رمضان في رحاب القرآن الكريم

رمضان في رحاب القرآن الكريم

المحاضرة بعنوان رمضان في رحاب القرآن الكريم، والتي كانت ضمن دورة بين يدي رمضان بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الثلاثاء ٢٦ شعبان 1446هـ الموافق ٢٥ فبراير 2025م ألقاها منوع

فضل طلب العلم والغراس في الدين والاستعداد لشهر رمضان

يذكر المتحدث حديث الغراس في الدين موضحاً أن طلبة العلم وحفظة القرآن هم الغراس الذين يستعملهم الله في طاعته، ويشير إلى حديث من غدا إلى المسجد لتعلم علم أو تعليمه كان له أجر حجة تامة. ويؤكد على أهمية تهيئة النفوس لاستقبال شهر رمضان بوصفه موسماً للطاعات والخيرات.

بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بقدوم رمضان وفضائله العظمى

يستعرض المتحدث كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان مبيناً فضائله كفتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار وتصفيد مردة الشياطين ومضاعفة الأجور. ثم ينتقل إلى عنوان المحاضرة الرئيسي مؤكداً التلازم بين الصيام والقرآن في هذا الشهر المبارك.

العلاقة الوثيقة بين رمضان والقرآن الكريم

يرتبط رمضان بالقرآن لكونه شهر نزول القرآن حيث ابتدأ الوحي في ليلة القدر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدارس جبريل القرآن كل ليلة في رمضان. وقد اعتنى السلف بتلاوة القرآن وتدبره في هذا الشهر مستغلين فضله وبركته.

فضل تلاوة القرآن وتدبره في رمضان وأثره في القلوب

يؤكد المقطع على هدي السلف في الإكثار من تلاوة القرآن في رمضان، موضحاً أن النهي عن ختم القرآن في أقل من ثلاث أيام مختص بالمُداوِم خارج رمضان. ويدعو إلى عدم الاكتفاء بالتلاوة بل السعي للتأثر بالقرآن والعمل به مستدلاً بتأثر الجن بسماعهم للقرآن.

قصة عقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف وعاقبة صحبة السوء

كاد عقبة بن أبي معيط أن يسلم تحت ضغط النبي صلى الله عليه وسلم، لكن صاحبه أبي بن خلف أغراه بالارتداد وبصق في وجه النبي فدعا عليه النبي بالقتل خارج مكة. وتحقق ذلك في بدر حيث قُتل عقبة أسيراً، مما يبرز خطر صحبة السوء وأهمية اتخاذ القرآن صاحباً ونوراً.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخيرته من خلقه وخليله، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب المولى جل جلاله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، أحبتي الكرام، حياكم الله أيها المباركون الفضلاء، وأسعدكم الله أيها الأحبة النجباء، وطبتم وطاب ممشاكم، وبوأنا ربنا جل وعلا جميعًا مبوأ صدقٍ في الدنيا والآخرة. وإنا لنحمد الله جل وعلا حمدًا يوافي نعمه ويكافي مزيده، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملأ السماوات وملأ الأرض وملأ ما شاء ربنا عز وجل من بعد. على أن وفقني وإياكم أحبة الكرام للجلوس في هذا البقاع الطاهرة، نتلقى بعض ما جاء في كتاب الله وسنة نبينا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في هذا اليوم الأغر، في هذه الليلة البهيجة، في ليلة السابع والعشرين من شعبان سنة ستٍ وأربعين بعد الأربعمائة وألف للهجرة. نلتقي أحباب الكرام على مائدة الرحمن، نلتقي أحبة في الله في هذا المسجد المبارك الذي يعلو فيه ذكر الله جل وعلا، نلتقي أحبة في الله في هذا الصرح الجميل الذي يعلو فيه كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، نلتقي أحبة في الله على مائدة من موائد الرحمن، دوحة مورقة ومزهرة ومثمرة بالعلم والأنوار، وبالدين والإيمان والإحسان والإسلام والإخلاص لله جل جلاله. يا كرام، ما أجمل أن نلتقي في الله جل وعلا، وما أجمل أن نتجالس لأجل الله عز وجل ومرضاته، وما أجمل أن نتآنس في رحاب الله عز وجل، وما أجمل أن نجتمع للاستماع لكلام الله وسنة النبي المختار صلى الله عليه وسلم. ما أجمل أن تحملنا أرجلنا إلى هذا المكان الطيب الطاهر لنسمع كلامًا ينفعنا في ديننا وينفعنا في دنيانا ويكون لنا نبراسًا إلى الخير، نسمع من الآيات ونسمع من الأحاديث النبوية عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها الأحبة في الله جل وعلا، عند ابن ماجه من حديث أبي عينب الخولاني رضي الله عنه وأرضاه، وأسمع يا عبد الله ماذا يقول حبيب القلوب صلى الله عليه وسلم. يقول نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته». لا يزال ربنا جل وعلا الخالق المالك سبحانه يؤيد هذا الدين ويؤيد هذا الإسلام بغراس. من هم الغراس؟ هم طلاب العلم وطلاب الحديث وحفظة كتاب الله جل وعلا، هم الموطنون في المساجد، هم الذاكرون والتالون لكتاب الله جل وعلا. قال بعض أهل العلم في شرحه لهذا الحديث في الحاشية: «والأمر أعظم من ذلك بكثير»، فيدخل في هذا الغراس الذي لا يزال ربي جل وعلا يعتني به ويغرسه سبحانه وتعالى ليكون ذخرًا لهذا الدين وضياءً لهذا الدين ونورًا لهذا الدين. ما غاب نجم إلا وجاء زاهر بعده، وجاء نجم آخر يحمل رسالة الإسلام. الأمر أعم وأكبر من ذلك، وذلك لأن الله جل وعلا جعل غراسه في كل من سعى لأجل كتاب الله ولأجل سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجاء من حديث أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه عند الإمام الطبراني وعند غيره بسند حسن، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مجمع كمجمعنا هذا، وفي طائفة كطائفتنا هذه، وفي قوم اجتمعوا لما اجتمعنا عليه، أحبة الكرام، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا: «من غدى إلى المسجد» - والغدوة هي في الصباح الباكر، والمراد أنه ذهب إلى المسجد في أي وقت من الأوقات - «لعلم يتعلمه أو لعلم» يعني لأجل أن يتعلم أو يعلم ذاك العلم الذي معه، «كان له» - واسمع يا رعاك الله، اسمع يا عبد الله، أنت جئت لبيت من بيوت الله لأجل أن تسمع العلم أو لأجل أن تعلم العلم، ما لك عند الله جل وعلا من الأجور الوافرة والمكان السانح العظيم الراقي عند الله عز وجل - قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا كان له كأجر حجة تامة، كأجر حجة تامة». وما هو أجر الحجة التامة الذي أتمها يقينًا بفرضيتها، وأتمها خلوًا مما ينافيها، وقام بأركانها وواجباتها، وقام أيضًا بسننها؟ ما أجرها عند الله جل وعلا؟ وأنت يا عبيد الله في لحظة من اللحظات، وفي دقائق من الدقائق العامرات، تحصلت على هذا الأجر العظيم الوفير من الله جل وعلا. أحبة في الله، كما سمعتم يرعاكم الله، هذا هو اللقاء الرابع من لقاءات السلسلة النافعة الماتعة بين يدي رمضان. ولا يفوتني، والأصح لا يفوتني في هذا المقام، أن نرسم أحرفًا من الشكر والتقدير للمشايخ الفضل، طلاب العلم النبلة، وعلى رأسهم شيخنا المفضل أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، وكل من سعى وفكر وقدر، كل من حضر هذه المجالس النافعة الماتعة بين يدي ضيف وزائر كريم، ألا وهو شهر رمضان المبارك. فبين يدي رمضان، أحبة في الله، نريد أن نتشوق لرمضان، نريد أن تهنأ نفوسنا بقدوم هذا الضيف العظيم، نريد يا أحبة في الله أن نهتك الأفئدة وأن نهتك القلوب، إننا نستقبل موسمًا من مواسم الطاعات والقربات والنفحات والهدايات التي حملت من قبل الرحمن الرحيم بوافر العطايا والمزايا والهبات. إننا نريد أن نحفز أنفسنا وأن نوطن أنفسنا قبل أن يدخل علينا هذا العزيز وهذا الكريم، حتى إذا جاءنا كانت لنا من الأنفس الهنيئة والقلوب المطمئنة بما جاء فيه من الخيرات والبركات. أحبة في الله، إن رمضان تاج الشهور وعمدة الدهور، وشهر البهجة والسرور والأعمال الكثيرة والتجارة الرابحة التي لا تبور. شهر رمضان شهر العطايا والمقامات الرفيعة والعبادات الكثيرة والهبات الوفيرة. شهر منحه الله جل وعلا ما لم يكن في غيره من الشهور. شهر رضي الله جل وعلا فيه عن العباد، وسّع لهم مداخل الجنان، وضيّق في قلوبهم - أو مداخل - الشياطين ومردة الإنس والجن. شهر يا إخوة، شهر عظيم. لذلكم تعالوا بنا لننظر كيف يستقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهر