الكذب والغيبة والنميمة، وهذه الأخلاق السيئة، ويتحلى بالصدق، وبكذلك الحلم، وبكذلك العدل، والكلام الطيب. فكل خلق حسن يتعلمه الصائم أثناء صيامه، فهو مدرسة. الصيام مدرسة عظيمة للأخلاق الفاضلة. «من لم يدع قول الزور والعمل به»، يعني العمل بما يقوله من باطل. «والجهل»، فسر الجهل بماذا؟ السب والشتم، وكذلك برد السيئة بالسيئة، ونحو ذلك. فهذا ليس من خلق الصائم، بل ليس من خلق المسلم. فيتعلم المسلم في أثناء صيامه هذه الأخلاق الفاضلة. فالله عز وجل غني عن عباداتنا، غني عن جوعنا، وعن عطشنا، وعن كذلك سائر أعمالنا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وقال سبحانه وتعالى في أمر الهدي: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾، يناله التقوى منكم. فالله عز وجل ما أمرنا بتلك الأعمال إلا لنحصل على تقوى الله سبحانه وتعالى. فإذا الصيام مدرسة عظيمة لتعلم الأخلاق، لتعلم الأخلاق الفاضلة، وترك الأخلاق السيئة، وترك الأخلاق السيئة. كذلك مما نتعلمه من مدرسة الصيام، نتعلم ماذا؟ نتعلم من الصيام العطف على الفقراء والمساكين، وما يعانونه من شدائد، من جوع، من فقر. ووجه ذلك أن الصيام فرض على كل المسلمين، على كل المسلمين: غنيهم وفقيرهم. فالغني عندما يصوم، فيأتي قبل المغرب وهو يشعر بالجوع، ويشعر بالعطش، ويشعر بألم الصيام، يتذكر إخوانا له من الفقراء والمعدمين والمساكين يعانون مما يعاني منه الآن، ليس لحظات ثم يقدم لهذا الغني أشهى المأكلات والمشروبات، وإنما يعانون من هذا الجوع أياما وليالي. فهذا يجعل هذا الغني يعطف على هؤلاء الفقراء، فيطعم الطعام، ويتفقد هؤلاء الفقراء، ويعلم أن حاله هذه هي الحال المستمر لإخوانه الفقراء والمساكين. ولذلك حث نبينا عليه الصلاة والسلام على الإطعام في رمضان. والآن أهل الغنى يتنافسون في هذا الباب في رمضان، جزاهم الله خيرا، وهي سنة نبوية. كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، من الريح المرسلة». فإذا هذا الغني يشعر بما يعاني منه الفقراء، لأنه شعر بألم الجوع والعطش، فيدفعه ذلك إلى العطف والحنو، وكذلك التفقد الفقراء والمساكين. ولذلك كذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم الأغنياء على إفطار الصائمين، على إفطار الصائمين، ورتب على ذلك الأجر العظيم، كما في حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وَمَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٍ، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٍ». كل ذلك لأن هذا المقتدر يعلم أن له إخوانا يشعرون بما شعر به الآن على وجه الدوام، لا لحظات. هذا الغني ربما بقيت ساعة أو ساعتان أو ثلاث ساعات من المغرب، وسينال بغيته من الطعام والشراب، لكن ذاك الفقير لربما يصوم ويأتي الإفطار ولا يجد ما يأكله، أو يجد أكلا لا يكفيه حاجته. فلا شك أن هذا الغني يعطف على إخوانه الفقراء والمساكين. وهذا معنى من معاني فوائد الصيام والحكم من الصيام. كذلك من حكم الصيام، وهو خصلة من خصال التقوى والإيمان: أن الصوم وقاية من الوقوع في الشهوات وفي المحرمات. ولذلك جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، الحديث المعروف الطويل الذي ذكرنا بعضا منه، قال عليه الصلاة والسلام: «وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ». ما معنى جنة؟ مادة الجيم والنون تدل على الستر والوقاية. ولذلك قيل للأرض المحتفة بالأشجار: جنة، لأن هذه الأشجار تسترها. وسُمي الجن جنة لأنهم مستورون عنا، لا نراهم، لا نراهم. قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة»، أي وقاية، وقاية من الوقوع في الشهوات. لأن الصيام يخفف الشهوة، يخفف الشهوة، فيبتعد المسلم عن الشهوات. وهكذا الصيام يضيق على الشيطان مجاريه في الجسد. نعم، فالشيطان لا يجد سبيلا إلى الصائم. ولذلك مما يدل على أن الصيام يقلل ويضعف الشهوة: حديث ابن مسعود في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاءٌ». "وجاء" يعني قاطعا للشهوة، يضعف شهوته. نعم، فيبعده، يبعده عن الوقوع في الحرام، في الزنا، وفي النظر المحرم. لأن أول الحديث ذكر فيه ماذا؟ ذكر فيه الفرج والنظر: «فَإِنَّهُ أَغَضُّ... وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ». فإذن الصوم جنة، أي وقاية، يقي الصائم من الوقوع في الشهوات المحرمة. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». إيش معنى حُفت النار بالشهوات؟ يعني مثلا هذه النار، طيب، وعليها سور من الشهوات: الزنا، اللواط، شرب الخمر، السرقة، المسكرات، المخدرات، كل المعاصي هذه حول النار، حُفت بالشهوات. فمن اقتحم الشهوات هذه، سيقع أين؟ سيقع في النار. طيب، من اقتحم الشهوات سيقع في النار. إذن الصيام يقيك، جنة، يعني حماية من أن تقع في الشهوات، فتُكردس والعياذ بالله في الدار. وأما الجنة فحفت بالمكاره، فمن اقتحم المكاره دخل الجنة. كيف تقتحم المكاره؟ الصلاة تحتاج منك إلى استيقاظ من النوم، إلى وضوء، إلى ذهاب إلى المسجد، إلى مكوث في المسجد، هذا ربما تكرهه النفس، خصوصا الوضوء في أيام الشتاء، أو الذهاب إلى المسجد إذا كان المسجد بعيدا، أو في يوم حار، أو نحو ذلك. فاقتحامك للمكاره هذا يدخلك ماذا؟ الجنة. واقتحامك للشهوات هذا يدخلك، يدخلك أين؟ يدخلك النار. إذن الصيام جنة، وقاية للعبد من أن يقتحم الشهوات المحرمة، إلى أن يقتحم الشهوات المحرمة. فهذا يدل على ماذا؟ يدل على فضل الصيام والحكمة من الصيام، وهو أن يقي المسلم من الشهوات المحرمة، من الشهوات المحرمة. كذلك الصيام فيه إذلال للنفس، وفيه كذلك تعويد للنفس على الطاعة. ولذلك تجد الصائم أكثر إقبالا على الطاعة، وأشد بعدا عن المعصية. لماذا؟ لأن الصائم تكون نفسه يعني ذليلة، نفسه خاضعة، نفسه مهذبة. فهذا مما يكون سببا في خفة القلب، ورقة القلب، فيقبل هذا القلب على طاعة الله عز وجل. وهذا تجده واضحا وظاهرا وجليا في حال الصائمين في رمضان. انظر إلى الصائمين في رمضان، تجد نشاطا، وتجد همة عالية في قراءة القرآن، وفي القيام، وفي الصلاة، وفي البر والإحسان، والطاعات على وجه العموم. وما ذاك إلا من حكمة ذلك الصيام، من حكمة ذلك الصيام. ولذلك جاء في الحديث: «وَنَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ». ففي رمضان تجد الإقبال على الخير، الإقبال على الخير. وهذا لا شك أنه من أعظم أسباب التقوى. فالتقوى إنما تكتسب بكثرة الأعمال الصالحة، والبعد عن الأعمال المحرمة، البعد عن الأعمال المحرمة. فهذه أيضا من حكم الصيام. بل ذكر العلماء أيضا أن من حكم الصيام: حكم دنيوية صحية للجسد. هذا أيضا مما ذكره بعض أهل العلم. ولكن هذه تذكر تبعا، وآخر ما يذكر من حكم الصيام، حتى لا يعلق الناس بالأمور الدنيوية. نبه على ذلك العلامة ابن العثيمين عليه رحمة