رمضان، وكيف كان حاله عليه الصلاة والسلام قبل ما يأتي هذا الشهر، وهذا الضيف، وهذا الزائر، وهذا البريد، وهذا السفير للخيرات، كيف كان يبشر أصحابه ويبشر أحبابه، وحق له صلى الله عليه وسلم أن يبشر الأصحاب والأحباب لأنهم أهل للطاعة وأهل للقيام بمرضات الله جل جلاله. فيا أحبتي في الله، روى الإمام أحمد والنسائي والبيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، إن نبينا صلى الله عليه وسلم كان - وقبل أن يأتي رمضان كان عليه الصلاة والسلام - استفدنا هذا من سياق الحديث كما قال بعض العلماء رحمة الله عليهم. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم - وهو الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العظيم يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان. ولماذا يبشرهم؟ النبي صلى الله عليه وسلم يبشرهم لأجل أن يزودوا ويتزودوا في هذا الشهر بالطاعات والعبادات والقربات إلى الله جل وعلا، لينشط القلوب والأفئدة والأبصار، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أتاكم رمضان». هذه البشارة، هذه البشارة العظيمة، يقول: «أتاكم رمضان شهر مبارك». صدق النبي صلى الله عليه وسلم، رمضان شهر، شهر مبارك عظيم. فوالله لو قدر أن عبدًا من عباد الله جل وعلا الصالحين كشف الله جل وعلا له الحجب، فرأى مقدار البركات والتنزلات والهدايات التي تتنزل في ليل رمضان وفي نهاره، فوالله ما عدها وما حصرها. فوالله إنه لدخل في قلبه من اليقين العظيم الذي نسمعه من كلام النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، ولكنه الإيمان بالغيب، أحبة في الله. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاكم رمضان شهر مبارك، فَرَضَ الله جل وعلا فيه الصيام». فرض الله عز وجل فيه الصيام، «تُفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه مردة الشياطين من الجن، وفيه ليلة من حرم أجرها فقد حرم». كم من الفوائد يا إخوتاه في هذا الحديث العظيم من في النبي الكريم صلى الله عليه وسلم! لما لا يبشر النبي صلى الله عليه وسلم؟ لما لا نبشر يا أحبة في الله بقدوم رمضان وهو شهر الطاعات والعبادات والهدايات والنفحات؟ لما لا نبشر بشهر عظيم وباستقبال ضيف كريم وهو شهر تفتح فيه أبواب الجنان؟ لما لا نبشر وقد فتحت لعباد أبواب الجنان وأبواب الرحمات كما في رواية الإمام مسلم رحمه الله؟ لما لا نبشر يا عباد الله بضيف عظيم وبزائر كريم، وفيه أبواب النيران - عقاب الله جل وعلا جهنم - توصد وتغلق وتغفل، إذانًا من الله جل وعلا أن: يا أيها العصاة توقفوا عن المعاصي، ويا أيها المذنبون توقفوا عن الذنوب والمعاصي. هكذا معنى هذا، فهذا باب من أبواب الرجاء العظيم يا إخوة. نبشر برمضان لأن الله جل وعلا يضاعف في هذا الشهر العظيم الأجور، وتتزايد وتترابح، ويتنافس فيه المتنافسون. لما لا نبشر برمضان والرمضان تجتمع فيه أمهات الطاعات والعبادات؟ لما يا إخوة؟ فشهر عظيم حق لنا أن نفرح، وحق لنا أن نبشر ونبشر بقدوم هذا الضيف وبقدوم هذا الشهر العظيم، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كما جاء عند الإمام الترمذي من حديث أبي هريرة: قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا كانت أول ليلة من رمضان» - في أول ليلة يا عباد الله - «غُلِّقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب»، جميعها وكلها تغلق تمامًا، فلا يفتح منها باب على الإطلاق، رحمة من رحمات الشهر الكريم الفضيل. «وفُتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب». فرحمات الله جل وعلا مفتوحة وسانحة للعاملين والمتزودين والعابدين والناسكين لله جل جلاله. فإذا هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أقسم النبي عليه الصلاة والسلام: «والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك». تلكم الرائحة التي يتأذى منها الناس، التي تخرج من خاوية جوع البطون، لها ميزة ولها مكانة ولها منزلة عند الله جل وعلا، فهي أفضل من رائحة المسك، من رائحة الجنان عند الله جل جلاله. ويقول النبي بعدها يتم الحديث: «وللصائم فرحتان يفرحهما: فرحة حينما يفطر» - حينما يفطر، فرحة الأولى وهي فرحة في الدنيا - «وأما الفرحة العظمى، قال: وفرحة حينما يلقى ربه» فيقرأ في صحيفته أجر الصيام والقيام والأعمال العظيمة التي فعلها في رمضان، يفرح فرحًا عظيمًا وفيرًا كبيرًا عند الله جل جلاله. فإذا لنا يا إخوة أن نتعرض لهذه النفحات. فقد روى الإمام الطبراني رحمه الله من حديث محمد ابن مسلمة الأنصري، وجاء أيضًا من حديث غيره وهو حديث أنس عند أبي يعلى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لربكم في أيام دهركم لنفحات». ما يعني بنفحات؟ أي بركات سانحات للأعمال الصالحات. «إن لربكم في أيام دهركم لنفحات، فتعرضوا لنفحات ربكم، لعل الله جل وعلا أن يصيبكم بنفحة لا تشقى بعدها أبدًا». لا إله إلا الله، كم من رجل دخل عليه رمضان فقد أُعتق من النيران، وكم من رجل دخل عليه رمضان فقد هيئت له منازله من الجنان، هيئت له منازله من الجنان، وكم الرجل أدرك رمضان فكتب الله له العفو والغفران. إنه رمضان يا إخوة، رمضان أو رمضان شهر عظيم وكريم. سمعتم ما سمعتم مما نطق به النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الشهر. واسمع يا رعاك الله في الصحيحين من حديث به ريرة - أبي هريرة - رضي الله عنه، يقول نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء». ثم قال: «إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به». قال الله عز وجل: «الصوم لي وأنا أجزي به». حديث قدسي. وما ظنك بربك يا عبد الله وربك يتكفل بأجر صومك وبأجر صيامك؟ يقول الله جل وعلا: لتنظر إلى أجر معين للصيام، ولا إلى أجر مقتر للصيام، فالأجر عندي، وأنا أجازي به، وأنا أعطي به سبحانه. فالله عز وجل هو الكريم وهو المنان وهو المعطي، ﴿وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. فإذا أحبة في الله، دعونا اليوم أن ندخل - أو دعونا الآن أن ندخل - في العنوان الذي أردنا أن نتحدث فيه، وهذه مقدمة بسيطة قبل أن ندخل في العنوان الذي عنونا له في هذه المحاضرة. العنوان أيها الأحبة هو: القرآن في رحاب رمضان. إنك يا عبد الله ما إن تسمع رمضان إلا واشتاقت نفسك للقرآن. إن رمضان حينما يذكر يا عباد الله يأتي معه صنوه، يأتي معه القرآن. فالقرآن والصيام صنوان وتوأمان لا ينفكان عن بعضهما البعض. إنك حينما تكسب هذه النفس التي بين جنبيك من روحانية الشهر، تنظر إلى غلاف القرآن فتشتاق نفسك إليه. هذا المصحف الذي نراه أمام أعيننا في كل يوم مرات وكرات، النظر فيه في رمضان ليس كالنظر فيه في شعبان ولا في غيرها من الشهور. إنه لا يحلو حينما تتدبر وتتمعن في القرآن وأنت صائم طائع لله جل وعلا. إن للقرآن في رمضان لذة، لذة عظيمة. إن للقرآن في رمضان لذكرى للقلوب المطمئنة. ولا يعتلي يا إخوة لهذا الشرف - لهذا الشرف ولهذا المقام - إلا من حمل هذا القرآن عظمة في قلبه، وانتفع بهذا القرآن في فؤاده وفي عمله، فإنه إذا جاء رمضان فإنه لا تخلو حياته من نسمات هذا الكتاب العظيم. أحبة في الله، هذا هو عنواننا لهذا اللقاء، فإننا في رمضان نريد أن نكون من أصحاب هذا القرآن، لا ينفض عنا أبدًا، فإنه في قلوبنا وفي أيدينا وفي مجالسنا وفي سمرنا، فإن ليلنا قرآن ونهارنا قرآن، وتتردد كلمات القرآن في ألسنتنا على كل الأحوال، وخصوصًا ونحن في شهر عظيم كريم كما سمعتم نعته ووصفه في كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلذلكم أحبة في الله، هذا القرآن، هذا القرآن الكريم الذي نريد أن نتحدث عنه، ما علاقته برمضان؟ وهل ثم ارتباط بين رمضان والقرآن؟ نقلب صفحات القرآن لنجد جوابًا على هذا السؤال، الجواب من الرحمن: هل هناك علاقة بين رمضان والقرآن؟ هل تمت هناك ارتباط وثيق بين القرآن وبين رمضان؟ ارجع إلى كتاب الله، فيقول ربنا جل وعلا في جواب شاف كاف سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. هذا الشهر، أحبة في الله، ارتبط بالقرآن ارتباطًا عظيمًا لأن هذا الشهر تنزلت فيه الأنوار السماوية على الأنوار الأرضية. ولذا جاء في البخاري أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يجاور في رمضان وفي غير رمضان، وحبب له في بداية أمره الخلوة، صلى الله عليه وسلم، فكان يخرج عليه الصلاة والسلام - بأبي هو وأمي - إلى غار حراء. وفي ليلة من ليالي الدهر المزهرة، ومن ليالي القدر رفيعة الأجر عند الله جل وعلا، وفي ليلة من ليالي هذا الضيف القادم وهذا الشهر العظيم الذي سمعتم ما سمعتم فيه من البركات والخيرات، في ليلة عظيمة يأتي جبريل، جبريل من السماء على فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: فرجف فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم حينما طلع عليه جبريل وهو في الغار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فغطني» - أي جبريل غط النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى بلغ مني الجهد - أي ضمة، ضمة شديدة. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لست بقارئ». ثم كررها عليه السلام ثانية وثالثة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لست بقارئ». ثم نزل - كما تعلمون - النبي صلى الله عليه وسلم نزل وهو خائف ويرتعد ويرتجف مما مر به، حتى وطنه الله جل وعلا لحمل هذه الرسالة. متى نزل القرآن؟ يكفيك يا رمضان شرفًا أن شرفك الله جل جلاله فأنزل فيك خير الكتب وأعظم الكتب على أعظم الأنبياء وخاتم الرسل، وخاتم الرسل صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هنا تكمن هذه الرابطة العظيمة. هنا ومنذ ذاك اليوم سُمّي قرآن، سُمّي رمضان بشهر القرآن. منذ تلك الساعة المباركة العظيمة التي التقى فيها جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذاك الغار. قيل: إن رمضان شهر القرآن، شهر القرآن، شهر الفرقان. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. هذه صورة واحدة. أما الصورة الأخرى في ارتباط القرآن برمضان فهي قبل هذا، حينما نزل القرآن من اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. جاء القرآن بعد أن تكلم الله جل وعلا به بصوت وحرف لا يعلمه إلا هو سبحانه، نزل القرآن جملة واحدة، جملة واحدة إلى السماء الدنيا، وقيل إلى بيت العزة، ثم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم منجمًا أو مفصلًا. إذن ارتبط القرآن أحبة في الله بهذا الشهر العظيم، بل ارتبط هذا الشهر العظيم بهذا القرآن الكريم. خذ صورة أخرى من الارتباط العظيم بين القرآن ورمضان، وتلكم الصورة أحبة في الله تتجلى حينما جاء رسول السماء جبريل الوحي الأمين إلى رسول الأرض الصادق الأمين، والتقيا في رمضان لمدارسة القرآن. صورة عظيمة، صورة عظيمة من صور الترابط والتوثيق بين رمضان والقرآن. قال ابن عباس في البخاري في وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كان النبي صلى الله عليه وسلم - يصفه ابن عباس رضي الله تعالى عنه - أجود الناس، أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. متى؟ حينما يتنزل عليه جبريل فيدارسه القرآن. متى يدارسه القرآن؟ في رمضان، حينما يتنزل عليه جبريل فيدارسه القرآن. «فلا رسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة» - أي المحملة بالبركات والخيرات وما أودع الله جل وعلا فيها من منافع للبشر. أجود النبي، يصفه أنه أجود صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم يتدارس القرآن في كل ليلة مع جبريل عليه السلام. وهنا استفاد العلماء فوائد، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: ويستفاد من هذا إن رمضان زمن لمدارسة القرآن، يستحب أن يتدارس القرآن في هذا الشهر، ويتدبر القرآن في هذا الشهر، ويتمعن في حكم القرآن في هذا الشهر. وقالوا: ومن باب أولى أن يتلى ويكثر من تلاوته ومن قراءته ومن النظر إليه ومن النظر إلى الآيات العظيمات في هذا الكتاب الكريم. كل ذلك استفادوا من مدارسة جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إذن ارتبط يا إخوة، ارتبط رمضان بالقرآن بمدارسة النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل لهذا الكتاب العظيم في زمن شريف وفي زمن نفيس وهو هذا الشهر المبارك. أحبتي في الله، من ثمرات هذا الحديث إننا نهتم بالقرآن في رمضان، نهتم اهتمامًا بالغًا وعظيمًا. يا إخوة، إذا رجعنا إلى ما كان عليه السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله، رأيت نسجًا من الخيال - أو من الخيال - في ماذا؟ في باب تلاوة القرآن في رمضان. فإنك لا تستطيع أن تفكر كيف كان السلف يقرؤون القرآن في رمضان، وتعجز نفسك أن تفكر فضلًا أن تتأسى بهم في هذا الشهر الكريم. منهم من يقرأ القرآن في ليلة كاملًا، ومنهم من يقرأه في يوم، ومنهم من يقرأه في ثلاث، ومنهم من يزيد على ذلك. ولذلك العلماء ذكروا مسألة هنا، قالوا: ما هو الأفضل في رمضان؟ أن يكثر الصائم من تلاوة القرآن وتلاوة الآيات، أم إنه يقف عند كل آية ويتدبرها ويتفكر فيها ويتأملها؟ أيهم الأفضل؟ قال الإمام الثوري رحمه الله في الفرق بين الرجل: ألهم القراءة في رمضان، فنهار رمضان يسبح في القرآن، وفي ليل رمضان يسمع القرآن ويتلو القرآن، فلربما ما تجاوز إلا وقتًا يسيرًا فأختم هذا الكتاب من الصفحة الأولى إلى الأخرى - أو إلى الأخيرة. قالوا: هذا يعود على الشخص نفسه. فإن كان من أهل العلم والتقى ومن المتمعنين والمتدبرين لكتاب الله جل جلاله، فالأولى له أن يتدبر الآيات، هذا الأولى. الفاهم والمتدبر والمتمعن والمتفكر في الآيات أن يكثر من هذا المقام الرفيع العظيم وهو مقام التفكر في آيات الله جل وعلا. وأما إن كان غير ذلك، فالأولى له أن يكثر ويشتغل بذلك. أحبة في الله، حديث عند أبي داود، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - لأن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكثر الصيام حتى شق على أهله، شق على أهله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأه في شهر». قال: أطيق أكثر من ذلك يا رسول الله. قال: «اقرأه في أسبوع». قال: أطيق أكثر من ذلك يا رسول الله. قال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «اقرأه في ثلاث». وجاء الإشكال في حديث آخر عند أبي داود أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام لا يفقه»، لا يفقه القرآن. «من قرأه في أقل من ثلاثة أيام لا يفقه القرآن»، لأنه يهذ القرآن هذًا. لكن العلماء كالحافظ بن حجر - قصد الحافظ بن رجب رحمة الله عليه - قال: هذا ليس المقصود به أن الإنسان لا يكثر من قراءة القرآن في رمضان، وإنما المقصود به النهي عن كثرة الدوام، أن يختم القرآن في ثلاثة أو أقل من ثلاثة أيام، هذا على المداوم على هذا، ليس في شهر رمضان بل في غيره من الشهور، يداوم على هذا، يداوم على ختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام، فذاك جاء النهي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. أما من لم يكن مداومًا وليس هذا الأمر شأنه، فإنه ماذا؟ فإنه يكون في حقه ليس منهيًا عنه كما سمعتم في الحديث. فإذا أحبة في الله، اعتنوا بارك الله فيكم بالقرآن، اعمل لك وردًا، اعمل لك برنامجًا معينًا في شهر هذا - في شهر رمضان - لأنه كما سمعتم ارتباطه بالقرآن ارتباطًا وثيقًا. لذلك كان الأوزاعي رحمة الله عليه إذا دخل شهر رمضان، إذا دخل شهر رمضان كان يغلق كتب الحديث ويقول: «إنما هذا شهر القرآن وإطعام الطعام». هكذا يقول الإمام الأوزاعي رحمه الله. والإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله ورضي الله عنه كان إذا جاء رمضان كان له شأن عظيم مع هذا الشهر الكريم، كان ينفر - وقيل يفر - من كتب الحديث أن يتركها تمامًا، ينفر أو يفر من كتب الحديث، وكان يعتني بقراءة القرآن. وقد وصف الإمام الزهري - بل سفيان الثوري رحمه الله - رجلًا من العباد والنساك والعلماء وهو زبيد اليامي رحمه الله، قال: إذا دخل رمضان جمع المصاحف وقال للأصحاب: «هلموا مع القرآن». فيا إخوتاه، هذا الشهر العظيم، هذا الشهر الرفيع، وهذه الرابطة الوطيدة والرابطة العظيمة تجعل في قلب كل واحد منا أن يهتم اهتمامًا بالغًا وعظيمًا وكبيرًا بتلاوة القرآن في هذا الشهر العظيم المفضل. أحبة في الله، وهنا نأتي إلى عدة نصائح مهمة في هذا الباب، في هذا الباب العظيم. إننا حينما نقرأ القرآن يا أحبة في الله نريد أن نتأثر به، فالمتأثرون بالقرآن قلة، ونعني بالتأثر أن يكون نبراسًا للعمل وقدوة في الأخلاق. كم من حامل للقرآن فوالله تزدريه، تزدريه. كم من حامل للقرآن لا ترى أثر القرآن عليه. كم من حامل للقرآن يتلبس بالمعاصي والذنوب. فإن القرآن نور من أنوار الله عز وجل، إنه صفة عظيمة من صفات الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى. فنكرم يا حملة القرآن هذا الكتاب العظيم، نكرمه بالأخلاق، نكرمه بالمعاملات، نكرمه بالطاعات والقربات. فبسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقلنا أيها الأحبة: التأثر بالقرآن من المنازل العظيمة. ولهذا من المشاهد التي صورها القرآن الكريم في آياته العظيمة مشهد للنبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء النبي صلى الله عليه وسلم - كما قال ابن مسعود، وذكر ذلك ابن إسحاق رحمه الله - حينما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف، تعلمون ما وقع لنبيه عليه الصلاة والسلام في الطائف. فلما كان في وادٍ يقال له وادٍ نخلة، صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر. هذا المشهد صوره الله جل وعلا في القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾، قل بعضهم لبعض: اسكتوا، ﴿أَنْصِتُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾. فلما قُضي هذه القراءة العظيمة من النبي، قُضي القرآن، ولوا إلى قومهم منذرين، قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾. هذا الكتاب أنزل من بعد نبي الله موسى. الجن يا إخوة استمعوا لآيات في صلاة واحدة. وقال بعض العلماء: إن هؤلاء الجن إنما لما امتنعوا - السَّرَق، السَّرَق من السمع من السماء، امتنعوا من السَّرَق، سرقة الكلام من السماء - فإنهم خرجوا إلى الأرض يلفون ما الذي حدث، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم منعوا استراق السمع من السماء. فقالوا: وما حدث ذلك إلا بأمر عظيم وقع في الأرض، فانتشروا، فرأوا النبي صلى الله عليه وسلم. شهد يا إخوتاه كيف تأثر الجن، فقط كلامهم، نصارى - هؤلاء الجن هم نصارى، نصارى - ولكنهم لما سمعوا القرآن تأثروا، وكان من ثمرات التأثر أن أصبحوا من الدعاة، الدعاة إلى القرآن، أصبحوا يدعون قومهم إلى كتاب الله جل وعلا، يدعون قومهم إلى هذه الآيات ويحذرونهم: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾. يحذرونهم. وما بهم يا إخوة؟ لا قعدوا درسًا، ولا استمعوا كلامًا، ولن يُنصحوا نصحًا، وإنما سمعوا آيات عظيمة من في النبي صلى الله عليه وسلم، فانقلبوا دعاة إلى الله عز وجل وإلى هذا الكتاب العزيز. فإذا أيها الأحبة في الله، لتكن يا عبد الله صاحبًا للقرآن في رمضان، كن صاحبًا لكتاب الله جل وعلا. وكذلك: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، القرآن روح، ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. هذا هو القرآن، اجعله صاحبًا لك، صاحب القرآن. ولذلك ذكر المفسرون قصة عجيبة في قول الله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. الحديث في سنده مقال، ولكن يستأنس به، وقيل هو من الأحاديث التي لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند بعضهم، وبعضهم يخفف من ذلك. وهو رجل يقال له عقبة بن أبي معيط، هذا رجل من الكفار، لكن كان رجلا رحيما لا يؤذي أحدًا، حتى النبي كان لا يؤذيه طبعًا في بداية الأمر. وكان له صاحب وزميل ومؤانس يقال له أُبي بن خلف، الكافر المشرك، وواحد من صناديد الكفر، هذا زميله، خليله وصاحبه الذي لا ينفك عنه. وكان من عادة عقبة بن أبي معيط إذا سافر ورجع يعمل وليمة ويدعو لها أشراف قومه. وقد رجع من سفر ودعا أشراف قومه، ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم في مأدبة لهذا الرجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعقبة بن أبي معيط، وجعلها فرصة سانحة لأجل أن يرق قلب هذا الرجل، فقال له: «فوالله لا أطعم لقمة من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله». والعرب عندهم كرم، إخوة وكرم الضيافة عندهم تدين وأدبا وخلقا رفيعا، فيعيب عليه العرب إذا ترك النبي الأكل وخرج إلا أن يجيب مطلب هذا الرجل وهو النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فتناقلت الأخبار إن عقبة بن أبي معيط قد صبأ مع النبي، صبأ، وقال يسمونه النبي الصابئ، والصابئ لها معاني منها الصغير ومنها المعتوه، وهكذا. فتناقلت قريش هذا الخبر وطار فيهم حتى وصل إلى من؟ إلى صاحبه خليله ومؤانسه وزميله، إلى أُبي بن خلف، قيل أُبي بن خلف. فلما أن جاء هذا الرجل من مكان بعيد والتقيا الخليلان والزميلان، عقبة وأُبي، فلم يعطه أُبي وجهًا، يعني أعرض عنه، هو صديقه صاحبه، ما الخبر؟ قال: وما بك يا ابن أخي، ما بك يا ابن أخي، ما الذي صار؟ قال: صبوت، صبوت مع محمد. قال: يا رجل، يا رجل، هذا الرجل أتاني على مأدبة وقد قال لي: والله لا أطعم طعامًا قط حتى تقول كذا وكذا، فقلتها، فما يرضيك عني؟ تصاحبي وخليلي، شيء يرضيك، اشتغل، اعمل حتى ترضى يا زميلي يا صاحبي. قال له: أن تذهب إلى النبي فتبصق في وجهه، شوف، تبصق في وجه النبي صلى الله عليه وسلم. فذهب الشقي المحروم الذي تحسر، فقال: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. صاحب، الصاحب المجرم الفاسق الذي سحبه عن كلمة لو ثبت عليها وقالها يقينًا لفلح، ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾. بالقرآن، باتباع النبي صلى الله عليه وسلم. ذهب الشقي فبصق في وجه النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له رسول الله كلمة عظيمة ومتحققة ومتحققة يقينًا ووقعت: «لئن خرجت خارج مكة ليأخذن هذا السيف منك مأخذًا» أو بهذا المعنى. ثم جاءت بدر الكبرى، غزوة عظيمة، تعلمون، فخرجت قريش بخيلها وخيلائها وعدتها وعتادها، وهم كما تعلمون القصة لا نكررها، وخرج من صناديد الكفر من خرج، ومن وقعت فيه الفواجع العظيمة وقتل في هذه المعركة، إلا هذا الرجل لم يخرج في بداية الأمر، فجاء له بعض أهل قريش، فقيل له: لما لم تخرج؟ قال: أخاف دعوة محمد. ذروا، كيف كيف استيقنوا بصدق النبي صلى الله عليه وسلم؟ أخاف دعوة محمد. قالوا: نعطيك ناقة سريعة حتى إذا ظفر بك محمد - حتى هم مصدقون، حتى هم مصدقوا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم - نعطيك ناقة سريعة حتى إذا وقع ما قال محمد ترجع بسرعة. فخرج الرجل بعد ذلك، فوقع ما قال النبي صلى الله عليه وسلم، أخذ في الأسارى، ثم قدم للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بقتله. فقال: يا محمد، أتقتلني من بين الأسارى؟ قال: نعم، بما بصقت في وجهي، بما بصقت في وجهي. فقتل بذلك. فإذن يا إخوة، اجعل القرآن صاحبًا لك. انظروا إلى الخسارة العظيمة التي خسرها هذا الرجل في هذه الواقعة، في هذه الواقعة. ولذلك من المعاني العظيمة يا إخوة التي نريدها أن تتحقق في قرآن - أن تتحقق في رمضان مع القرآن - أن يكون هذا القرآن الكريم العزيز هو محلا للعمل والتقوى والصلاح، أن يتغير هذا الوجه الذي يتلو القرآن، أن يمر عليك رمضان وقد تغير فيك ما تغير بواسطة هذا الكتاب العظيم، أن يكون هذا القرآن لك أنسا، ولك صاحبًا، ولك زميلًا، ولك جليسًا في هذا الشهر الكريم، ثم تكون تجني منه الثمار في أخلاقك، في آدابك، في تعاملك، في مشيك، في سيرتك، في كل حياتك، يكون لك نورًا عند الله عز وجل. لهذا أحبة في الله، ومما ذكر المفسرون في آية عظيمة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِن